|
يشبه
الوضع الفلسطيني إلى حد بعيد وضع فريق كرة قدم يخرج من ركام الفقر والبؤس
والاضطهاد ويشق طريقه وسط الصعوبات ويصل إلى تصفيات الدوري، وهناك وبعناء شديد
يقوم فريق الدفاع بواجبه على نحو جيد وسط تشجيع الجمهور، ويجاهد خط الوسط ويُوصل
الكره إلى خط الهجوم، وفي اللحظة الحرجة يقوم قلب الهجوم بإنجاز ضربة عكسية فتحقق
الهدف في شباك الفلسطينيين.
إن
هذه الصورة المحبطة تجد لها نماذج تحليلية
كثيرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر المليء بالعذابات والمعضلات والأوضاع القلقة
والشاقة، وفي كل مرة تصل محاولة الإنجاز والبلورة التي تجري في ظروف معقدة للغاية
إلى إخفاق جديد بأثمان باهظة ومروعة لا يجدي معها ذهول الجمهور وإحباط اللاعبين الذي
يتحول إلى سأم ولامبالاة واستقالة من حسن المسألة والمراجعة والمحاسبة والاقتصاص وتجنب جماعي عنيد لاستخلاص
العبر والدروس ومعاداة ثقافة التعديل والتغيير والتبديل. لقد كانت هذه اللعبة هي الأكثر تكراراً في تاريخ
الفلسطينيين المعاصر الذي تحكمه مفارقة مروعة هي كمون الإخفاق في صلب الفاعلية وقيامه
في أفق المقاومات الشاقة التي يبلورنها.
وفي مجابهتهم لنكبة قيام إسرائيل على حساب
تحويلهم إلى عهن منفوش، كشف الفلسطينيون عن طاقات عالية في المقاومات الوجودية بل لقد حولوا الجلد والمعاودة لمقاومة بحد ذاتها،
بينما كشفت أبنيتهم السياسية ونخبهم عن قدرة فائقة في تحويل الرهان الى خيبة
وتحويل العجز إلى قدر تاريخي، وهو ما يشير
لوجود عطب وشوائب في بنية الوعي والثقافة الفلسطينية تلعب دور الحليف الموضوعي لما
يقوم في واقع حياتهم من صعوبات ومشكلات ونفي يقف ورائها حلف من الخصوم المقتدرين
العتاة.
وإذا كانت التحديات الوجودية تستطيع الكشف عن جوهر الأفراد والجماعات وطاقاتهم
ومقاوماتهم، فإنها بذات القدر تكشف عن نقاط ضعفهم وقصورهم وعجزهم، وبفهم النكبة
المتواصلة في حياة الفلسطينيين من هذا
المنظور، فإن النكبة الأم التي ألمت بالفلسطنيين منذ خمسة عقود وأكثر تكشف بدورها
عن عناصر نكبة كاملة موجودة في طبيعة
النخب السياسية التي قادتهم وتداولت عليهم قبل قيام إسرائيل وحتى اللحظة. وبإستثناء حالات من البطولة الفردية أو في
مستوى زمرة أودعنا أصحابها في المقابر أو النسيان
أو الهوامش والظلال، فليس بمقدور أي بنية قيادية فلسطينية معاصرة أن تزعم بأنها قد
كانت صاحبة تطلع ورؤية وممارسة وتراث
يوازي المتطلبات التاريخية للمشكلات الفلسطينية على نحو نسبي وليس على نحو مثالي.
وفي حصيلة تاريخ درامي فإن ما يستقر في
وادي الفلسطينيين جراء نكبة قيام إسرائيل وجراء نكبتهم بطبيعة قياداتهم المتعاقبة هو الخيبات والعجز والإطاحة بالرهانات وإنتاج المأزق وعدم القدرة
على بلورة الدروب والحلول أو المسارات التي من شأنها أن تفضي ذات يوم إلى
ذلك. وعندما تكون النخب القيادية في جماعة
ما على ما هي عليه النخب الفلسطينية من قدرات مثيرة في إنتاج المأزق والمشكلات فإن
واقع الحال يشير لنكبة ذات منشأ داخلي أيضا تلاقي وتتحالف مع النكبات الموضوعية
التي يواجهها شعب ترعرع في صلب الازمات.
وهنا فلا يكون من دور فعلي وحقيقي وملموس
لما يعرف بالمحترمين في بنية القيادة الفلسطينية حسب أوصاف التداول والجدل
الفلسطيني العام، سوى وظيفة كسر القاعدة وهي وظيفة غير هامة مقارنة مع وظيفة
موضوعية أخرى، هي تدعيم الفساد والتردي والانحطاط والخيبة، لأن محترمية لا تتحول الى
خيار أو قوة تعديل أو ضغط وتعبر عن نفسها في حقل الواقع والتاريخ بصورة مجدية
ومنظمة تنتهي موضوعياً كأداة أو كديكور عند بنية الفساد والعجز سواء شاءت أم أبت.
أما البعد الثالث للنكبة الفلسطينية والذي
تكشف عنه النكبة الام وتحدياتها فيتمثل فيما تنطوي عليه بنية الوعي والثقافة
الجماعية الفلسطينية من وجود نسق منظم من
الشوائب الفعالة والقدرة على التعايش مع العجز والرداءة ومناهضة الضروري في العمق
وتمجيده في الخطاب وإقصاء القيم الايجابية والروح البناءة والمقاومة ودحرها. لقد تغلب النسق السلبي في الوعي الفلسطيني على
النزعة الايجابية فيه وهناك فرق دال وحساس ومهم بين النسق والنزوع،ورغم ما كان
لاشتغال النسق السلبي والخبرات السيئة
التي يحملها الفلسطينيون له من مساهمات
مهلكة في إنتاج المأزق المختلفة، الا انه ظل حيويا ومقتدرا بصورة تشير لمدى قوته
وصلابة تكوينه في بنية الوعي والثقافة
الفلسطينية في ظروف تفترض تقدم النزعات
الايجابية في الوعي الجماعي الفلسطيني وتحولها إلى نسق. وكأننا هنا إزاء حالة تمأسس قوية للنسق السلبي
في الوعي مقابل إنباتات في نزوعاته الايجابية والبناءة.
....وفي
هذا السياق يمكن فهم وقوف الوعي والواقع الفلسطيني معاً إزاء مفاعيل ثلاثة نكبات
تتحالف وتتراكب بالقوة مقابل نزوع مقاوم وبناء يعاني من الانقطاعات والانبتات ويترك وسط المشقة والكبد. وفي هذا المستوى بالذات نستطيع التوقف عند بنية
النكبة إذا جاز القول كمحدد وكمفسر أساسي للحدث الفلسطيني وما ينطوي عليه من
مفارقات ومشقات منذ قرن مضى على الأقل وحتى أخر خبر عاجل يرد ألان من المسرح
الفلسطيني.
* * *
يقول
جيل دولوز " تولد الجماعات في العذابات التي لا تطاق " وبالقياس إلى حجم
العذابات التي أحاطت بالفلسطينيين وما ولدته نكباتهم المتعددة يبدو التساؤل
ملحاً: هل تولد وعي فلسطيني حقيقي وجدّي
وأصيل ومختلف وغير قابل للانتكاس بما يوازي العذابات التي لا تطاق " وعي يقطع مع شوائبه وسلبياته وخبراته
المريرة والكارثية أم أن الولادة المطلوبة
كما تقول معطيات الواقع لم تحصل بعد.
ويلد
التساؤل المُقض من فوره سؤالاًً أخر : إذا
لم يتولد الوعي الفلسطيني الجديد المبني على الفاعلية والايجابية والروح البناءة وتعدد الأبعاد واستخلاص العبر وثقافة المكابدة والتراكم والإنجاز في خضم قرن وأكثر من العذاب، فمتى سيتولد أو كم يحتاج
من العذاب حتى يولد ...؟؟؟؟؟؟؟؟
___________________________________
* كاتب وأستاذ
جامعي من فلسطين
|