|
سباق نحو الهاوية
ام التعقل والاتفاق على برنامج تصفية الاحتلال؟ً
د.سعيد مضية
كاتب فلسطيني
نحكم على ما جرى في غزة وذيوله وسبل الخروج من ورطته في
ضوء المهمة الرئيسة والهدف الأساس لنضالنا الوطني، والذي لا يجوز أن نحيد عنه. كان
المسافرون عبر الصحراء يهتدون بنجم يحدد لهم الدرب الذي يسلكون. لم تكن لديهم
بوصلة فاسترشدوا بالنجم. والنجم الهادي لكل من يعمل في النشاط الوطني الفلسطيني هو
التصدي للاحتلال وبالذات لمشروع التهجير. فمع تصاعد دعوات الترانسفير تغدو المهمة الملحة
والهدف الأساس تعطيل مشاريع الاحتلال العنصرية وانتزاع حق البقاء على تراب الوطن.
ومشاريع الاحتلال هي حقا عنصرية وجرائم حرب يجب أن تظل المظهر الأبرز لما يدور على
أرض فلسطين، وليس التصرفات الهوجاء من صنع الحماقة السياسية. فإسرائيل مارست
التمييز العرقي والتطهير العرقي بأفظع مما جرى في جنوب إفريقيا ونجحت في التمظهر أمام
العالم بأنها تكافح من أجل حق البقاء ومن أجل أمنها.
لطالما غطت إسرائيل على ممارساتها بما صدر عنا من أفعال
وخطابات. وتتوتر المشاكل داخل الحركة الوطنية الفلسطينية عندما يضيع أي من الفصائل
الوطنية البوصلة الهادية وينزلق في متاهة أو يتنطح لمناكفة كسبا لشعبوية زائلة. قد تختلف البرامج الوطنية من حيث الشكل او من
حيث الوسيلة الكفاحية، وقد يفضي التركيز على الخلاف الشكلي إلى تضليل الناس
وإرباكهم، وقد يثير صراعات جانبية يستغلها العدو المشترك. فلا يجوز تشويه وطنية
فتح ولا الطعن في وطنية حماس أو أي من الفصائل التي تتصدى للاحتلال. إن أي خلاف بين
الفصائل، أو حتى بين العشائر أو الطوائف أو مشاجرة في قرية او حي إنما يستغل من
قبل العدو المتربص. فما بالك بالصراع المسلح؟!
إسرائيل تستثمر
النزاعات الأخيرة وتنشر على صعيد العالم براءتها من مسئولية الصراع الدموي الراهن
والماضي على أرض فلسطين، مدعية أن الهمجية الفلسطينية مصدره،تلك التي تلوث
الفضاءات كل يوم. والصراع الراهن ليس
مصدره الاحتلال، إنما هو صراع حضاري بين الحضارة الغربية و"الهمجية
الإسلامية" . وتشيع أيضا في العالم أن انسحابها من غزة ترك الفلسطينيين
يواجهون بعضهم البعض ويحلون خلافاتهم بالهمجية إياها، فلا تليق مطالبة إسرائيل بالانسحاب
من الضفة! حقا، فالمنازلة الدموية بين فتح وحماس ألحقت ضررا فادحا بالقضية
الفلسطيني يصعب تلافيه. والمخرج من الإشكال الراهن لا يجوز ان يسترشد بغير القاسم المشترك
للجميع ـ التصدي للاحتلال. فإذا أخطأت حماس لا يعالج خطأها باستلال السكاكين، ذلك
أن لحمها مر وجمهورها عريض والدخول معها في صدام مسلح يمنح إسرائيل الوقت والفرصة
كي تستكمل مشروعها الاقتلاعي. كما أن الصراع الداخلي يشغل عن المهمة الرئيسة
ويستنزف الدماء الغزيرة ويستهلك الجهود التي يجب استثمارها لإفشال مشاريع الاحتلال
الاستيطانية. وكان يجب على حماس أن تدرك الأمر ذاته عندما قررت توجيه سلاحها ضد
فتح. وكان يجب على فتح تصفية صفوفها من الاستفزازيين الفوضويين، ووقف التسيب
والفلتان والمظاهرات المسلحة التي تروع المواطنين. كان عليها ان تعي العواقب
الكارثية لوجود أغلبية جاهلة سياسيا بين صفوفها، يتعذر على الفرد منهم التعامل
بالحوار والمنطق مع الجماهير ومع عناصر الفصائل الأخرى. وكان على حماس أن تمسك عن
تصعيد الخلاف بين نهج فتح التفاوضي وبين نهج حماس للمقاومة المسلحة، وأن لا توصله درجة
التناحر موظفة التكفير والتخوين للتأليب على
فتح، من أجل كسب شعبوي. الأخطاء المتبادلة نتاج عدم التبصر أوقعت الجميع في
المجابهة وليس بغير التفكير العقلاني والموضوعية
السياسية تستعاد الوحدة ويلتقط القاسم
المشترك.
من الطبيعي ان تتوزع الحركة الوطنية في كل مرحلة من
مراحلها بين فصائل مختلفة الاجتهادات ، لكن من المحزن والمؤسف ان ينشغل فصيل او
أكثر في تدبير المقالب أو الكيد لفصيل آخر أو يسعى لفرض وصايته على الحركة
الوطنية. من السخف الاقتتال على جلد الدب قبل اصطياده. ولطالما انشغل الاحتلال الإسرائيلي
في تدبير المكائد كي يغرق الفصيلين الرئيسين في صدام مسلح، تماما مثلما انشغل
الانتداب البريطاني ونجح في بت الضغائن والصراعات الجانبية داخل الطيف الوطني
الفلسطيني. ومثلما انتهت حقبة النصف الأول من القرن الثاني بالنكبة نخشى أن تنتهي
المرحلة التالية بفقدان فلسطين كافة. تجلت
عوامل النكبة في مرض الغفلة السياسية يرش السكر على السقم الذاتي. وصدق من قال:
المريض مات والمرض مازال فتاكا. لاحظ الإسرائيليون منذ الوهلة الأولى وعيا مغفلاً
لدى الفلسطينيين، يتلهى بالصغائر، ويشغله قصر النظر وضيق الأفق المسيطر على البعض
داخل كل فصيل وطني. أدرك الانتداب والاحتلال من بعده كم تضيق الأحلام على
رفيع المهمات. لعمرك ما ضاقت بلاد
بأهلها لكن أحلام الرجال تضيق. في
ثلاثينات القرن الماضي نجح الانتداب
البريطاني في زرع انشقاقات وتشرذمات داخل العمل الوطني الفلسطيني. برز الحزب
العربي الذي يقوده الحاج أمين الحسيني، ضد حزب الدفاع الذي يقوده فخري النشاشيبي.
وتجلى الصراع الدامي بين الحزبين نزاعاً عشائريا بين "حسينية" و "نشاشبية"تخللته
الاغتيالات. والأخطر من ذلك تغلغل صغار النفوس ممن أشاعوا صراعا بين "مدني" و "فلاح"، وبين
مسيحي ومسلم وبين منطقة وأخرى كي يفوز الواحد بالوجاهة والزعامة. وصب إبراهيم طوقان لاذع
هجائه على الصحافة المبتذلة التي احترفت تلميع أولئك المتسلقين ممن لم تهمهم غير
زعاماتهم: للحق سطر في صحافتنا وللتضليل نهر/ قلّب صحائفها يطل عليك بهتان وهجر /
للخاملين نباهة وللأغمار ذكر/ هذا يقال له الزعيم كما يقال لذاك حر / وهناك سمسار
البلاد فإنه الشهم الأغر. وعلى غراره شهّر عبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى) بالنفاق
السياسي واستشرف ذبح الوطن قبل أن تحل الكارثة: قوموا اسمعوا من كل ناحية يصيح دم
الشهيد / قوموا انظروا الوطن الذبيح من الوريد إلى الوريد / قالوا الملوك وإنهم لا
يملكون سوى الهبيد/ دكت عروش زينوها بالسلاسل والقيود.
وسخر نجيب
عازوري، شيخ الصحفيين الفلسطينيين ومؤسس صحيفة الكرمل ومحررها حتى عام 1948 من
" المتزعمين" الذين نفى عنهم صفة السياسيين. أولئك الذين يسهرون عند زلم المندوب السامي
ويخطبون في الوطنية أثناء النهار، ويضحون بالوطن والقضية الوطنية على مذبح شهواتهم
الأنانية وطروحاتهم المغرضة. وما أكثر ما تندر السكاكيني في مذكراته بسخافات
الفُرقة الوطنية. كان السكاكيني رائداً في الحقل الوطني، إلى جانب ريادته في العمل
الأدبي والنشاط التربوي. وفي كتاب القراءة للصف الأول الابتدائي نجد السكاكيني يسوق
نادرة تقول " "يركب جملاً ويقول لا يراني أحد". لعل القول ينطبق
على من حمل بندقية وتوهم أن العالم بات ملك يمينه.
أصر الحزب العربي على الاستئثار بالقيادة ولقي الدعم في
حينه من الجامعة العربية. من قبل ترك ثورة الثلاثين تدار ضمن فزعات محلية وأحجم عن
تشكيل قيادة عامة. وتكررت الخطيئة عام 1948إبان حرب مصيرية مقابل جيش منظم عالي
التدريب والتسلح. كان يعين قادة الفصائل لوحده ويغض النظر عن الكيد والتآمر بين
الفصائل ، فتدور المعارك على شكل فزعات بقيادات غير مجربة تجهل أمور التخطيط والتنظيم.
وانتهت حقبة مديدة من التضحيات الجسام إلى فشل ذريع وكارثة أليمة. وكتب أحد
المؤرخين اليهود ان القيادة الصهيونية استفادت من تجربة ثورة الثلاثين في إحراز
انتصار 1948.
وفي المرحلة الراهنة رفعت فتح شعار" القرار
الفلسطيني المستقل" للكيد بالشقيري الذي تولى مركز قيادة منظمة التحرير
الفلسطينية بدعم من الجامعة العربية. ينطبق على ياسر عرفات ما قاله الجواهري في
رثاء عبد الناصر: لا يعصم المجدُ الرجالَ وإنما كان العظيم المجد والأخطاء. أمعن عرفات في التركيز على
"استقلالية" القرار الفلسطيني إلى أن وجد الكفاح الفلسطيني محاصرا في
بيروت ثم محاصراً ومعزولاً داخل فلسطين وداخل المقاطعة في رام الله. ولم تخل
تكتيكات حماس من مناكفات لفتح كشفت للأعداء والأصدقاء أنها تقدم هدف الاستئثار بقيادة الحركة الوطنية على هدف التحرير، وتهمل
مهمة صد التوسع الكولنيالي على الأرض الفلسطينية. ظهر الشرخ عميقا أمام أعين
الجميع بين من يسلكون درب التفاوض مع طرف غير مهيأ للسلام ، وبين من يصعّدون العنف
المسلح. وكم من عمليات العنف المسلح التي نفذت أثناء ما سمي الانتفاضة الثانية
استثمرها شارون في تنفيذ خطته للضم وتشييد الجدار بتأييد دولي عارم. كم من عمليات
العنف المسلح استدرجها شارون ومن قبله باراك لتوفير فرص البطش بالحركة الوطنية
والتعامل معها بالعنف المسلح بأدوات التدمير والقتل الجماعي ، ثم التمظهر
أمام العالم ضحيةً لا تنشد غير الأمن وحق
البقاء!! يذكر الجميع كيف ضُيِّق الخناق على الجماهير الفلسطينية بحجة التصدي
ل" إرهاب" حماس لدرجة انهيار الآلاف تحت الضغوط المادية والنفسية وتحولهم
إلى مخبرين لدى سلطات الأمن الإسرائيلية،
واضطرار الآلاف للهجرة خارج أرض الوطن. وحقا ما كتبه أحد المفكرين
الفلسطينيين" قدرة الفلسطينيين على التحمّل هي في النهاية محدودة باستطاعتهم
البشرية، فهم ليسوا آلهةً أو ملائكةً حتى يتحمّلوا ما لا يطيقه البشر. الـمقاومة التي
لا تفكر إلاّ بإطلاق الرصاص ومن دون حسابات الأرباح والخسائر تضرّ أكثر مما تنفع".
نخلص من جماع التجارب المريرة للإخفاق والفشل والتردي في
هاوية ضياع الوطن إلى حقيقة أن أهم ما يجب أن يتضمنه أي برنامج مقاومة فلسطيني
هو الـمحافظة على ما تبقى من عرب في فلسطين. الاحتلال لن ينثر الورود على
الفلسطينيين، وكذلك حليفته الإستراتيجية، الولايات المتحدة الأمريكية. لا مفر من
الاقتناع بأن مسؤولية الفلسطينيين إزاء الحالة الـمأساوية الداخلية أكبر حتى من
مسؤولية الاحتلال، واكبر من التآمر الامبريالي ـ الصهيوني. ومن التعسف التركيز على
أن المقاومة مرادفة للعنف المسلح. فقد تحررت الهند، وهي درة التاج البريطاني، على
موجات كفاح مدني شاركت فيه الملايين. واستطاع الشعب الأردني ان يقهر بالمظاهرات السلمية
في خريف 1955مشروع تمبلر ويوقف زحف الأحلاف العسكرية للامبريالية. وتمكن الشعب
الإيراني بالمظاهرات الجماهيرية من اقتلاع أعتى قلعة استبداد وتفكيك أضخم جيش
اعتبر مجاله الحيوي من باكستان حتى أواسط إفريقيا وتمزيق منظمة السافاك التي روعت
الشعب الإيراني. لا يليق قصر برنامج المقاومة على أسلوب الكفاح المسلح، وعليه ان يهبط إلى الأرض ليثبّت
"حق البقاء". فالبرامج السياسية قد تتبدل وتخضع للمراجعة والتغيير. ولا
تقاس قيمة البرنامج السياسي بضخامة بنوده، بل بتحقيق أهدافه. وخطوة تخطوها الحركة
الوطنية أفضل من مئات البرامج عصية التحقيق. وبذا يمكن التراجع مؤقتا عن هدف وطني،
من اجل النجاح في تحقيق ما هو ادني منه. البقاء والعيش الكريم على أرض الوطن
الفلسطيني يشكل جوهر الـمقاومة وأعلى مراتبها.
ضمن هذه
الموافقات يمكن جسر الفجوة بين الفصائل وتوحيد برامجها. يمكن الاهتداء إلى القاسم
المشترك إذا خلصت النوايا وتوارت أطماع الاستئثار ونوايا الإقصاء، وإذا جرى مد البصر أبعد قليلاً لوعي تداعيات
الحدث واحتمالات المستقبل. بدلاً من توزيع
المواعظ والمناشدات الزائفة، بدلاً من ترديد الشعارات المرائية حول قدسية الدم
الفلسطيني وطهارة السلاح ينبغي التوصل إلى صياغة برنامج وطني مشترك يركز أولاً على
ضمان البقاء على أرض الوطن وإنقاذ الأرض وإشهاد العالم على أطماع التوسع تحت غطاء
الأمن. الاتفاق ممكن إذا اتسعت الأحلام
لهدف تصفية الاحتلال، مصدر كل العلل والمصائب النازلة بالشعب الفلسطيني.
|