|
...
لم
يتحدد تعريف حزب الله اللبناني في وعي
جموع الناس بأنه حزب شيعي.لقد
كان هذا العنصر أحد جزئيات تعريفه الهامة
والجوهرية ولكنه ليس الوحيد أو هكذا كان
أو هكذا يفترض، خصوصا في هذا الظرف بالذات.
إن
حزب الله هو لبناني ومن بر الشام (كمدخل
للعروبة الواسعة)
وينتسب
إلى عقيدة الإسلام وداخلها يتميز بأنه
شيعي المذهب.
ولطالما
أدمج في هويته الأساسية وخطابه وممارساته
كل هذه العناصر في سياق مشروع المقاومة
وراياتها،وبفعل ذلك تميز حزب الله وامتلك
كل هذه الطاقة على الامتداد وخلق الصدى.
وإذا
كان من الطبيعي أن يكون للمذهب في الإسلام
كما في غيره دورا أساسيا، بدرجة أو بأخرى
في تحديد الخصوصية والهوية والمقاربات
والمواقف والاختيارات، إلا أنه من الخطأ
الفادح بل والقاتل أن يتدخل المذهب كعنصر
أول في تحديد كل ذلك.
إن
هذا المنحنى هو درب موصوفا للهلاك سواء
لحزب الله أو لغيره.
وكما
أن هناك فرق بين عربي وعربي، وبين مسلم و
مسلم وبين سني وسني وبين مسيحي ومسيحي...
فإن
هناك فرق بين شيعي وشيعي يحدده أولا
وبالذات أصالة الموقف والرؤية ودرجة
الصفاء في المنطلقات والقراءة والاختيارات.
ورغم
أهمية المذهب في تاريخنا الجماعي إلا أن
القوى التي نجحت واستقرت في الواقع
التاريخي وفي الذاكرة على نحو مرموق هي
التي اجتازت ضيق المذاهب إلى رحابه عناصر
الانتماء الأخرى.
وكلما
كان المذهب أخر ما يستنطق لفهم وتفسير
الرؤية والموقف بالنسبة للحركات السياسية
في تاريخنا كلما كانت هذه الحركات في وضع
متين ومحصن.
..وبالنسبة
لحزب الله فقد انبثق كخطاب وكممارسة وراية
مقاومة في حقل فكري وجغرافي وبشري شيعي
بالأساس إلا أنه تجاوز المعنى الضيق
للمذهب وتبلور كراية تقاتل ضد الظلم
والعدوان والتعسف والتعدي ومن أجل التحرر
والإنعتاق والخلاص والكرامة والعدل
والاستقرار والتحكم في المصير.وفي
هذا الإطار امتاز خطاب الحزب وعموم
ممارساته بالانفتاح والمرونة والديناميكية
مع الحزم والأصالة.
لذلك
وجد المسلم الشيعي الأصيل نفسه ضمن راية
الحزب ومنطقه وكذلك الأمر مع السني الأصيل
والدرزي الأصيل والمسيحي الأصيل واليساري
الأصيل والعربي الأصيل وحتى العبثي
والفوضوي واللامبالي الأصيل وجد نفسه في
حالة انتماء أو انتساب رمزي وأخلاقي وفكري
مع حزب الله ومعناه ورايته سواء كان ذلك
داخل لبنان أو خارجه.
وهنا
نقف إزاء حالة اختراق واسعة حققها الحزب
ارتبطت بالصدقية والمحترمية والأصالة
والفاعلية والانفتاح، ويمكن المجازفة
بالقول بأن الحالة التي حققها حزب الله
غير مسبوقة على هذا النحو في تاريخنا
المعاصر على الأقل.
وهنا
لم يشتغل المذهب أو الانتماء الطائفي
كمحدد أول أو مانع لتفاعل جموع الناس مع
حزب الله وإصطفافهم الرمزي أو الفعلي
معه.
وبالمعنى
السوسيولوجي فإن حزب الله ومعنى السيد
حسن نصر الله (وبدون
فصلهم عن السياقات التي أنتجتهم والعوامل
الحاكمة فيها بما في ذلك المذهب)يشكلون
جماعة مرجعية لحشود واسعة داخل الأمة
وخارجها بدون وجود ارتباطات تنظيمية أو
مذهبية مع الحزب أو المذهب الشيعي .
إن
هذا التمايز والإنجاز الثمين الذي حققه
الحزب وزعيمه يحتاج إلى حس خاص وعناية
استثنائية وحماية صارمة واختيارات واضحة
وأصيلة في الخطاب والموقف مهما كان الثمن
الذي تتطلبه على أي صعيد وخصوصا في جبهة
العراق.
..
وإذا
كان الالتزام العاطفي والوجداني والرمزي
عند أتباع أي مذهب مهما كان إزاء أنفسهم
وإزاء من يدينون بنفس المذهب حيثما كانوا،
هو أمر من طبائع العواطف والوجدان ويكاد
يكون غريزيا أحيانا.
إلا
أن هذا الالتزام يصبح مقتلا وخرابا إذا
ما تحول إلى التزام فكري وسياسي مع هذه
القوى التي تدين بنفس المذهب اسميا وتصطف
في موقع مناقض مع معانيه الحقيقية.ولطالما
كان التضامن المذهبي كيفما اتفق مهلكة
طاحنة لكل من ينتهجه.
....وفي
هذا النحو فإن التزام حزب الله أو شيعة
لبنان الوجداني والعاطفي المجرد مع إيران
الشيعية أو شيعة الصين أو السعودية أو
العراق أو أي شيعة في أي مكان، مفهوم أو
يجب فهمه وتفهمه مثلما هو الحال في التزام
سنة لبنان بمن هم على مذهبهم أو التزام
المسيحيين بأخوة لهم في الدين.
ولكن
إذا كانت خيارات الملتزم بهم عاطفيا
ووجدانيا خيارات متباينة أو متناقضة مع
خيارات الطرف الذي يحمل راية المقاومة
فإن القاعدة الأخلاقية والسياسية والمصلحية
والعقائدية تجعل المعني بالأمر في حل من
أي التزام مع مثل هذه العناوين والتركيبات
مهما كان التشارك في الدين أو المذهب أو
الانتماء.
وإن
الفتوى بتحريم مثل هذا الالتزام لا تحتاج
إلى فقيه.
....وبمقدار
ما نجح حزب الله في تلافي شوائب المذاهب
وإشكالاتها في لبنان وفلسطين، إلا أن
صورته ومكانته تدخل حيز الغموض والخطر
المروع بسبب التباسات الوضع في العراق،
سواء تعلق الأمر بخطابه ومعالجته للمشهد
العراقي وطبيعة الدور والممارسات التي
ترتبط بتركيبات عراقية تتغطى براية
الشيعة وتدنس المعنى العالي للتشيع
الحقيقي والأصيل وقيمه ومعانيه .وكذلك
الأمر بشأن طبيعة الدور الإيراني في
الساحة العراقية.
إن
أخطر تهديد من شأنه أن يمس بمكانة حزب
الله ويلحق الأذى بموقفه يوجد في العراق
وليس في خط المجابهة مع إسرائيل أو تجاذبات
الساحة اللبنانية.إن
على خطاب وموقف حزب الله المبني بقوة على
منع الانهيارات في كل أرجاء المنطقة
والتصدي الجدي لكل أنواع الفتن والالتباسات
الطائفية والمذهبية والسياسية في كل مكان
وتحديدا في العراق مطالب ألان وبقوة أن
يسمي الأشياء بأسمائها.
وفي
هذا السياق فإن الحليف الموضوعي الأهم
والحاسم لراية حزب الله المقاومة، هو
المقاومة العراقية البعثية والوطنية
والإسلامية بغض النظر عن مذهب حاملها
علما وأنها مقاومة معروفة العنوان والأصل
والفرع ويشارك فيها كل من هو منتمي أصيل
وتجري على جبهتي قتال الاحتلال ومنع
الفتنة معا.
إن
فعل المقاومة في العراق لا يجب أن يبقى
مبني لمجهول في خطاب حزب الله، وإذا كان
الفعل المبني لمجهول جائز لغويا وتقديره
معروف إلا أن هذا الأمر لا يجوز سياسيا
وإستراتيجيا وأخلاقيا لحزب الله حصرا
وعينا وبالتحديد.
كما
ان على حزب الله أن يقول الموقف الشرعي
من مواقف السيستاني وعبد العزيز الحكيم
وفيلق بدر ومقتدى الصدر الذي أهان المهدي
رضوان الله عليه بتسميته للقتلة"
بجيش
المهدي"،
وتدهور من رهان مقاوم ضد الغزاة إلى قاتل
مذهبي بصورة أذهلت حزب الله نفسه والذي
عمل مطولا لجذب مقتدى الصدر إلى جبهة
المقاومة ورد الفتنة المذهبية في العراق،
لأنه يعرف أثمانها الباهظة للجميع ، وأنها
لو عمت فسوف تكون نصرا لأمريكا وحلفائها
في المنطقة بأيدي العرب والمسلمين أنفسهم.
وهنا
سنكون إزاء مفارقة وطامة كبرى للمقاومات
أولا ثم للآخرين ثانيا.إن
العدو هنا هو نفس العدو هناك ويوجد لحلفائه
هنا معادل وأكثر لحلفائه هناك، والمنطقي
أن يكون الموقف هنا هو الموقف هناك، وان
كل المقاومات في المنطقة تحتاج وعلى نحو
حاسم لمقاومة العراق بأكثر من حاجة
المقاومة العراقية لباقي المقاومات.
....وهل
حليف حزب الله في العراق هو السلطة التي
جاءت في أعقاب الجيوش الغازية أم المقاومة
وحاملها الاجتماعي أيا كان مذهبه أو
طائفته أو جغرافيته.
إن
حزب الله يعرف الإجابة والوجع أيضا ولكن
ذلك يتطلب انزلاق جواب حزب الله بوضوح من
الوجدان والوعي المسكون عنه إلى الخطاب
والموقف والمعلن عنه.
وليس
من الخير بشي أن يتأخر هذا الأمر.إن
تبلور موقف واضح في هذا الخصوص هو الذي
يحمي الحزب ورايته ومؤيديه وحلفائه
الموضوعيين ويحمينا من أخطر اختراق يمكن
تصوره في جبهته الداخلية وما يعنيه ذلك
من مساس مباشر وغير مباشر بالحزب ومعانيه
ورايته وحضوره لا يستطيع تحقيقها عدوان
أمريكي وإسرائيلي مشترك عليه.
كما
أن من شأن ذلك أن يمنع الإغتنامات
البائسة لقوى الفتنة في المنطقة .
وأما
بخصوص إيران فإنها عدو موضوعي للمقاومة
في العراق وللوطنية العراقية الأصيلة
وللمعنى القومي للعراق.
إن
هذه حقيقة يجب قبولها وتحديد موقف واضح
منها.
لآن
إيران هي حليف موضوعي لأمريكا وإسرائيل
في العراق وفي استهداف مقوماته ومقدراته،
وليس للإسلام أي دور في التأثير على خلفية
الموقف الإيراني في العراق، لأن تفسير
موقف إيران في العراق وتناقضه الحاسم مع
(خطابها)
بشأن
الصراع في الشرق الأوسط يرتبط بخلفيات
قومية وغرائز سياسية بائسة لم تصلح في
الماضي ولن تصلح في الحاضر ولا في المستقبل
لصياغة علاقة بناءة وإيجابية بين أمتين
ستظلان تعانيان من ديكتاتورية الجوار.
إن
دور إيران في العراق ينتخب الفتنة المذهبية
ويجعل من الثائر والصراع خيار المستقبل
مع العراق والتركيبات الحية للأمة العربية
وهذا الخيار يفتقد للحكمة والصواب عوضا
عن انه يشير إلى عدم تحرر إيران من رواسب
قومية رديئة، ويجعلها محل اشتباه وتناقض
لا يمكن تخطيه في علاقتها بالعرب، ويلقي
بظلال داكنة على خلفية موقفها من الصراع
في الشرق الأوسط وطموحاتها القومية
المشروعة أو التي يمكن الاختلاف بشأنها
.
..ثم
ما هو موقف حزب الله السياسي والأخلاقي
والشرعي من مسألة اغتيال صدام حسين المجيد
طالما كان الزعيم الرمزي للمقاومة العراقية
والذي صار رمزا لجموع لم يكن بالنسبة لها
قبل محاكمته واغتياله كما صار بعد ذلك.
إن
حدثا بهذه الدلالة والمعاني يتطلب بيانا
واضحا من حزب الله يشير لتبايناته
واختلافاته مع صدام وفي نفس الوقت يقول
الموقف المطلوب والأصيل ، ويحدد الموقف
من غفلة الرعاع الذين أستحضرهم الغزاة
كي يشاهدوا الاغتيال ويجعلوا دم صدام
حسين، عن وعي خبيث موضوعا للفتنة ،موقف
يكون بعيدا عن منطق الطاغية وانه قد حكم
من قبل شعبه .....؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!
وبهذا
الخصوص فإن الحلال بين والحرام بين،
والقاعدة الشرعية تدعونا لتجاوز المتشابهات،
ودون وجود أدنى شك في نوايا ووجدان حزب
الله وقيادته وإصطفافاته الحقيقية، إلا
أن الاشتباه وما يجره من التباسات لها
ثمن يجب تفاديه بأي حال من طرف كل البني
المقاومة الأصيلة في المنطقة وفي طليعتها
حزب الله والمقاومة العراقية.
...
إن
المعاني الرفيعة والعالية لدوائر الانتساب
الوطني أو القومي أو الديني أو المذهبي
في المنطقة تتطلب من كل القوى المسئولة
والمعنية تحريرها من دنس العمامات التي
ترمي بها في الوحل الرخيص أيا كانت هذه
العمامات والعناوين ،وان يكون الارتباط
العاطفي والوجداني منسجم مع طبيعة الموقف
والاختيارات السياسية وليس متناقضا معها.
*
* *
....تدين
فكرة المقاومة وإعادة بنائها وبناء
راياتها وخطاباتها وممارساتها وثقافتها
في لحظة حرجة ومفصلية من تاريخ المنطقة
إلى حزب الله، بثمن تضحيات جسام أدمجت
على نحو خلاق الرموز والموروث وسلامة
الرؤية والسريرة والمعرفة وكل العناصر
الممكنة في سياق مقاوم.
لقد
كانت المقاومة هي الراية الساحرة في يد
حزب الله وهي التي جلبت له الناس من شتى
المذاهب والطوائف والأديان، وأحاطته
بالإجماع والمهابة والحضور المدوي في
الواقع والوجدان والوعي.
...ورغم
تعقيدات الوضع السياسي والتباساته في
لبنان والمنطقة وضغوطاتها على حزب الله
وكل مقاومات المنطقة، إلا أن حزب الله
أولا وبالذات مطالب بأن لا يسمح بأي مساس
بهذه الراية ، لأي سبب كان ومن أي طرف كان
ومهما كانت الروابط العاطفية والوجدانية
والمذهبية وأن يجعل المقاومة وحدودها
هي محور الفصل والوصل مع أيا كان ومهما
كان ومن أي مذهب أو قومية كان.ولتكن
القاعدة ليس من محمد (صلى
الله عليه وعلى آله وعلى صحبه وسلم)
وليس
من علي (كرم
الله وجهه وعليه السلام )
وليس
من حسين (رضي
الله عنه وأرضاه )
وليس
من المسيح(عليه
السلام)
وليس
من الشيعة وليس من السنة وليس موحدا وليس
من الأمة من يخذلهم ويخونهم ويسيء لمعانيهم
كائنا من كان .
*كاتب
وأستاذ جامعي من فلسطين.
|