aic_header_logo
Home
عن الحروب الاهلية التي لا يريدها أحد ويصنعها الجميع Print E-mail
Monday, 12 February 2007
Tag it:
Delicious
NewsVine
Reddit
YahooMyWeb
Technorati
Digg

قُتل البارحة ( كل يوم) في بغداد اكثر من مئة انسان دفعة واحدة. هذه المرة كانت في الصديرية، احد الاحياء المعدمة. وقتل مئة غيرهم في الحلة، بينما كان سواهم يقتلون في انحاء مختلفة من العراق باعداد كافية كي لا تعود الدقة الاحصائية ضرورية.

استغاثت البارحة ( منذ ايام) لجنة اللاجئين في الامم المتحدة في واحدة من اعنف البيانات الصادرة عنها، محذرة من العدد غير المسبوق لموجة النزوح الحالية من العراق: عدة ملايين بالتأكيد تركوا العراق منذ غزوه واحتلاله من قبل الامريكان، وبالاخص بعد انفجار العنف الداخلي الذي يقتل كل يوم مئات الاشخاص. ها قد عدنا الى الفقرة الاولى!

وفي غزة، وفي بيروت، وفي...

كان ياسر عرفات قد قال مرارا وتكرارا ان الدم الفلسطيني خط احمر، ووافقه الشيخ ياسين...رحمهما الله!

بعدهما قال المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني ان الشيعة لن يردوا على ارتكابات جماعة القاعدة في العراق " حتى لو اُبيدوا كلهم "، لأن الاقتتال الداخلي ...خط أحمر!

لا يوجد في لبنان من لا يعلن رفضه "القاطع" لانزلاق البلد نحو الحرب الاهلية، فهذا يفتي بالتحريم وذاك يصدر المواثيق، فيما الكل يتهم الكل بالتسبب في التوتر القائم.

كيف اذا تقع هذه الحروب الاهلية التي لا يريدها احد؟

 

هناك بالطبع السياسات السوداء لأمريكا في المنطقة التي، إن لم تقصد اشعال تلك الحروب الاهلية، بمعنى التخطيط لها - وهذا بحد ذاته ليس مؤكدا - فهي تتسبب بها كحصيلة لتفاعل اساليبها في ادارة الامور، ولعدم اكتراثها في المحصلة الاخيرة. يقول باحثان جامعيان بريطانيان في دراسة جادة صدرت مؤخرا وتحمل عنوان "العراق المشظّى، الاحتلال وموروثاته"، ان فرصة بناء الدولة في العراق قد خُرّبت بفعل الجنوح الامريكي للسيطرة على هذه العملية اكثر مما بفعل نقاط الضعف القائمة اصلا في البنية العراقية. وهما يعتبران ان التناقض الاساسي يقع بين الطموح الامريكي المدّعى لجعل العراق نموذجا يقتدى، مما يفترض به ان يكون التحدي الاكبر والهدف الاستراتيجي الذكي للامريكان، وبين التركيز الفعلي على تحقيق السيطرة بمعناها المباشر والاكثر بدائية. وأن هذا التناقض قد حل دوما لمصلحة الشق الثاني. وهكذا انصب الاهتمام الامريكي الاساسي على ضبط التعاون الذي يمكن ان يقوم بين مختلف مكونات المجتمع العراقي وضبط مساهماتهم في "مشروع بناء الدولة"، بحيث لا تُهدد هذه او تلك السيطرة الامريكية. تستعرض الدراسة الوسائل التي فعّلها الامريكان لادارة هذا الضبط والتي استنهضت كل انواع العصبيات الفئوية، واججت الصراع بين المركز والاطراف، وأوجدت مؤسسات ثم حدّت من دورها، ودفعت الاحزاب والقبائل للاصطدام. ويمكن الوقوع على النتائج نفسها في فلسطين وفي لبنان، مع بعض التنويعات المطابقة لخصوصيات المكان.

 

هل يكفي ذلك لتفسير السهولة التي تبدو انها ترافق اليوم امكان اندلاع نزاعات اهلية عنيفة في اي بقعة من العالم العربي؟

سيكون تعسفيا، وسخيفا، ومزورا، اغفال العنصر الآخر الذي يجعل اصلا السلوك الامريكي ممكنا: لم يسبق ان وصل الانكشاف الداخلي للمجتمعات العربية الى الحد الذي وصل إليه اليوم. فهي تبدو كهياكل عظمية تجردت من كسائها، وباتت تقف هكذان هشة بمواجهة الاعصار. أول علامات هذا التمادي في الانكشاف يستدل عليها من طبيعة وسائل الاعتراض عليه. فمقاومات التفكك التي تنتجها هذه المجتمعات اقرب الى الاستغاثة منها الى العمل المنظم. في فلسطين تنادت تنظيمات نسوية الى تشكيل سلسلة بشرية اعتراضا على الاقتتال الداخلي وسعيا لمنعه، بينما تمارس اغلبية الناس ادانة سلبية له تتمثل في الانفكاك عن الصراع الدائر بين فتح وحماس. في لبنان، يبدو التداعي الخطير الذي اعقب شرارة التصادم في جامعة بيروت العربية قد فاجأ بصدق بعض القيادات، وهو امر لا يستدعي السرور لأنه يعني افتقادها  لتقدير دقيق للموقف، وهو، أي هذا الخوف من انفلات غير محسوب للعنف، قد دفع على ما يبدو الجميع الى خفض ضجيج قرع الطبول الجاري. عدا ذلك انطلقت حملة توقيعات تهدف الى تحقيق اقصى اتساع وتنوع ممكنين، وقد بادرت اليها مجموعة من الشباب، آملين بذلك ايجاد جسم لاطائفي ولاعنفي يخترق الآلية القائمة أو يرتفع فوقها، مجسدا صوتا منفردا لعله يقدر على تعطيل دورانها الكارثي. والمبادرة بقدر ما هي ضرورية بالتأكيد، بقدر ما هي تحلق في الهامش. 

 

أما اشد العلامات بلاغة عن مبلغ الانكشاف الداخلي للمجتمعات العربية فيمثله هذا الترحيل الفج لكل بحث عن حلول  لاوضاعها المتفجرة الى خارجها. هناك تفاوض دولي علني ومباشر بخصوص لبنان يتمثل بالتحركات الدبلوماسية المكثفة الجارية حاليا والتي ينضبط ايقاع التنفس اللبناني على مسارها. وهناك بؤرة اقليمية موازية أو رديفة تتمثل بالمفاوضات السعودية – الايرانية القائمة والتي تبحث عن صيغ ممكنة للهدنة في لبنان ان لم يكن للحل. واحيانا، يتخذ هذا الترحيل طابع المقايضة او السمسرة التي تطغى على ما عداها. وهو بالضبط ما جرى بخصوص، وفي اعقاب، مؤتمر باريس 3 ، وقد تدعمت هذه الصورة بمداخلة الرئيس بوش بُعيده، التي هاجم فيها حزب الله وسوريا وايران، وتفاخر بالمبالغ الامريكية المرصودة "للبنان" والتي بدت على لسانه وكأنها تخص بالفعل الرئيس السنيورة!

 

 لا الجهد الدولي ولا الاطار الاقليمي هما المشكل، وذلك بغض النظر عن المضامين التي يتخذها كل منهما والتي تثير بالضرورة التقييم والاختلاف. المشكل في انمحاء قدرة الفعل للقوى المحلية صاحبة الشأن، سواء أكان لجهة طاقتها على بلورة ادراكها الخاص للحلول الممكنة، أوكان وقبل ذلك، لجهة امتلاكها الرغبة في لعب هذا الدور.

 

كساء الهياكل العظمية للمجتمعات مادته المشروع الذي تتبناه ويحقق لها صورتها عن نفسها وعما تطمح إليه. سر ايران مثلا في هذا اكثر منه في النفط او في السعي الى امتلاك التقنية النووية. حتى المجتمعات الاكثر تقدما في العالم والاكثر استقرارا تمتلك مثل هذا التصور عن الذات. بغير ذلك لا رجاء، ولن يكون الحال إلا تلاحقا لأضطرابات بعضها يُحتوى وبعضها الاخر ينفجر...


 
< Prev   Next >
website statistics