aic_header_logo
Home arrow News arrow arabic arrow اتفاق مكة.. ليس الغفار الرحيم
اتفاق مكة.. ليس الغفار الرحيم Print E-mail
Friday, 30 March 2007
Tag it:
Delicious
NewsVine
Reddit
YahooMyWeb
Technorati
Digg
يقتضي منطق الأمور أن يرحب كل فلسطيني، وكل القوى السياسية والاجتماعية والوطنية بأي اتفاق سياسي يوقف ويحقن الدم الفلسطيني المراق على مذبح الفئوية والمصالح الضيقة، بل إن منطق الأمور يرحب بأي اتفاق يوقف النزيف السياسي والاجتماعي والمعنوي لدى قطاعات واسعة من شعبنا الفلسطيني جراء الاقتتال الفلسطيني الذي راح ضحيته مئات القتلى وآلاف الجرحى. بيد أن وقف الاقتتال شيء، واتفاق مكة شيء آخر، فلا وجوباً ولا شرطاً، أن يوقف الاقتتال الفلسطيني، باتفاق ينطوي على أبعاد سياسية تتجاوز وقف الاقتتال، لأن وقف الاقتتال كان بحاجة إلى إرادة فلسطينية خالصة، وإلى إرادة الطرفين المتقاتلين، وليس إلى إرادة إقليمية أو دولية.

.. فإذا كان اتفاق مكة قد عبر عن إرادة إقليمية عملت على وقف الاقتتال.. فإنه في ذات الوقت قد وضع الوعي الفلسطيني، والإرادة الفلسطينية أمام علامة استفهام لجهة ضعف الإرادة والوعي الوطني، فلم تفلح الوساطات الفلسطينية مع الطرفين في وقف الاقتتال، ولم تفلح تظاهرات ومسيرات الغضب الفلسطيني والمناشدات والاعتصامات، ولا أنات الأمهات والثكالى، وصرخات الجرحى، ورؤية الدم المحرم مسفوحاً على جغرافيا الوطن.. فهل كانت القوى الإقليمية أحرص من الفلسطيني على الدم الفلسطيني.. وهل حرارة الدم الفلسطيني المراق أكثر من الإحساس به إلا في مكة.. ولم يكن الإحساس به في بيوتنا ومستشفياتنا ومؤسساتنا؟!

مرة أخرى إن المسؤولية الوطنية تفرض ترحيباً بأي اتفاق يحقن الدم الذي استباحته العقلية الفئوية والإقصائية.. بيد أن المسؤولية الوطنية ومقتضياتها ترفض منطق «عفا الله عما مضى».. فما حصل من اقتتال ليس عملاً فردياً، ولا تجاوزاً بسيطاً لما سمي بالخط الأحمر.. ولا فلتاناً أمنياً مقطوع الخطة وسبق الإصرار.. بل هو جريمة سياسية انتهكت فضاء الديمقراطية الفلسطينية الوليدة التي طالما تغنى الفلسطيني بها، وبتفرده في صناعتها، حتى وهو تحت الاحتلال وفي ظل غابة السلاح.. وهو جريمة اجتماعية بكل معنى الكلمة حيث أصابت المجتمع الفلسطيني في أبنائه، شيوخاً وأطفالاً ونساءً أعزاء على ذويهم أهدرت دماؤهم بأعصاب باردة وبخطاب ثنائي ديماغوجي من الطرفين، وبرصاص غادر ضل هدفه واتجاهه..

وهو جريمة اقتصادية ضربت وأضرت مؤسسات المجتمع الفلسطيني من جامعات ومستشفيات، وبيوت، ومركبات، وتعطيل للحياة والعمل.. وأخيراً فما حصل يندى له كل جبين كونه عملاً لاأخلاقياً أضر بالنسيج الاجتماعي وشوه النضال الوطني الفلسطيني، وأيقظ عوامل وعناصر الفتنة من سباتها.. ليمسك بها عملاء وطالبو الثأر والجواسيس والمارقون والمنتمون إلى الطابور الخامس.

هل كل هذه الدماء المراقة، وهذه الجرائم المرتكبة عن سابق إصرار وترصد، يمكن إسقاطها دفعة واحدة في محكمة ومحاصصة مكة.. وكأن شيئاً لم يكن.. وهل إذا اتفق الجناة وتحاصصوا واقتسموا على ما كانوا مختلفين عليه يمكن أن يسقط حقوق المراقة دماؤهم، وأن توقف دموع وعذابات ذوي الضحايا؟ ليس لاتفاق مكة القدرة السحرية لوقف تداعيات الاقتتال المشؤوم إلا إذا أخذ القانون مجراه بمحاكمة المجرمين، وإذا ما أعيد للقانون اعتباره في حياة الشعب الفلسطيني، ولعل ما حصل بعد أيام من اتفاق مكة من قتل أبرياء مواطنين في حالة اشتباك قبائلي إلا دليلاً على أن غياب القانون لا زال يوفر غطاءً وحقاً للأسر والعشائر والمنطق الثأري: أن يسود في حياة شعبنا.. وما حصل يوم 11/3، 12/3 من اقتتال وتدمير بيوت وممارسات ثأرية إلا تأكيداً على أن الفريقين لم يسلما بعد بالحدود والمحاصصة ولم يبحثا بالأصل في أسباب وجذور هذا الاقتتال إلا من زاوية المحاصصة والحدود..

قليل من التأمل في مشهد الاقتتال وفصوله السوداء وتفاصيله المريعة وما رافقه من مشاعر ثأرية لدى الفريقين ومقاتليهم الأشاوس، تخلق فينا قدراً من عدم التسامح، وقدراً من الإيمان بأن ما قيل من محاسن وفضائل اتفاق مكة لا يمكن أن يمحو عاراً وجرائم ارتكبت في حق شعبنا من قبل فريقين حازا على الأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني، هم ممثلو الشعب، وهم في ذات الوقت من سفحوا الدم الفلسطيني، وتجاوزوا الخط الأحمر الذي رفعوه شعاراً وتغنوا بقدسية الدم الفلسطيني.

وعليه فإن إغداق أوصافاً على الاتفاق من نوع، التاريخي، وفجر جديد، ومرحلة جديدة، ونقلة نوعية، وتحقيق الآمال الفلسطينية..! وإعادة الفرحة للشعب الفلسطيني..! لا تعكس إلا خطاباً إنشائياً يتجاوز الواقع الموضوعي، ولا يستطيع أن يسدل الستار عن تلك الأيام السوداء التي خطط لها بإرادة ووعي كاملين في محاولة من الطرفين لتحسين ميزان قواهما على الأرض، و(إظهار العين الحمراء) لكل منهما ولو بالسلاح، والدم المراق وصولاً لاتفاق يعيد تموضع الفريقين في زوايا السلطة وزواريبها الفارغة من مضمون المؤسسات، ورسم الحدود بينهما ميدانياًً وسياسياً وعلى مساحة السلطة، وعلى المستوى الإقليمي والدولي..

إن اتفاق مكة بما انطوى عليه سياسياً وتنظيمياً «لن يكون الغفار الرحيم» وبه لن يستطيع أحدٌ  ممن أوغل في دماء أبنائه أن يدعي أنه أبٌ للولد.. أو أبٌ للنضال مهما أظهر نفسه حريصاً على الولد، ومهما تغزل في الوطن، ومهما ألبس نفسه من عباءات النضال.. فلا يمكن للأب أن يغدر بأبنائه في وضح النهار وأمام عدسات وفضائيات العالم، ولا يمكن للمناضل أن يدمر ما بناه.. إلا حين تصبح شهوة السلطة وشبق زائريها وقاطنيها بما تمثله من مصالح وامتيازات وغرائز أهم وأقوى من المصالح العليا للشعب الفلسطيني.

إن وضع «اتفاق مكة في ميزان المراجعة والتقييم» يجب أن ينطلق من معايير المحاكمة الموضوعية والشمولية وليس من معيار واحد.. هو وقف الاقتتال.. إنما يجب أن يحاكم في إطار الرؤية الوطنية والسياسية والديمقراطية.. فإذا كان الاتفاق يحمل جانباً إيجابياً كونه أوقف الاقتتال، فإنه كان مفجعاً في جانبه السياسي، وطريقة إخراجه، وطريقة توزيع الغنائم «الوزارات»، فمن حق الفريقين أن يتفقا على وقف الاقتتال وأن يحقنا الدم الفلسطيني، غير أنه من غير المنطقي أن يتفق الفريقان في غياب كل القوى السياسية والوطنية على الحدود السياسية والوطنية والديمقراطية وإلزام الآخرين بها..! وينتقلا إلى جغرافيا سياسية في الضفة الأخرى ليفرض استحقاقاً سياسياً ليس هو موقف الشعب الفلسطيني. و من ثم يطلب من الآخرين أن يكونوا إما «شهاد الزور» أو «غطاءً سياسياً ووطنياً» عبر حكومة وحدة وطنية، ثم الاتفاق على تفاصيل حقائبها بين الطرفين. الأمر الذي يحمل في أبعاده وجود عقليتين متجانستين.. اندمجتا في عقلية ثنائية محتكرة للقرار الوطني والسياسي وإدارة النظام السياسي الفلسطيني بمقاييسهما وبرؤيتهما. ومما يشير بأن ما ينطبق على إدارة الحكومة ينطبق على إدارة م.ت.ف بنفس الآلية والتفكير والمحاصصة إذ يبقى ويحول إطار م.ت.ف إلى إطار ديكوري ينزع عنها صفة الجبهة الوطنية الفاعلة التي تحوي في داخلها كل مكونات النضال الوطني الفلسطيني.. فإذا كان الفريق الفتحاوي قد عمل عقوداً ومنذ أوسلو على تدمير المنظمة وإخضاعها لمنطق الفردية المطلقة، وتوظيفها لخدمة أهدافه السياسية.. فمن غير المنطقي أن تتجانس العقلية الفردية، والعقلية الثنائية في الرؤية والإدارة، لنقود المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية نحو المجهول!!.


 
< Prev   Next >
website statistics