|
الذكرى الأربعون لحرب حزيران1967:
ثقافة الهزيمة والانتصار والسلام المفقود!
نصار إبراهيم
مركز المعلومات البديلة
قبل أربعين عاما، كنت يومها في الرابعة عشر
من عمري. كنت شاهدا على واقع الحرب والهزيمة ومأساة الشعب الفلسطيني المتواصلة حتى
الآن. كنت شاهدا كيف انهارت أحلام الفلسطينيين الذين راهنوا على الأنظمة العربية
لتعيد لهم أرضهم، وطنهم وحقوقهم. فإذا بهم أمام فصول نكبة جديدة لا تقل هولا ومأساوية
عن نكبتهم الأولى... فإلى ملايين اللاجئين الأوائل انضم مئات الآلاف من النازحين
الجدد... وفي الذاكرة لا تزال ماثلة أسراب أولئك
اللاجئين المتجهين شرقا إلى اللا شيء سوى المصير والمستقبل المجهول.
لقد شكلت هزيمة
عام 1967 هزة هائلة في الوعي الفلسطيني لا تزال ارتداداتها تتوالى.. حيث الاحتلال
الذي يواصل جنونة ضدهم...
والآن، ونحن
نقف أمام الذكرى الأربعين لتلك الحرب وما أسفرت عنه من نتائج سياسية، اجتماعية، ثقافية،
ونفسية، كيف يبدو المشهد؟
كيف تعامل المنتصر مع انتصاره ، وكيف تعامل المهزوم مع
هزيمته؟ وما هو المصير الذي ينتظر الجميع في نهاية الأفق؟
كيف تعامل المنتصر مع انتصاره ، وكيف تعامل المهزوم مع
هزيمته؟ وما هو المصير الذي ينتظر الجميع في نهاية الأفق؟
إن الأمر الأكثر
تعقيدا من قراءة النتائج المباشرة لتلك الحرب سياسيا وعسكريا، وعلى الصعيدين
العربي الفلسطيني، والاسرائيلي هو قراءة انعكاساتها وتأثيراتها العميقة على الوعي
الجمعي للطرفين، وما ترتب على ذلك التأثير من سياسات وخيارات لا زال الجميع يدفع أثمانها
باهظة حتى الآن.
لن ينسى
الفلسطينيون والعرب جميعا عمق الجرح الذي طال واقعهم وكرامتهم، وكيف تبدد الرهان
على انتصار ستأتي به أنظمة عربية كانت توهمنا بأنها واثقة منه، يومها كانت بداية
اكتشاف الفلسطيني لذاتة، عندما بدأ يدرك خطورة المواجهة التي صاغت الحركة الصهيونية
معالمها وتركزت على شطب الشعب الفلسطيني جملة وتفصيلا ترجمة للمقولة المزيفة
"شعب بلا أرض لأرض بلا شعب".
بعد حرب حزيران
عام 1967 انتقل المشروع الصهيوني - الامبريالي من مستوى التأسيس وإثبات الوجود إلى السيطرة
والهيمنة الشاملة. هذه الحقيقة الثنائية الأبعاد: اكتشاف الفلسطيني لمأساته وذاته
، وانتقال المشروع الصهيوني إلى مستوى الهيمنة، هي التي صاغت وعلى مدار العقود
التي تلت الحرب ملامح واستراتيجيات الصراع اللاحقة.
صحيح أن
الفلسطينيين تعرضوا لنكبتين هائلتين، إلا أنهم في ذات الوقت عبّروا عن حيوية مذهلة
في امتصاص النكبات ومواصلة الصمود ثم المقاومة إلى أن نجحوا في النهاية من فرض
ذاتهم كرقم صعب لا يمكن تخطيه بأي حال من الأحوال، ساعدهم في ذلك محيطهم العربي
الشعبي الذي يواصل، رغم الهزائم وعجز الأنظمة العربية، احتضان قضية الشعب الفلسطيني
باعتبارها قضية الأمة العربية، ولو على المستوى
الثقافي والنفسي والوجداني.
لقد نجح الشعب الفلسطيني في احتواء الضربات، ثم
انتقل إلى المقاومة والانتظام السياسي وبلورة الهوية الوطنية الفلسطينية، وعبر
تاريخ حركته الوطنية المعاصرة، تمكن من إدارة الصراع بحيث حافظ على حضور القضية
الفلسطينية على كل المستويات، ويمكن تتبع هذه الصيرورة أو رحلة الألم والمقاومة
عبر محطات أساسية: انطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية بقوة بعد حرب العام 1967،
تجربة المقاومة في الأردن، ثم الانتقال إلى لبنان، الانتفاضة الفلسطينية الأولى
عام 1987، ثم الانتفاضة الثانية عام 2000، وفي سياق هذه الرحلة بقيت قضية اللجوء
الفلسطيني والمعاناة الفلسطينية المستمرة شاهدا صارخا على استمرار الظلم والتأسيس
لمقاومات لا تنتهي.
هذه الحقيقة هي
التي تجعل من الفلسطينيين رغم استمرار وجودهم تحت الاحتلال، وغالبيتم في مخيمات
اللجوء، ورغم استمرار تلقيهم للضربات الموجعة، ورغم استمرار اختلال موازين القوى
العسكرية والاقتصادية بينهم وبين إسرائيل لصالح الأخيرة، إلى جانب ما تتلقاه من
دعم واسناد مطلقين من الولايات المتحدة والغالبية الساحقة من دول اوروبا، وتجعل أيضا
من الممانعة والمقاومة الفلسطينية، بما لها وما عليها، ولو حتى بمعنى مجرد
الاستمرار في البقاء والحياة بمثابة التحدي
الإستراتيجيي الدائم والشامل لشروط السيطرة الإسرائيلية، وبهذا يكون الفلسطينيون
قد نجحوا بامتياز، رغم كل هزائم العرب
المدمرة من حولهم، في إشغال إسرائيل بالكامل وتوريطها في حالة من الصراع الذي لا
ينتهي، الأمر الذي يضعها أمام أسئلة ذات طابع مصيري تتعلق بمستقبلها ووجودها، إن لم يكن على
المستوى المباشر والراهن فعلى المستوى
البعيد، وذلك بحكم صيرورات اشتباكها المتواصل مع محيطها العربي، وأيضا بحكم بنيتها
الديمغرافية وتشابكها الاقتصادي والديمغرافي مع الشعب الفلسطيني.
ومع ذلك فإن
تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية تشير إلى أن تفاعلها مع نتائج الهزيمة والاخفاقات
لم يرتق إلى مستوى الاستفادة الكثيفة من دروس تلك الاخفاقات، لقد نجحت البنى
الاجتماعية الفلسطينية في امتصاص واستيعاب الهزائم التي لحقت بها جراء الضعف
والعجز العربي، وكرد فعل على ذلك انطلقت الحركة الوطنية الفلسطينية وكان لها
إسهامها ودورها في الصمود والممانعة، إلاّ أن المطلوب من تلك الحركة لايقف عند
حدود الصمود، فوظيفتها الأهم هي تأمين شروط النهوض كمقدمة لتحقيق أهداف الشعب
الفلسطيني في الحرية والاستقلال، وهذا لم يتحقق حتى اللحظة.
بل والأكثر
خطورة أن القوى المهيمنة في الحركة
الوطنية الفلسطينية وعبر صيرورات متدرجة وتراكمية بدأت بالانخراط والرضوخ لمنطق
واشتراطات الطرف المنتصر، وذلك على شكل استجابات متواصلة وتقديم التنازلات التي
مسّت صلب حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، الأمر الذي أصاب هيبتها وشرعيتها في العمق
وهذا ما دفع بها نحو الأزمة.
إن سلبية
الأداء القيادي الفلسطيني شكلت إطارا في السلوك والثقافة السياسية التي هيمنت
فلسطينيا في سياق التعامل مع الهزيمة وكأنها نهاية المطاف حتى ولو تناقض ذلك مع
بديهيات مفهوم وشروط السلام والحل العادل، هذا ما برهنت عليه بصورة واضحة استجابات
الطرف الفلسطيني والعربي ( اتفاقيات كامب ديفيد، أوسلو، بروتوكول الخليل، اتفاقية
القاهرة الأمنية، اتفاق باريس الاقتصادي، وأخيرا خارطة الطريق) مع أن هذه المشاريع
تفتقد لشروط الحد الأدنى التي قد تؤسس لإنهاء الاحتلال والصراع وإقامة السلام
العادل والشامل في هذه المنطقة.
هذه السلبية في
السلوك السياسي للنخبة السياسية الفلسطينية المهيمنة وضعت تلك النخبة في موقع ملتبس وغير واضح في وعي غالبية الشعب الفلسطيني، بل إن تلك
النخبة وجدت نفسها بعد إقامة السلطة الفلسطينية وكأنها تلعب دور الأداة لتمرير
وفرض شروط الاحتلال.
المرجعية
الفكرية لهذا السلوك تعود إلى ثقافة الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع، وبأن 99%
من أوراق القوة والحل هي في أيدي إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، وبالتالي فإن
التفكير خارج سياق هذه المعادلة أو المسلمة في العقل السياسي العربي المسيطر بات
ينظر إليه باعتباره سلوكا متطرفا وغير واقعي أو عقلاني.
هذه الثقافة
السياسية بقدر ما أفقدت الجانب العربي والفلسطيني القدرة على الضغط واستثمار حالة
الممانعة والمقاومة الشعبية الفلسطينية والعربية بصورة فعالة، فإنها من جانب آخر
ساهمت في تغذية غطرسة الطرف الآخر/ المنتصر وعززت لديه ثقافة وسلوك الاستعلاء ورفض
القبول حتى بالحد الأدنى الذي هبط إليه سقف مواقف الطرف المهزوم، في ضوء ذلك أخذت
إسرائيل ترفض الاعتراف بالآخر وتعمل على إقصائه ونفيه ونفي حقوقه، فليس أمامه في
النهاية إلا خيار الاستسلام والرضوخ المطلق لشروط المنتصر. وهذا ما سنلاحظه عند
قراءتنا للثقافة السياسية التي حكمت الممارسة الإسرائيلية.
لم يكن الواقع الذي تلا هزيمة الجانب العربي في حرب
حزيران عام 1967 ليكون بهذه المأساوية، من حيث استمرار الصراع وانحباس أفق الحل
السياسي، لولا الوعي الإسرائيلي المشوه الذي ترتب على الانتصار العسكري الساحق
لإسرائيل في تلك الحرب الخاطفة، الأمر الذي صاغ مجمل سلوكها واستراتيجيات عملها لاحقا.
لقد وضع
الانتصار الإسرائيلي السريع والمدوي على الدول العربية إسرائيل أمام معادلات وواقع
جديد، حيث وجدت نفسها فجأة تخرج من عزلتها وحصارها لتلعب دور القوة المسيطرة في
محاولة لاستيعاب واستثمار نتائج انتصارها باقصى درجة.
وفي سياق حركة
هذا التفاعل على صعيد النخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في
إسرائيل مع نتائج انتصارها سياسيا وعسكريا، بدأت ومنذ اللحظات الأولى تفقد القدرة
على قراءة ذلك الانتصار بصورة عميقة وواعية، الأمر الذي أفقدها إمكانية النجاح في
التعامل مع محيطها المهزوم وبما يؤمن لها ظروف وشروط بناء الجسور الحقيقية مع
المحيط العربي الشاسع، وتبعا لذلك بناء أسس وجودها في هذه المنطقة الحساسة المثقلة
بالتناقضات التي لا يتوقف حلها بالتأكيد على مجرد الانتصار في معركة أومواجهة
عسكرية سريعة.
من هنا، نلاحظ
أن إسرائيل المنتصرة اتجهت ومنذ البداية
نحو تعزيز ثقافة ووعي مشوهين حول ذاتها ومحيطها، وهو ما دفع بها بعيدا وبصورة
متواصلة وثابتة عن دوائر التفكير والسلوك السياسي المنطقي والعقلاني، فأخذت بوعي
أو بدونه، تغذي أوهامها وطموحاتها التي لم تعد تعرف حدودا، متناسية بديهيات ودروس
التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا.
فكان من بين أكثر
تلك الأوهام رواجا وشيوعا على سبيل المثال مقولة "الجيش الإسرائيلي الذي لا
يقهر" وأن إسرائيل لوحدها أقوى من الدول العربية مجتمعة.
هكذا أخذت النخب
المسيطرة في المجتمع الاسرائيلي سياسيا وثقافيا تسبح بعيدا في أوهامها بحيث لم تعد
محكومة لأي منطق عقلاني، وكأنها فوق التاريخ، وفوق الواقع، فهي الجيش "السوبر"
والدولة "السوبر" والمجتمع "السوبر" وما دامت كذلك فهي ليست
معنية بالالتفات لمن حولها، لقد بدأ منطق القوة يولد ايديولوجيا القوة، ثقافة
القوة، وعي القوة، وتبعا لذلك سياسة القوة، وأخيرا سلام القوة. ولهذا ليس غريبا أن
تجد إسرائيل نفسها بعد كل انتصار وكأنها تبتعد أكثر فأكثر عن السلام وعن الشعور
بالاستقرار والأمن.
ومما زاد من
عمق هذا الاختلال في الممارسة السياسية الإسرائيلية قبولها واستعدادها للعب دور
الأداة لتمرير وفرض استراتيجيات الهيمنة الأمريكية على المنطقة، وهذا ما جعل
المجتمع الإسرائيلي برمته يبدو وكأنه مجرد فرقة عسكرية عليها تنفيذ ما يطلب منها
ودفع أثمان طموحات الولايات الأمريكية التي تسعى للتوسع والسيطرة، حتى ولو كان ذلك
على حساب بديهيات وجود المجتمع الإسرائيلي.
هكذا وقعت اسرائيل
في مصيدة انتصارها، إذ أن أخطر ما يحملة الانتصار، أي انتصار، هو إضاعة المنتصر
قدرتة على رؤية حدود انتصاره وحدود قوتة، فأي انتصار في التاريخ هو في نهاية الأمر
انتصار نسبي بكل المقاييس، ومن يقفز فوق هذه الحقيقة يكون قد ضيع نصف انتصاره ... وبالتالي
يضيع نصف حكمته وعقله، الأمر الذي يشكل
المقدمة الأولى لإضاعة وتبديد أي انتصار بالمعني التاريخي والملموس.
فعلا إن القوي
الذي لا يدرك حدود القوة التي يملكها وكيفية استخدامها بصورة حكيمة هو أخطر أو
أكثر غباء بما لايقاس من الضعيف الذي لا يسعى لامتلاك القوة. لقد انتصرت اسرائيل
في حرب 48 ، وحرب 67، وماذا بعد ؟!
لم تدرك
إسرائيل وهي الدولة الصغيرة، رغم جبروتها، أنها في كل الأحوال ومطلقها، أصغر من أن
تهضم فريستها- العرب والفلسطينيون – لا سياسيا ولا ثقافيا ولا تاريخيا ولا نفسيا.
وما دام الحال كذلك، وما دامت حدود وعي القوة
والانتصارات واستخدامها ... مسألة متحركة فأن الامور ستتجه دائما وأبدا نحو
الصدام.
وما دامت ثقافة
القوة تستنزف ذاتها حتى الدرجة القصوى، من حيث التركيم الكمي والنوعي وبما يشمل
أيضا الرأسمال البشري، وما دامت موارد أي دولة أو مجتمع في نهاية الأمر محدودة فإنها ستصل في النهاية إلى ما يشبة الثبات في
خطها البياني، حيث لن يبقى مايضاف، وما دام الطرف الأضعف او المهزوم، يضاعف من وعية، كرد فعل غريزي على
الهزيمة والشعور بالمهانة ويبحث بدون كلل عن فرص استعادة حقوقة واستثمار ما يملك؛
وهو في الحالة الفلسطينية والعربية ليس
قليلا بكل المعايير والأحوال، فإن الفارق النسبي بين المنتصر والمهزوم يبدأ
بالتقلص تدريجيا، إلى أن يصل في مرحلة ما إلى حالة التوازن، حيث يتحول عندها الصراع
إلى دوائر وأمواج متداخلة لا يعود بالإمكان معها التفريق بين المنتصر والمهزوم من
حيث الدمار، الموت، الرعب والاحباط.
عند تلك
المرحلة يصبح المهزوم والمنتصر وجهان لعملة واحدة، حيث يستحيل الحديث عن سلام أو
استقرار أو تنمية أو أمن للمنتصر ما دام المهزوم يقاوم ويقف في وجه المنتصر ليذكره
أنه موجود، وأن الهزيمة والانتصار ليسا قدرا نهائيا لأي شعب أو حضارة أو ثقافة أو
إمبراطورية.
الآن، وبعد
أربعين عاما على هزيمة العام 1967، نجد أنفسنا أمام واقع يصعب معه تحديد الفاصل أو
الفارق بين المنتصر والمهزوم، حيث الجميع لا يزال يكتوي بنيران الصراع الذي يزداد
احتداما.
لقد برهنت
إسرائيل وحلفاؤها عن براعة نادرة في إضاعة فرص استثمارانتصارها، وها هي تواجه
المأزق.
فلو تصرفت
إسرائيل بعقلية المنتصر الذي يرى ويدرك قيمة انتصاره، بحيث يستند إليه كمنصة لطرح
حل سياسي وأخلاقي عادل ( بمعزل عن النقاش حول عدالة الحرب من قبل الأطراف المختلفة)
لكنا عربا وفلسطينيين وإسرائيليين نعيش منذ عقود واقعا غير الذي نحن فيه الآن.
لكن يبدو أن انتصار
إسرائيل السهل قد أفقدها اتزانها فأخذت تتصرف بمنطق الدولة الاستعمارية العظمى،
رغم محدودية قدراتها وقدرها الذي ألقى بها في محيط العالم العربي... واستنادا لذلك
بدأت تتصرف وكأنها قدر العالم العربي وقدر الشرق الأوسط وقدر الشعب الفلسطيني، فراحت
تسعى لفرض شروطها ومنطقها بعيدا عن أي اعتبار لما هو موجود، وبدلا من السعي لرؤية
نفسها كدولة طبيعية وعادية في المنطقة، دولة تحترم ذاتها ومحيطها وجيرانها، أخذت
تسعى للهيمنة المطلقة الأمر الذي وضعها في حالة تناقض تناحري لا فكاك منه مع هذا
المحيط الهائل بكل المقاييس.
تمثل هذه التجربة
الإسرائيلية نموذجا صارخا على ثقافة القوة التي تفتقد لأبسط بديهيات الحكمة، تلك
الثقافة التي تغذي الوعي الجمعي للمنتصر بثقافة الاستعلاء واحتقار الآخر المهزوم
وصياغة معادلات التعامل معه وفق المقولة البائسة والعنصرية " إذا لم يرضخ
العرب أو الفلسطينيون بهذا القدر من القوة فإنهم سيرضخون ويركعون باستخدام المزيد
من القوة" هكذا يصبح المنتصر رهينة قوته
العمياء على حساب قوة العقل وحكمته.
ولكن، ما العمل إذا لم يرضخ الفلسطينيون، وهو ما
تبرهن عليه سياقات الصراع؟!
في هذه الحالة
لن يبق إلا خيار وحيد: مواصلة رقصة الحرب والدمار.. وفي غمرة ذلك لا يعود أحد
يتذكر الانتصار بما في ذلك المنتصر ذاته! لأن معادلة إقصاء الآخر وتدميره وإذلاله
عسكريا وسياسيا وثقافيا وبصورة ساحقة ستدفع بالجميع نحو دائرة الرعب الشامل، وفي
إطار معادلة الرعب هذه لا يعود حتى الاحتفال البروتوكولي بالنصر الذي كان، له أي
معنى أو قيمة، فرقصة الموت المتواصلة لاتترك وقتا حتى لمجرد الابتسام.
مواجهة هذا
التشويه والتشوه الذي انزلق إليه المجتمع الإسرائيلي تحت ضغط غباء القوة يستدعي
قوى سياسية واجتماعية ونخب ثقافية تملك الجرأة والصبر وقبل كل ذلك الرؤية
التاريخية التي تعمل بدأب لإنقاذ المجتمع الإسرائيلي، ليس من الفلسطينيين بل من
إسرائيل نفسها، إسرائيل التي تصر على دفع الإسرائيليين إلى مصيدة أوهام القوة المدمرة،
وأن بمقدورها ابتلاع الشرق الأوسط وإعادة بنائه وترتيبه كما تشاء، إسرائيل التي
تتحرك على أنغام ثقافة "رامبو" العصر الذي يستطيع اجتياح دولا وجيوشا
بكاملها دون أن يجرح أو تنفذ طلقات بندقيته!
نعم، إن ذلك
ممكن ولكن فقط في السينما وفي أفلام الكرتون الهزلية.
إننا قد نفهم
ونتفهم فرض شروط الاستسلام على دولة ما تعرضت لهزيمة عسكرية في حرب بين جيوش كلاسيكية
في إطار الصراع على المصالح وإعادة تقاسم النفوذ والأسواق والثروات وغيرها، غير أن
المقاربة وقراءة المعادلات تختلف جذريا عندما يتعلق الأمر بصراع تاريخي بين كتل
ومجاميع بشرية مثقلة بالقناعات والرموز وملتصقة بالمكان بكل دلالاته وأبعاده كما
هو الحال في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أرض فلسطين حيث تشتبك السماء مع
الأرض ويستدعي كل طرف آلهته وأنبياءه ليصطفوا معه خلف متاريس المواجهة، في مثل هذا
الواقع نكون أمام معادلات أكثر خطورة وتعقيدا، وأي تجاوز لهذه الحقيقة والتعامل مع
الصراع وكأنه مجرد معركة عسكرية فاصلة
سيعني في الممارسة السياسية والثقافية فقدان الاتجاه والبوصلة بالمعنى الاسترتيجي،
الأمر الذي ستترتب عليه كلفة باهظة بكل المعايير، وهو ما سيضع أصحاب هذه العقلية والثقافة
- إن عاجلا أم آجلا - أمام أسئلة وتطورات ومعادلات ستطال وجودهم بكل معنى الكلمة.
هذا الاختلال
المنهجي والنفسي العميق من قبل المهزوم والمنتصر على حد سواء في رؤيتهم وتعاملهم
مع الأحداث الكبرى، سنلاحظ أنه تحول إلى سلوك مهيمن، حيث يواصل دينامية التشويه
بذات القوة حتى عندما تتحرك العلاقات أو
تتغير بصورة جدية بين الطرفين، أي عند انقلاب أو تبادل المواقع ولو بالمعنى
النسبي، أي عندما ينجح الطرف الذي كان مهزوما في تحسين مواقعة وتحقيق بعض
الانتصارات، وعندما يجد الطرف الذي تعود على الانتصارات نفسه فجأة في مواجهة بعض
الهزائم ( النموذج الممتاز على هذه الحالة ما ترتب على حرب تموز في لبنان عام
2006) حيث لم يستوعب ويستثمر المنتصر الجديد ( المقصود الطرف العربي) نتائج
انتصاره لتحقيق بعض الانجازات السياسية، وبقيت ممارسته وسقفه يدوران في نطاق ذات
الدوائر التي تعود عليها وكأنه لا يصدق بأنه يمكن أن ينتصر.
بينما المهزوم
الجديد ( الطرف الإسرائيلي) الذي أدمن الانتصارات لم يستوعب ويدرك أيضا أنه يمكن
أن يهزم، وبالتالي بقي يتصرف بمنطق المنتصر، وأخذ يحيل الإخفاق إلى عوامل ومرجعيات
لا تمس جوهر المعادلات.
هكذا يواصل
الجميع إضاعة دروس الانتصارات والهزائم بذات الخفة والرعونة، وتستمر المقاربات
وكأن الانتصار والهزيمة نهائيان ولا علاقة لهما بواقع الحياة والتحولات.
في غمرة هذا
التشويه والارتباك والعجز المزدوج، عند المهزوم والمنتصر، يتواصل تبديد وإضاعة
الفرص المتاحة لتحقيق سلام حقيقي ودائم، أما ثمن هذا الجهل فيدفع نقدا من دماء
وأمن ومستقبل وإنسانية الجميع...!
في النهاية، إن
أي انتصار( بغض النظر عن مفهوم الحرب العادلة) لايحمل فكرة وهدفا قابلا للتحقيق سيتحول
حتما إلى حالة قهر تستدعي حتما ردود فعل مضادة تستهدف تغيير الواقع الناشيء، وهكذا
يستمر السباق والركض المجنون حول محيط دائرة الصراع أملا في الوصول إلى خط النهاية
المستحيل!.
هل نجانب
الحقيقة في هذا الحكم؟! لنلق إذن نظرة ولنتأمل قليلا الواقع الذي يعيش فيه
الفلسطينيون والإسرائيليون بعد كل عقود الصراع التي مرت، وبعد كل الانتصارات
والهزائم.
فبعد كل جولة
صراع تنخرط القوى المهيمنة بكل طاقاتها في تغذية منظومة الخداع والغطرسة وثقافة
القوة ونفي الآخر، تمهيدا للجولة التالية.
وما دام الصراع
محكوما بمثل هذه الثقافة الهابطة، إذن سيبقى السلام دائما هو الحلقة المفقودة
والمغيبة في هذه السلسلة.
|