aic_header_logo
Home
رسالة من سجن النقب Print E-mail
Written by زياد حميدان   
Monday, 19 March 2007
Tag it:
Delicious
NewsVine
Reddit
YahooMyWeb
Technorati
Digg

 

الآن هنا...

 

أكتب لكم عشية هذه الأعياد مساء ليلة شتاء صحراوية من سجن النقب، حيث أوشك أن أنهي عشرين شهرا في غياهب الاعتقال الإداري الظالم، في هذه الأمسيات تصبح الصحراء باردة، وعمر الليل ثقيل ويتواطؤ كل شيء مع السجان المجحف:... الخيام... الأسلاك الشائكة... الأبواب الموصدة... الكشافات... أحذية الحرس العسكرية... كل شيء، لينقض ليسحق كل ما هو جميل في، بل ليقتل الإنسان بداخلي، في سياق حرب نفسية شنيعة يتم فيها التلاعب بمصيري ومشاعري كباقي الأسرى الإداريين

ناهيك عن عائلاتنا، حيث يقضي الأسير مدة توقيفه الإداري ينهشه الانتظار، حتى إذا جاء يوم إطلاق سراحه لطم بأمر توقيف إداري جديد لعدة أشهر أخرى، وحينها أرجع كبقية الأسرى لدفع صخرة الأيام من أسفل الوادي إلى قمة الجبل كأنني مصاب بلعنة آلهة إغريقية لا انفكاك منها، ولتمتد الظلمة من حولي في النفق، مكتشفا أن النور الذي بدا في آخره مجرد سراب، حيث تصبح أيامي طريق آلام جديدة بلانهاية ولا وجود للجلجة في آخرها، أو يصبح هذا الزمن المهدور عملية صلب سرمدية لا أعرف فيها متى أترجل عن الصليب ودون أن تكون العذراء أو المجدلية بالقرب مني.

أعزائي... إن مدى بشاعة التعذيب باستخدام الاعتقال الإداري لا توصف، حيث أنها تودي بي كباقي الأسرى الإداريين، للتخلي عن الفكرة الذكورية التي كنا قد تربينا عليها صغارا، بأن الرجال يجب أن لا يبكوا ! غير أنني حين رغبت في البكاء اكتشفت بعد ما يقارب السنتين في هذا المعتقل أنني فقدت القدرة على البكاء ايضا... ومع كل ذلك السواد الذي يلقي بظلاله علي وعلى بقية الأسرى الإداريين، فإنني لا أزل بخير، وأدرك هدف هذا الاعتقال الإداري الانتقامي العبثي، الرامي لكسر الروح والإرادة، والذي تسيره عقدة الاضطهاد التي يعاني منها السجان المحتل، الذي تثبت إدانته، فكيف إذا عمل هذا الفلسطيني مثلي على فضح ممارسات المحتل وإظهار مدى قباحة الاحتلال.

 إن إدراكي لتلك الحقيقة هو الذي يساعدني على الصمود وحيازة الأمل في الغد، مدركا أن الساعة الأشد ظلمة  هي تلك الساعة التي تسبق شروق الشمس، لذلك ولكي تبزغ الشمس وأنا ما أزال واقفا على قدمي، ابتكرت كغيري من الأسرى حيلا شتى لنتغلب على هذا الاعتقال الظالم، ولأدحر الهدف المرجو منه، فأصبحت أحتال على الزمن فرحا بنهاية كل يوم عسى أن يقترب اللقاء بالحرية، شاعرا مع ذلك بالمرارة الممزوجة بتلك الفرحة، ذلك لأنها أيام تطوى في كتاب حياتي، وكل لحظة منها ثمينة. فقد آمنت دوما أن الحياة مع كل ما فيها جديرة بأن تعاش حتى آخر قطرة منها، وكما أنا أريد.

قد ترغبوا بمعرفة شيء عن طرق الاحتيال على الزمان والمكان في سجن ظالم يشهر أنيابه من حولي على الدوام، ولعل ما يقوله الروائي الكبير باولو كويلو في روايته الرائعة "الخيمائي" يقنعكم بجدوى تلك الخيل، فهو يقول" إنك إذا رغبت في شيء فإن العالم كله يطاوعك لتحيق رغبتك"، لذلك قررت كبقية رفاقي الأسرى اختلاس أي فرصة لتحويل مشهد حياتنا اليومي الصعب إلى لوحة سريالية أجمل، ولكي أوقف رحى السجان الساحقة، وأمام برد الخيام أطلق العنان لذكريات الزمن القادم، أتذكر أول الحب في عيني زوجتي الحبيبة، في حين يتلاشى علو الجدران والأسلاك بمجرد رؤية عصفور دوري يستحم بندى الصباح على سياج السجن الشاهق كما أحول العدّ الأمني اليومي لنا في ساحة السجن صباحا وظهرا ومساء من عملية تشييء لي وتحويلي من إنسان إلى رقم، أحوله لنزهة في الهواء الطلق بقوة فنتازيا طفولية تشع من داخلي كأي إنسان، حتى إن حدوث خلل فني ينتج عنه انقطاع الكهرباء ليلا يتطور بمليء إرادتي لعرس أراقب فيه نجوم السماء مع الأسرى، تلك النجوم التي تحرمنا من رؤيتها وقاحة كشافات الحراسة الليلية، وحتى الوقت الذي يحاول افتراسي أبذره في مطالعة كتب عديدة لعلها تعينني في حياتي أو في دراستي المؤجلة حتى إشعار آخر.

أما متابعة الأخبار وهي السمة المستمرة ليوميات السجن، والتي أصبحت هذه الأيام تذكرني بجولات التعذيب أثناء التحقيق الذي تعرضت له في الماضي بسبب تخمة نشرات الأخبار عن أنباء الحروب والموت والجوع والحرمان والمرض والظلم الذي يفترس عالمنا اليوم، سواء في فلسطين، العراق، أفغانستان، أفريقيا، وشتى أنحاء العالم. وذلك بفعل ما يقوم به الأقوياء والمتطرفون دولا وجماعات بما في ذلك الاحتكار الإمبريالي لكل شيء، حيث يحتكرون التنظير لحقوق الإنسان والقانون والقيم الإنسانية الرفيعة، وفي نفس الوقت يعولمون ثقافة انتهاك حقوق الإنسان والقيم المثلى على صعيد الممارسة.

أمام ذلك أشعر بخيط نور يمتد بين معاناتي وبين رفاق سجني وصولا لشعبي ثم لشعوب العالم بكل مآسيها، وأشعر بأسف أكبر لمن هم خارج السجن يعانون من آلام البحث عن الحرية؟! ومع ذلك أهرب للأمام... فأراكم أيها الأعزاء يا من أدركتم الفكرة ولم تتخلوا عنها برغم الصعاب وما تزالوا تدقون الجرس  رغم تجمد الصدى بفعل ويلات عالمنا، إنكم وبجهدكم الكبير أو حتى بمشاعركم الخيرة عبر كلمة في رسالة أو صورة على بطاقة بريدية تحمل صورة طفل يضحك أو حصان بري جامح. تحدثون فرقا وفرقا كبيرا حتى لو كان هذا الجهد أو الأحاسيس أحيانا تنصب على قضية إنسان واحد. فأنا مثلا حين تصلني أخبار جهدكم وعملكم الدؤوب بمساعدتي، حين أرى حجم التضامن والمشاعر التي تفيض من رسائلكم وبطاقاتكم، أشعر بأن الحياة والأمل يسريان في شرايني التي يحاولون إغلاقها باليأس والإحباط، لذلك فلتعرفوا أن من أحيا نفسا فهو كمن أحيا الناس جميعا، وهذا بالفعل لسان حالكم.

أصدقائي... إنني حتى حين يسقط في يدي جراء فظاعات السجن وتنكيل السجان اليومي، وحين لا تجدي الحيل ألجأ إلى  تذكركم جميعا... تذكر شعبي الفلسطيني وأطفاله، أتذكر أطفالي وزوجتي وعائلتي، أتذكر صبر ومعاناة شعبي وقناعته بدحر الظلم والاحتلال، كما فعلت ذلك شعوب أوروبا أمام الزحف النازي، وكما فعل الشعب الفيتنامي، أتذكر كل المناضلين من أجل الإنسانية، أرى مانديلا بجانب جيفارا، لومومبا وأليندي، أرى وهج الثورة الفرنسية ومبادئ لين كولين ومارتن لوثر كنغ، أرى غاندي، بوذا، موسى، المسيح ومحمد... طهورين من كل قول أو فعل ارتكب باسمهم.. أتذكر مناضلي إيرلندا في السجون وأسرى المقاومة في معتقلات الإبادة النازية، وكل الذين عانوا من الاعتقال والتعذيب أمثال يوليوس فوتشيك، عبد الرحمن منيف، فعنونو، وآلاف آخرين في العراق في سجن أبو غريب وكافة سجون الطغاة في هذا العالم.

بعد كل ذلك أرى الحقيقة مرة أخرى بوضوح، فالحق أقول لكم... ما يزال على هذه الأرض ما يستحق الحياة، كيف لا وهناك في هذا العالم من هم مثلكم... يكسرون جبروت الحصار من حول المظلومين ولو برسمة طفل بريء، تبعثهم كالعنقاء من وسط الرماد.

الأحبة... لست أبالغ في كلماتي التي تصف بعضا مما أنا فيه إذا عرفتم أن الأسرى الفلسطينيون وخاصة الإداريين منهم  هم ضحية حرب شاملة تمارسها أجهزة الأمن الإسرائيلية، فالمعتقل الإداري منذ اللحظة الأولى تسلب حريته بالاعتقال ثم يربط إلى ناعورة الاعتقال الإداري ليدور فيها بلا انقطاع كي تمزق روحه وإرادته عبر إقناعه بعدم وجود نهاية لمأساته، وذلك من خلال تجديد الاعتقال الإداري بصورة متواصلة  وفي اللحظة الأخيرة، ومن خلال مثوله أما المحاكم الشكلية التي تنافس محاكم التفتيش سيئة الصيت في قراراتها الظالمة والمعدة سلفا، ناهيك عن كون الجلاد هو نفسه الحكم، ليجعلوا بذلك حياة المعتقل الإداري مخاضا عسيرا ومستمرا، ومع أن الأسرى يعيشون هذا التوتر الدائم إلا أننا ننقض على الضحك والابتسام حين يحالف الحظ معتقلا إداريا ويفرج عنه، أو لنقل أن آلهة الأمن الإسرائيلي قررت الإفراج عنه، كما نبتسم في أحلك اللحظات حين تنهال أوامر التمديد الإداري علينا وتأتي بدفعات جماعية كتسونامي أو صواريخ ذكية.

إنني أتحدث عن ما يقارب(700) معتقل إداري من أصل (11) ألف أسير فلسطيني، وما يزال بعض الإداريين معتقلا منذ خمسين أو ستين شهرا. يوجد في سجن النقب ( 2300) أسيرا، بينهم (400) معتقل إداري يعانون ظروف حياة صعبة من حيث نوعية وكمية الطعام، نقص الملابس، عدم توفر الرعاية الطبية المقتصرة على المسكنات في أحسن الظروف، في حين تقدم الرعاية الطبية للمرضى الذين يصبح هناك خطر على حياتهم بالمستشفى وذلك بعد انتظار ومماطلة طويلين، كما ويعاني الجميع من اكتظاظ أقسام السجن، ففي كل قسم (6) خيام، يقطن في كل خيمة(20) أو (22) معتقلا وأحيانا يصل العدد إلى(25) معتقلا في الوقت الذي تستوعب الخيمة(18) في أحسن الأحوال، يضاف إلى ذلك حملات التفتيش المستمرة، والعقوبات في الزنازين والغرامات المالية.

هذا ولا تغيب عن البال أيضا معاناة أهالي الأسرى في الزيارات فهم يمضون(18) ساعة في الطريق ذهابا وإيابا كي يرونا لمدة (40) دقيقة، مع أن المسافة من الضفة الغربية إلى السجن لا تتطلب أكثر من (5) ساعات ذهابا وإيابا، كل ذلك بحجج الإجراءات  الأمنية على الحواجز وداخل السجن مما حرمني شخصيا من رؤية ابنتي      "ريتا"  ذات الربيعين لتجنيبها هذه المعاناة منذ(8) أشهر، ومع هذا فإنني محظوظ لأن زوجتي وابني ووالدي لا زالوا يستطيعون زيارتي مقارنة ببعض الأسرى الذين أمضوا إلى الآن(5) سنوات ولم تتمكن  أسرهم من زيارتهم بسبب المنع الأمني.

ورغم ذلك يصف السجان نفسه بالمتحضر وأننا نعيش كأسرى في ظروف إنسانية، فهل المقارنة بغوانتانامو أو معسكرات النازية هي المقياس لدرجة التحضر والإنسانية. وهل يوجد أصلا احتلال متحضر ويحترم القانون، وهل يعتبر قانون المحتل قانونا بمعنى الكلمة،ومحاكمه محاكم حقيقية؟! أعتقد أن الاعتقال الإداري يجيب على هذه الأسئلة، فأنا مثلت(12) مرة أمام المحاكم العسكرية للنظر في أمر اعتقالي الإداري دون أن يوجه ضدي لائحة اتهام أو أن أعرف ماهية التهم الموجهة إلي، مستلما في كل مرة قرار مكتوبا يعطي الشرعية القضائية بأمر الاعتقال الصادر عن قائد المنطقة العسكري للاحتلال الإسرائيلي في بيت لحم مكان سكناي، حسب توجيه المخابرات، حيث يقدم كل قرار وصفا مختلفا لماهية المعلومات التي يستند لها ذلك الأمر. وكأن الحديث يدور عن شخص ومعلومات مختلفة في كل مرة ولتأتي طلاسم القرار كحديث قارئة الفنجان أو العرافة، في حين يقدم الملف السري من قبل المخابرات كلوح القدر الأزلي أو كقدس الأقداس يحرم علي معرفة ما فيه أو نقاشه للدفاع عن نفسي، لدرجة أنني أصبحت أشك أن ما يحويه الملف السري إذا ما أطلعت عليه سيحولني "لميدوزا" أشهر المسوخ في الميثولوجيا الإغريقية" والتي يتكون شعرها من أفاعي وبنظرات عينيها تحول من تنظر إليه إلى حجر... فهل يخافون بسبب ظلمهم لي إن نظرت في النهاية في عيونهم أن يتحجر كذبهم؟

أعجز حقيقة عن وصف التعذيب باستخدام الاعتقال الإداري في هذه العجالة لأنني سأكون بحاجة لسعة خيال الخرافات والأساطير ولعبقرية دانتي في الكوميديا الإلهية، ولسخرية موليير ولعظمة شكسبير . ولكنني أعرف بوجود لغة تتخطى الكلمات وأن الكلمة التي تخرج من القلب لصدقها تصل مهما كانت الحواجز، غير أنني في النهاية أوجز وصفي في هذه التجربة حتى الآن بأنها تشبه غيرنكا يومية أحياها مع بقية الأسرى، فلعل مشاهدتكم لغيرنكا بيكاسو تقرب مشهد مأساتنا أكثر.

أعزائي... أعذروني على هذه الإطالة، فأنا أود أن أقول لكم من أعماق قلبي شكرا... أن أطبع في عيونكم المشرقة فبلة... آملا أن تصلكم رغم السجن والسجان المحتل، وتضاريس الجغرافية المتآمرة أين ما كنتم، في الحق وآمنستي ومركز المعلومات البديلة ......في فلسطين، وأوروبا، أمريكا، أستراليا، وفي كل مكان... فحتى لقاء الحرية لكم مني سلام.

 

 

على هذه الأرض ما يستحق الحياة

رائحة الخبز في الفجر، أول الحب

عشب على حجر، أمهات  تقفن

على خيط ناي، وخوف الغزاة

من الذكريات، نهاية أيلول، ساعة

الشمس في السجن، وخوف الطغاة

من الأغنيات.                                              

                                          "محمود درويش"

 

                                                                                                 زياد حميدان

                                                                                                    معتقل النقب

24/ 12/2006م


 
< Prev   Next >
website statistics