aic_header_logo
Home arrow News arrow arabic arrow الحكومة الجديدة والحصار والمستقبل
الحكومة الجديدة والحصار والمستقبل Print E-mail
Thursday, 12 April 2007
Tag it:
Delicious
NewsVine
Reddit
YahooMyWeb
Technorati
Digg

بقلم: د. جورج جقمان

كاتب سياسي وأستاذ في جامعة بيرزيت

أسئلة كثيرة تراود الجمهور الفلسطيني في هذه المرحلة: هل ستنجح الحكومة الجديدة بكسر الحصارين السياسي والاقتصادي؟  هل ستتمكن من توفير الأمان الشخصي للمواطنين وفرض حكم القانون وضبط المجموعات المسلحة في قطاع غزة خاصة وفي الضفة الغربية أيضاً؟  هل ستسير حماس على خطى فتح وتعطي الأولوية للمفاوضات حتى لو تمت من قبل الرئيس محمود عباس، وإيقاف المقاومة مقابل قبولها العربي والدولي كطرف رئيسي في الحكم، وما هو مآل "المشروع الوطني" حسب الفهم الفلسطيني له، أي حل الدولتين وبموجب القرارات والمواقف المعلنة لمنظمة التحرير الفلسطينية؟

للإجابة على هذه التساؤلات أو وضعها في إطار تحليلي يسعف على استشراف بعض آفاق المستقبل، لا بدّ من البدء بخصوصية الحالة الفلسطينية مقارنة بمعظم الدول العربية التي تتم فيها انتخابات نيابية، وعلاقة هذا الموضوع بالحصار السياسي والمالي.

ففي معظم الدول العربية حتى وإن لم يتم تزوير الانتخابات النيابية أو التدخل الفظ والمباشر في نتائجها، أو التعديل المستمر في قوانين الانتخابات حتى تأتي النتائج بما يتوافق بقدر أو آخر مع رغبة النظام، حتى وإن لم يتم ذلك، تجري اللعبة الانتخابية تحت "صمام أمان" لا يتيح للأحزاب الفائزة استلام الحكم كاملاً.

و"صمام الأمان" هذا، ومن منظور هذه الأنظمة، هو وجود نظام ملكي وراثي، أو جمهوري يحكم فيه الرئيس مدى الحياة، أو "جمهوري وراثي".  أي أن الصلاحيات النهائية والأساسية أيضاً ليست في يد الحكومة التي تتشكل بفعل الانتخابات حتى لو كانت نزيهة وحرة، وإنما في يد الملك غير المنتخب أو الرئيس المؤبد في الحكم.

ومن منظور الولايات المتحدة التي يتحالف معها معظم الأنظمة العربية في المنطقة، أو تسعى "لاتقاء شرها" ومهادنتها، في هذه الحالات يتم الاعتماد على هذه الأنظمة "وصمام أمانها" لإبقاء اللعبة الانتخابية تحت سقف هذا الصمام بحيث لا نؤثر على سياسة هذه الدول الخارجية أو الاقتصادية أو الأمنية، ولا تؤثر على تحالف هذه الدول مع الولايات المتحدة.

ومن هذا المنظور ان الحالة الفلسطينية فريدة من نوعها لأن أية انتخابات نزيهة، كما تم في فلسطين، قد تؤدي إلى الوصول إلى الحكم أحزاب أو حركات تناهض سياسة إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة.  هذا بسبب غياب "صمام الأمان" المشار إليه.  فاللعبة الانتخابية مفتوحة وكل شيء ممكن بما في ذلك غير المتوقع والمفاجئ.  هذه بالطبع لعبة خطرة من منظور الولايات المتحدة في منطقة "حساسة" مثل هذه.  إذاً لا مناص من التدخل الخارجي المباشر، فلا يوجد وكيل وارث للعرش أو رئيس مؤبد في المنصب يمكن الاعتماد عليه لتحجيم التبعات "السلبية" للانتخابات الحرة.

هذا هو معنى الحصار السياسي والاقتصادي، أي تفادي سابقة خطيرة من منظور الولايات المتحدة وإسرائيل.  فالحصار يسعى لتلقين درس للفلسطينيين لأغراض مستقبلية أيضاً، أي أن عليهم أن ينتخبوا من هو مقبول إقليمياً في نطاق هذه التحالفات، ودولياً أيضاً.

إن الضعف الأوروبي تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل والذي تمثل بقبولهم الشروط التي وضعتها إسرائيل لرفع الحصار تُري أن العالم مازال في نطاق هيمنة القطب الواحد حتى لو كانت هناك مساعي لفك حصار هذا القطب، ولكنها بطيئة.  وقد نرى بعض هذه المساعي من قبل الدول الأوروبية التي لا تريد أن تكون تابعة للسياسات الأمريكية في المنطقة بعد مؤتمر الرياض.  ومن الجلي أن فك الحصار السياسي أسهل نسبياً من الحصار الاقتصادي.  فمثلاً، ان دول مثل النرويج والمملكة المتحدة وروسيا وأسبانيا، وإيطاليا، والسويد، أخذت عدة خطوات بهذا الاتجاه.  ولكن سيطرة الولايات المتحدة على التحويلات المالية عبر العالم نظراً لخشية البنوك بما في ذلك العربية من إيقاع عقوبات عليها أو مقاضاتها في الولايات المتحدة أو إقفال فروعها هناك، تمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من إبقاء الحصار المالي حتى لو تم كسر الحصار السياسي.

إذاً، توجد عدة عبر يمكن استخلاصها من الحالة الفلسطينية، أشير من بينها إلى طبيعة النظام السياسي ما بعد عرفات وما اصطلح على تسميته بالتحول الديمقراطي في الدول "النامية".  فقد كان من الجلي أن النظام السياسي بعد عرفات كان لا بدّ له أن يتغير بفعل عوامل عدة من بينها أن طريقة حكم الرئيس الراحل كانت تتضمن عدم وجود محور واحد متمكن من الوضع الداخلي يقوده شخص قوي يمكن أن يعبئ الفراغ الذي تركه الرئيس عرفات.  أما العامل الثاني فكان أن الانتخابات أضحت مطلباً فلسطينياً ودولياً لا يقاوم كأساس للشرعية السياسية وشرعية الحكم في عالم اليوم.  أما العامل الثالث، فكان ومن سوء حظ البعض أن الرئيس الراحل لم يترك ابناً "وريثاً" للحكم أسوة بعدد من النظم الجمهورية في المنطقة، يمكن أن يكون له إمكانية الفوز في انتخابات رئاسية حرة ونزيهة وان يتمكن من الإمساك بزمام الأمر الداخلي بنفس الآليات التي اعتمدها عرفات.  أقول الانتخابات، لأني أرى أنه لم يكن من الممكن أن يتم توريث مباشر في فلسطين، حتى لو كان الوريث ابن عرفات، لأن الانتخابات، فلسطينياً وعالمياً أيضاً، هي الآن أساس الشرعية السياسية.  وإذا كان هذا التقدير صحيحاً، فهو يدل على مكون إيجابي من مكونات الثقافة السياسية الفلسطينية والتي تعتبر عادة إحدى الشروط الضرورية، إن كانت مواتية، للتحول الديمقراطي.

أما العبرة الأخرى التي يمكن استخلاصها من الحالة الفلسطينية، أنه حتى لو كانت العناصر الداخلية مواتية لهذا التحول، فإن الدول "النامية" أو "دول المحيط" ليست بمنأى عن نفوذ وتدخل "دول المركز"، أي الشروط الخارجية الضرورية لهذا التحول.  بالطبع، إن الانتخابات وحدها لا تعني الديمقراطية.  توجد عدة مقومات وعناصر أخرى منها التداول على السلطة، وحكم القانون، وحماية حقوق الإنسان والحريات الفردية والمدنية والسياسية، وأيضاً قبول التعددية الفكرية والثقافية إضافة إلى السياسية.  وهذا اختبار مازال على حماس أن تمر به والحركات الإسلامية عموماً في العالم العربي.  لكن الانتخابات هي نقطة بداية وإن كانت غير كافية، ولكن في الحالة الفلسطينية لم يقيض لنا أن نستمر على مسار "التحول الديمقراطي" تحديداً بفعل العامل الخارجي، على الأقل مؤقتا.

التحديات المباشرة أمام الحكومة

إن السياسة الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة بتشددها في تقسيم المحاور إلى أصدقاء وأعداء تركت فراغاً سياسياً يلزمه من منظور مصالحها ومن منظور دول عربية عدة، تحالفات أقل إطلاقية، تحتمل الإدخال الجزئي على الأقل، لبعض "الأعداء" في نطاق هذه التحالفات، أو تحييدهم كحد أدنى.  لذا، سارعت المملكة العربية السعودية لتعبئة هذا الفراغ ومن منظور مصالحها هي أيضاً، كدولة رئيسية في المنطقة، من خلال رزمة متكاملة تضمنت اتفاق مكة المكرمة، وتشكيل حكومة جديدة بناء على هذا الاتفاق، تمهيداً لمؤتمر الرياض الذي أكد مجدداً على المبادرة العربية التي أهملتها إسرائيل بعد إقرارها في بيروت عام 2002.

وفي الظرف السياسي الحالي كان التأكيد على المبادرة العربية بحضور الجانب الفلسطيني المتمثل برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية إضافة إلى رئيس الوزراء له أهمية خاصة، إحداها، قبول الحكومة الفلسطينية الجديدة لهذه المبادرة، حتى لو صورت على أنها موقف الحكومة وليس موقف الفصائل والأحزاب التي تشكلت منها الحكومة، وحتى لو كان هذا القبول ضمنياً.  وكان الهدف من قمة الرياض إعادة ترسيم عدد من التحالفات في المنطقة، وإدخال الحكومة الفلسطينية ضمن نطاق هذا التحالف، أو على الأقل إخراجها من تحالفات أخرى.  لكن هذا كان مرهون أيضاً من منظور حماس برفع الحصار السياسي والاقتصادي عن الحكومة الجديدة.  وبهذا أخذت القمة العربية موقفاً لا يتماهى تماماً مع السياسية الأمريكية على الأقل مرحلياً.  لكن، كان لهذه القمة أثر مباشر على سياسية الاتحاد الأوربي والذي أعلن بعد انعقاد القمة أنه سيقيم عمل الحكومة الفلسطينية ليس فقط بناءً على الأقوال وإنما الأفعال أيضاً.  وبالرغم من إشارة الاتحاد الأوروبي إلى شروط الرباعية، إن التمييز بين "الأقوال" و"الأفعال" له دلالة هامة.  فالأقوال معناها المواقف، أي شروط الرباعية وموقف الحكومة منها.  ولكن الأفعال لا تتطلب الاعتراف بإسرائيل مثلاً، وإنما السياسية العملية وكيفية التصرف، على سبيل المثال، إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير في غزة، وضبط الانفلات الأمني، وإيقاف إطلاق الصواريخ من غزة، وهكذا.  فالتشديد على الأفعال وليس الأقوال، يؤذن بتغير في تلك السياسية باتجاه قبول الحكومة الجديدة دون بالضرورة أن تعترف بإسرائيل وشروط الرباعية الأخرى.

هذه إذاً بعض التحديات الماثلة أمام الحكومة الفلسطينية وليس فقط من منظور خارجي.  فموضوع تبادل الأسرى أمر في غاية الحيوية من وجهة نظر فلسطينية داخلية، والأمان الشخصي يمثل أولوية للمواطن العادي الذي سئم من الانفلات الأمني.  وبالرغم من تسليط الأضواء على اختطاف مراسل هيئة الإذاعة البريطانية، ثم اختطاف ما يقارب مائة وعشرون فلسطينياً في غزة خلال شهر آذار وحده.  فقطاع غزة يعاني من انهيار للأمن الفردي والجماعي ومن تسلط العصابات المسلحة و"صوملة" المجتمع، أي تفتته إلى مجموعات متحاربة ترهب المواطن العادي في سياق تحاربها، علماً بأن بعضها أصبح يمتهن هذه "الصوملة" ويرتزق منها كطريقة حياة وعمل.

هذا الجانب يشكل إحدى التحديات الأكبر أمام الحكومة الفلسطينية الجديدة.  لكن ما يعيق ضبط هذا الانفلات هو عدم وجود قناعة لدى حماس وفتح أساساً، من أن الاقتتال بينهما الذي استعر في نهاية عام 2005 وبداية 2006 لن يعود إلى الاندلاع مجدداً.  فحسب ما يراه البعض، لكل من حماس وفتح حلفاء بين عدد من المجموعات المسلحة بما في ذلك العشائر والعائلات التي ينتظر منها المناصرة في أي اقتتال داخلي بين حماس وفتح.  لذا توجد مصلحة لدى الطرفين في عدم تجريدهم من السلاح أو حتى ضبطهم والذي يتطلب دخول في صراع معهم، بسبب عدم وجود قناعة لدى الطرفين بعدم وجود إمكانية مستقبلية للعودة للاقتتال بين حماس وفتح.  لذا وكما يرى بعض المراقبين ان مفتاح ضبط الأمن الداخلي ووحدة السلاح الفلسطيني يلزمه أولاً اقتناع حماس وفتح بأن صراعهما المسلح لن يتجدد في مرحلة مقبلة.  وإذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة طرفان في تأجيج هذا الصراع، يصبح العامل الخارجي أساسي أيضاً في ضبط أو عدم ضبط الانفلات الأمني.  فاستمرار الحصار السياسي والمالي، يؤشر إلى فتح وحماس أن الاقتتال بينهما مازال إمكانية واقعية لحسم الأمر بين الطرفين من خلال هذا الاقتتال.

هذا بدوره يؤدي إلى عدم التخلي عن دعم ومناصرة المجموعات المسلحة في قطاع غزة المؤيدة والمساندة لهذا الطرف أو ذاك، ومن ثم، استمرار الانفلات الأمني.  بالتالي، إن رفع الحصار السياسي والاقتصادي من قبل إسرائيل والولايات المتحدة هو المدخل للشراكة السياسية والأمنية بين حماس وفتح.  دون ذلك سيستمر كل طرف بالإعداد لمعركة قادمة ممكنة سيحتاج فيها كل منهما إلى المساندة الميدانية من قبل عصابات الارتزاق والعشائر المسلحة.

هل من مسار سياسي؟

قد يلزم عدة شهور لحسم موضوع الشراكة السياسية والأمنية بين حماس وفتح.  وقد يسبق ذلك عدة خطوات تمهد "بالأفعال" وليس "الأقوال" لمسار سياسي، مثل تبادل الأسرى، ولكن هذه بحد ذاتها غير كافية إذ يجب أيضاً التوصل إلى إيقاف إطلاق نار متبادل في الضفة والقطاع وهو أمر مرهون أيضاً بالتوافق بين حماس وفتح على ضبط المجموعات الأخرى.

لكن من منظور أعم يبقى الرهان الأساسي على تمسك المملكة العربية السعودية والدول العربية الأخرى بصيغة المبادرة العربية دون تعديل، والضغط المستمر على الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي لبدء مسار سياسي جدي ومقنع، وليس "أوسلو 2" دون اتفاق على الخطوط النهائية للحل، وهو موقف الحكومة الإسرائيلية حالياً.

إن القضية الأساسية هنا ترتبط بعلاقة الولايات المتحدة بإسرائيل من جهة، وغياب ضغط عربي فعال على الولايات المتحدة من جهة أخرى.  فمن ناحية الدول العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة، هي أيضاً متحالفة موضوعياً مع إسرائيل حيال "الأخطار" التي تهدد المنطقة، باستثناء القضية الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة في سوريا ولبنان.  ولعل ما يميز الوضع الإقليمي الحالي ومن ثم قمة الرياض، هو نشوء حاجة من منظور هذه الدول لتحالف علني مع إسرائيل خصيصاً تجاه إيران، لكن هذا يلزمه حل ما للقضية الفلسطينية وإخراج بعض قوى المقاومة الفلسطينية من تحالفات أخرى.

لكن مشكلة هذه الدول هو ضعف إمكانية الضغط على الولايات المتحدة بوجود هيمنة إسرائيلية على سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط.  فقد نجحت إسرائيل نجاحاً باهراً في التأثير على سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، من خلال سيطرتها على "الكونغرس" الأمريكي فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وأيضاً على أوساط في الإدارة الأمريكية خصيصاً في عهد "بوش".

لذا، تحولت القضية الفلسطينية إلى كرة قدم سياسية في الملعب الداخلي الإسرائيلي في غياب أي ضغط خارجي فعال.  وهذا بدوره أدى إلى قدر من الشلل في التعامل مع "إنهاء النزاع" نظراً للاعتبارات المحلية والحزبية والانتخابية الإسرائيلية والتي هي العنصر الأكثر تأثيراً على السياسيين في تعاملهم مع الصراع العربي – الإسرائيلي.

وأضحى العرب والأوروبيون والأمريكيون متفرجين ينتظرون نتائج الانتخابات الإسرائيلية، واحدة بعد الأخرى مبتهلين آملين أن تفوز "قوى السلام" لعل هذا قد يؤدي إلى مسار سياسي يفضي إلى حل.  ويقال الآن، ان حكومة "أولمرت" أَضعف من أن تُقدم على مسار سياسي يتضمن "تنازلات" إسرائيلية.  ولكن، كما قال أحد الكتاب الإسرائيليين ذات مرة، إذا كانت إسرائيل قوية، فهي لا تحتاج إلى السلام، وإذا كانت ضعيفة، فليس في مقدورها صنع السلام.

إن الشرط السياسي لهذا الشلل هو بالضبط نجاح إسرائيل في وضع خط أحمر أمام أي ضغط ممكن عليها من قبل الولايات المتحدة، ومن ثم أوروبا، ناهيك بالدول العربية.  ولكن ما يميز الظرف السياسي الإقليمي الحالي هو وجود حاجة أمريكية وإسرائيلية وحاجة لعدد من الدول العربية لتحالف فعال وعلني إزاء إيران من جهة، ولدور عربي أكبر، بما في ذلك دور سوري، في العراق.  هذا التحالف غير ممكن دون مسار سياسي فلسطيني – إسرائيلي، درأً لمخاطر وجود حرائق مشتعلة من أفغانستان إلى غزة، خاصة ان نفذت الولايات المتحدة تهديداتها بخصوص ضرب إيران.

لذا، ان قمة الرياض من منظور الدول العربية "المعتدلة" هي محاول أخيرة جادة لإيجاد حل ما للصراع.  وبالرغم من أن السؤال عن مآلها مازال مفتوحاً، ان الخشية من منظور فلسطيني هو أن تتحول إلى "أوسلو 2" زائد تطبيع عربي تدريجي.  فإذا توقف المسار السياسي بعد مدة من بدئه لأي سبب من الأسباب، وهي كثيرة كما رأينا في مسار أوسلو الأول، سيبقى التطبيع العربي ولو جزئياً، دون الوصول إلى خط النهاية في هذا المسار.  وقد بدأنا نلمح مؤخراً إمكانية تمييع المبادرة العربية، في تصريحات بعض وزراء الخارجية العرب، من أن هذه المبادرة هي "أساساً" أداة أو آلية للتفاوض"، الأمر الذي يوحي بإمكانية تخفيف أو تعديل بعض جوانبها أو مرحلتها بشكل يفرغ الكثير من محتواها.

لذا، ان الموقف الفلسطيني هنا في غاية الأهمية نظراً لأنه مفتاح شرعية أي مسار سياسي ومصداقيته.  الخشية أيضاً من أن يتعرض الجانب الفلسطيني لضغوطات عربية للقبول ما هو أقل من حل الدولتين بالفهم الفلسطيني له، أو القبول بمرحلة المراحل دون اتفاق على خط النهاية، الأمر الذي كان الخلل الأساسي في اتفاق أوسلو إضافة إلى عدم إيقاف الاستيطان، من بين نواحي أخرى.

وإذا كان الكثير من الدول العربية تريد "التخلص" من القضية الفلسطينية التي شكلت عبئاً تاريخياً عليهم، فتوجد أيضاً أطراف فلسطينية تريد التخلص من هذا العبء أيضاً.  فصلابة الموقف الفلسطيني بالتمسك بالفهم الفلسطيني للحل سيعتمد على توازن القوى والمصالح الداخلية الفلسطينية للأحزاب والحركات والفصائل والكتل النيابية.  وموقف حماس هنا سيكون له أهمية خاصة، وهو أمر مازال يشعوبه بعض الغموض.  ما هو واضح هو قبول حماس بحل الدولتين وإن كان مرحلياً، والاستعداد لإعطاء الرئيس أبو مازن الفرصة للتفاوض.  ولكن ماذا سيكون موقف حماس لو أدى التفاوض إلى ما هو أقل من حل الدولتين أو إلى "أوسلو 2" جديد؟

ومن الجلي ان اعتبارات "حماس" متعددة حتى لو كانت حركة وطنية مقاومة للاحتلال، فهي أيضاً أول حركة إسلامية تفرعت من حركة الأخوان المسلمين تصل إلى السلطة من خلال الانتخابات، وتتبؤها، في بلد عربي.  بالتالي، يوجد حافز لحماس للنجاح، وهو حافز أيضاً وسابقة لتيارات إسلامية أخرى في عدد من الدول العربية.  والسؤال هنا هو هل رغبة حماس بالاستمرار بالحكم ستتغلب على أية اعتراضات على أي مسار تفاوضي ممكن، حتى لو أدى إلى نتائج غير تلك التي يطمح إليها الفلسطينيون؟  ما هو واضح هو أن حماس ستعود إلى تفعيل المقاومة في حال بان أنها غير مقبولة في الحكم حتى في إطار الحكومة الحالية.

هذه التساؤلات والخيارات مطروحة من منظور استراتيجي أيضاً على الدول العربية والأوروبية، في المقام الأول، وعلى الولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً.  وهو أمر مدرك كل الإدراك من قبل حماس، نظراً لأنه يتعدى نطاق فلسطين.  ان الحركات الإسلامية في الدول العربية والإسلامية موجودة وتحظى بتأييد ودعم جماهيري لا يستهان به، فهل سيتم العمل على إقصائها عن الحكم أو المشاركة فيه من قبل الدول العربية أولاً، ودول أخرى ثانياً؟  من الجلي أن لأوروبا خاصة مصلحة مباشرة في "التصالح" مع الحركات الإسلامية "المعتدلة" ومنها حركة الأخوان المسلمين، حتى يتم عزل حركات الجهاد المعولم وحتى يكون في الإمكان "التصالح" أيضاً مع الجاليات الإسلامية في أوروبا.  لكن لهذا ثمن سياسي، في فلسطين، لأن هذا "التصالح" غير ممكن باستمرار الاحتلال والمقاومة.  هذه مشكلة لأوروبا بسبب ضعفها تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، ومشكلة لعدد من الدول العربية مضاف إليها خشيتهم من نفوذ غير مقبول للإسلاميين على مقدرات الدولة والقرار السياسي فيها.

وحتى لو كان الوضع يتفاوت من بلد عربي لآخر تجاه الموقف من الإسلاميين، يرى بعض الناطقين من هذه الحركات أن الوقت مازال مبكراً لتقبل الإسلاميين كطرف رئيسي في الحكم في معظم الدول العربية.  وقد عبر عن هذا الرأي قبل عدة أسابيع أحد قيادي الأخوان المسلمين في سوريا والموجود في المنفى في بريطانيا، وفصل هذا الموقف بوضوح الأستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية، الموجود في المنفى في لندن أيضاً.  وقد قال في مقابلة مطولة مؤخراً أنه نصح عدد من الحركات الإسلامية التي تشارك في الانتخابات النيابية عدم تجاوز حد ال 30 في المائة من المقاعد، لأن النظم العربية لن تسمح لهم بأكثر من هذا، ولأن البيئة الإقليمية السياسية غير جاهزة بعد لحكم الحركات الإسلامية.

ومن هذا المنظور، قد يبان أن حماس "تورطت" بتشكيل الحكومة بعد حصولها على أغلبية في المجلس التشريعي، ولكن من الصعب عليها الآن التراجع.  لكن الاختبار الأساسي مازال أمامها ومازالت خياراتها مفتوحة.  ومن غير المستبعد أن تسهل عليها إسرائيل والولايات المتحدة القرار باستمرار الحصار الاقتصادي والمالي، ولكن لهذا ثمن أيضاً، أي العودة إلى ما قبل اتفاقية القاهرة في آذار 2005، والعودة إلى تشرذم القرار السياسي والميداني الفلسطيني.

وفي حال تمكنت الحكومة الجديدة من كسر الحصار السياسي والمالي، سيكون الاختبار الأساسي أمام حماس ما إذا كانت ستقايض الاستمرار بالحكم مقابل عدم مناهضتها لنتائج أي مسار سياسي ممكن ومهما كانت هزيلة من منظور فلسطيني وطني.  لكن هذا أيضاً تحدياً رئيسياً أمام الفلسطينيين ككل حيال مآل القضية وما إذا كان من الممكن تحقيق حل الدولتين.  ولعل المبادرة العربية هي في الواقع الفرصة الأخيرة ان لم يفرغها بعض العرب بموافقة فلسطينية من محتواها.

   

 


 
< Prev   Next >
website statistics