aic_header_logo
Home
كان لائقا بنفسه حتى الرمق الأخير:مات صدام المجيد دون أن يجد خصماً يليق به Print E-mail
Thursday, 11 January 2007
Tag it:
Delicious
NewsVine
Reddit
YahooMyWeb
Technorati
Digg


كان لائقا بنفسه حتى الرمق الأخير:مات صدام المجيد دون أن يجد خصماً يليق به !!!

محمد نعيم فرحات*

كان صدام حسين المجيد في آخر مشهد له كما هو عادة :- رقيق وأنيق وواثق ودمث ومؤدب بالسليقة والإرادة ، أبيض الصوت وكاسح النظر ، ويرى بالبصيرة والبصر ما لا يراه الخصوم وما لا يستطيعون رؤيته أيضا ، وكالمعهود كان موطنا للهيبة ولجبروت الحزم والتصميم ، وظل قادرا في كل حال ،في "السراء والضراء وحين البأس العظيم "على أن يعطي أعلى المعاني التي يمكن لخيال حقيقي وشجاع وأصيل أن يبدعها حتى في اللحظة الأكثر هولاً ومعنىً، لحظة مجابهة الموت بصفتها الأعلى التي تكشف عن جوهر الإنسان وحقيقته. وفي صعوده إلى قدره الذي ساهم في تصميمه بعناية وإرادة وبصيرة، ذهب صدام حسين المجيد إلى حيث شاء وكان "باسما وراضيا ومرضيا".

ومن هول ما خلفت واقعة موت صدام المجيد من بياض واكتساح والتحام عنيف بين رجل ومصيره، لم يعد المشهد يتسع لروية بؤس قاتليه الحقيقيين، ولا نذالة المشاركين في معاينة قتله دون أن تكون لهم يوما رماح تطال هامته ، ولا غدر المتشفين فيما يفترض أن يكون عدوا لهم ، يقتل جار لهم ، ويستخدم ظهورهم مطية لنار فتنة لا قبل لأحد بعواقبها . فتنة كان التحذير منها إحدى أهم فصول خطاب صدام حسين التي قالها في طريقه للخلو ة الأبدية مع الموت ومجابهة المصير، متجاوزا غدر البعض ونذالة البعض الأخر، ومانعا انجرار البعض إلى تخوم الفتنة وتأويلاتها .

.....
يقينا لقد كان لقاء صدام حسين المجيد مع الموت باسلاً وعالياً بصورة تتجاوز قدره كل المعنيين به وقدرة خيالهم على استيعاب موت " كل " صدام حسين المجيد.في النحو الذي جرى، وبالنسبة له فربما يكون قد أختتم حياته على نحو لائق ببطولة ممتدة في الرؤية والموقف والاختيار ولربما كان يرى نفسه بطلا كما يجب ، بيد أنه كان فعلاً، بطل شهم في بطولته بصورة تتعب الوصف.

... وفيما بدا الأمر وكأن صدام حسين المجيد يتقدم للمنصة كي يلقى خطابا ، خطاب ليس ككل الخطابات التي ألقاها عبر تاريخ طويل من القول والفعل والحضور المحمول على ما كانت تفيض به لياقته وهيبته، بل لقد ألقى من على المنصة أعظم خطاباته، ومن هناك غادر إلى فضاء الرمزية والذاكرة الفعالة وتاريخ قائم وقادم معا، سيدمج على نحو مذهل تاريخ الرجل في الماضي ويستعيده على نحو بالغ الكثافة والدلالة والتكريم .


وفي اللحظة التي تكاد لا ترى ولا تسمع ولا تشاهد من هول كثافتها( ولكنها تحمل كل أبعاد الخطب والفصل) تلك اللحظة التي قامت بين قول صدام الأخير " اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً ....."ومفارقته للحياة كان الرجل الذي بدا خاسرا في( الوهلة ( يصل إلى أعلى ظفره، فيما كان يتردى من بدا ظافراً (لوهلة) إلى أقصى مديات خسارته "


.......صحيح أن صدام حسين المجيد قد مات اغتيالا وغدراً، على يد خصومه و جراء اختيار شخصي قاتل فيه بالموقف، وان روحه ارتفعت إلى بارئها الواحد الأحد القهار، وأصبح بعهدة خالقه بما له وما عليه ، وعاد جثمانه إلى مكانه الأول، إلى حيث شاء وشاءت أقدراه في أعماق أرض العراق وكان كليهما جدير بالأخر،ولكن أحداً لا يدري هول وعدد الرؤوس والأقوام التي ستطيح بها هامة صدام حسين المجيد المقتول غيلة وغدرا.

وبمقدار ما يحيل المشهد لمعنى الرجل الحقيقي والشجاع والنهايات التي يختارها وتقررها الأقدار له أيضا، فانه يحيل لمعاينة ذهاب الرجال الحقيقيين بخصومهم إلى حيث يختارون لهم الذهاب ، بيد أن المفارقة تبقى فيما تشي به النهاية:- حيث تقف رمزية صدام حسين المجيد ورؤيته ومشروعه عند نقطة اللاعودة في طريقها إلى التحقيق في المدى التاريخي القائم والمنظور، على نحو لم يكن متيسرا في حدود حياه صدام حسين نفسه، حتى

ولو بقي حراً طليقا ويقف براحة على رأس المقاومة العراقية، وهنا تكمن واحد ة من أعظم معان الموت التي قد يطمح لها أو يحلم بها رجل حقيقي وأصيل مشغول بالتاريخ.وعلى نحو ما يبدو صدام حسين وكأنه قد نصب بثمن موته (على نحو عراقي وخاص) الكمين المصيري والقاتل لخصومه خصوم العراق.

وفي هذه اللحظة بالذات كان صدام حسين يحسم معركته وحربه بشجاعة وشرف ولياقة، ويترك للوارثين بقايا الطريق بتكاليفها الباهظة وأهوالها نحو النصر والثأر . إن غباء القوة الذي يسكن أعماق خصمه الأول المتورط في تدمير العراق ونموذجه ومعناه، وعمى الحقد والغدر عند الجار اللدود ، و معطوبيه الرعاع الذين جاءوا في أعقاب الجيوش الغازية أو مشوا بمعيتها، ويحلمون بحكم العراق بالرذيلة والخيانة والانحطاط والقتل والهتك.... والسلب والنهب ، لم يكن بمقدورها سوى أن تقيم حلفا بين( الفجور والغدر والنذالة) ولا تستطيع أن ترى ما يراه صدام حسين المجيد وما رسمه بدمه من مصائر مفجعة لها وما يتضمنه موته من هلاك مادي وأخلاقي لهذا التحالف.

* * * *


.....
في كل مفاصل مسيرته وحياته في الحزب والدولة والحرب والكرم والحصار والرجولة واللياقة والأناقة والوفرة والردى والخطوب والمحكمة والمنصة .... في كل ذلك، لم نعثر على صدام حسين المجيد إلا شهما مالك لنفسه وسيد لها ،بما يفوق حشودا من الدول والزعامات والكيانات التي تشعر بأنها حرة وسيدة ، ولأنه أبن حقيقي لوادي الرافدين والعراق بكل معان العراق لم يبحث يوما عن شرعية أو سند أو اعتراف خارج العراق، ولم يرسل يوما نداءً لأحد أو طلب استغاثة أو عون، ولكنه أرسل في أربع أرجاء أمته وزمانه الشهامة التي حولها لقيمة أساسية في سلوكه السياسي ورسل العون والسند، ولم يطلب امتنانا من أحد حتى من خصوم كان خبيرا بخستهم ، ولكن شهامته لم تمنه يوما من حماية رقابهم من حصار أو موت أو فناء أو إقصاء ضد آخرين يتفوقون عليهم في الجسارة على الخسة . لقد كنا إزاء رجل التحم بمرؤة مع نفسه وكان مخلصا حتى الموت في المطابقة بين الرؤية والموقف، وفي مسار حياته الممتد وحتى مماته، قلما واجه صدام المجيد خصما يليق به أخلاقيا ، ! لقد تفوق على كل خصومه ولم يكونوا له نداً( وربما يستثنى في هذا الصدد- بعض الرجال- من رفاقه في الحزب والدولة الذين احتدمت بينه وبينهم وعلى الطريقة العراقية صرا عات الإرادة واختلاف المقاربات.

.....ورغم ما تحمله لقطات محددة في حياة الرجل مما يبعث على إذلال رمزي ومادي له وللوعي الجمعي العربي ، وتحيدا في لقطة القبض عليه وأسره ، التي تبين أنها أخرجت على نحو غير ما جرى في الحقيقة ، أو في الأبعاد النفسية والرمزية التي رافقت اغتياله ، إلا أن تصرف صدام حسين المجيد قد بدد هذه المشاعر، وكان يعطي الصورة الحقيقية لجوهرة الصارم والشجاع من إمام ومن وراء ظهر عدوه. وربما يكون حادث أسره تحديدا وما تلاه وترتب عنه من أحداث وصولا إلى موته قدرا مواتيا له بأفضل مما لو قضى شهيدا في سياق ما، دون إن ندري أين وكيف، أو بقي طريدا مقاوما. لقد رسمت له الأقدار النهاية الأكثر حضورا واستذكارا ومجداًَ ورغم كل ما أحاط به فقد أطل كما هو، وكما يجب، وعزز صورته وخصاله الأصيلة على نحو عميق.

.....
وأخيرا وصل صدام حسين بعد مسير مليء بالمجد والهول والحكم والصراعات الضارية والحضور والمقاربات والمطاولة والخيارات الإشكالية (بما له وما عليه ) إلى نهاية وجوده في قيد الحياة . بيد أنها نهاية حملت في أرجائها حشدا من المفارقات المذهلة ، والمعاني التي يصعب حصرها أو تحديد تداعياتها . ولأنه لم يخذل نفسه ولم تهن عليه ولم يغدر بها، فقد جدد معنى الحسين وجدد معنى البطولة والرجولة الأثير في خيال العرب.

....لقد كانت إحدى مآثر استشهاده المبدعة تحريره لمعاني الحسين النبيلة من عملية سطو واختلاس من لصوص عراقيين وغير عراقيين افتروا على الحسين وغدروا به مجددا ونكلوا. وجرد معهم ملتحفون آخرون زورا

وسطوا بأغطية أهل السنة والجماعة. وكشف لنا عن حلف يقوم بين غادري الأمة والعقيدة هنا وغادري العقيدة والحسين هناك مع أعداء الأمة والعقيدة معا. وكيف أنهم يذهبون بالريح نحو شتى أصناف الفتن . لقد جرد موت صدام الجميع من المزاعم والرموز والإيهام لصالح خيار الوحدة والمقاومة والانعتاق وحامليها الحقيقيين، ولم يبقى للمعنيين سوى خيار العروبة الأصيلة والعقيدة الأصيلة في وجه الغزاة والغادرين والرعاع ، وكل الذين اعتادوا على خيانة أنفسهم سوءا تعلق الأمر بأهل السنة أم بالشيعة أم بالعرب أم بالعجم ، ولو كان الحسين بن علي( رضي الله عنه وأرضاه) شاهدا على ما جرى ويجري لرأينا في أي صف يقاتل ويقوم .....
.....
وهنا صار أمر صدام حسين يتجاوز طرحه من زاوية رجل دولة له الكثير وعليه كثير أو صاحب مقاربة ومشروع عمل لأجله ما أستطاع لذلك سبيلا وأثناء ذلك أصاب وأخطأ ، أو إلى مدى كان حالم أو مجازف أو مغامر أو طاغية)عادل كعلي حازم كعمر كما كان يحلو له أن يصف حكمه أو خلاف ذلك( .كما لم يعد الأمر كما يحاول تصويره فقهاء العدالة حول طغيان الرجل في الدولة والحكم، وكأن الدولة نادي نسائي مَدخر لتضيع وقت سيدات متخمات بالفراغ ،في حين أنها ليست ولن تكون إلا عنوه وقصرا وعنفا وإكراها له مشروع جدي أو أن يكون الفساد مشروعها. لقد صارت كل هذه المسائل على أهميتها تفاصيل في سياق المدى الذي اشتقه صدام حسين بموته. وتحوله من حالة إشكالية إلى شهيد حسم خياره في البعيد ، بعيد تجري فيه صياغة مصير من ذهبوا ومن بقوا،فيما صدام حسين المجيد قد صار شهيدا ستقاتل راياته على نحو أشد من قتالها تحت قيادته عندما كان حيا، وترك الجميع في العراء يكابدون مأزقهم ، فطوبى لمن ذهبوا وطوبى لمن يرثوا وعلى البغاة الطغاة تدور الدوائر.


------------------------------------------------------

*كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين


 
< Prev   Next >
website statistics