|
الثنائيات
القاتلة
داخل النظام السياسي الفلسطيني
منذ "أوسلو" والمجتمع
الفلسطيني والحقل السياسي الفلسطيني يعيش "ديناميكيات" جديدة غير مستقرة
وما نتج عنها من حالة استقطاب وثنائية داخل الفكر والممارسة والشارع الفلسطيني،
ولكن مع الانتخابات وما تبعها من تشكيل حماس لحكومة ذات لون واحد ومن ثمة حكومة
ائتلافية، كل ذلك عزز من الرغبات المقلقة للحصول على "مزيد ومزيد من
السلطة" والقوة والنفوذ من قبل قطبي الثنائية الفلسطينية(فتح وحماس)، وهذه الثنائية
الحادة والاستقطاب برزت كصراع بين توجهين وفصيلين وفهمين ومنطلقين ورؤيتين، وهذه
الثنائية الاستقطابية شكلت وتشكل عائقا حقيقيا أمام أي محاولة لقراءة تحليلية
للواقع، فهي ثنائية تختزل المجتمع وتهمش وتستبعد فصائل وقوى وشرائح ورؤى أخرى كانت
ولا تزال فاعلة في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الفلسطيني.
مقولات الثنائية
يوميا وعبر وسائل الإعلام والمنشورات
الحزبية والتحليلات ُيعبر عن هذه الثنائيات بمقولات متعددة تيار منظمة التحرير-
تيار الإسلام السياسي، و"نهج التسوية – نهج المقاومة"، و"السلطة –
المعارضة"، و"الإسلامي – العلماني"، و"فتح – حماس"،
و"الفساد – الإصلاح"، و"التفاوض- الممانعة"، "العقلاني
والمتنور- الغيبي والظلامي"، و"رايات خضراء – رايات صفراء"، أجندات
إيرانية – أجندات أمريكية، إقصاء – مشاركة، وناضجون سياسيا- متخبطون، ومشروع دولة –
مشروع أسلمة المجتمع، انقلابيون – صفويون،
مع أوسلو – ضد أوسلو، حكومة ربانية – حكومة أرضية، حكومة – رئاسة، تيار انقلابي –
تيار دموي.. لقد دفعت هذه الثنائيات نحو صراع حاد وانقسام ومحاولات إقصاء وتشويه
ورفض للآخر، وانعكست على شكل ازدواجية لشكل الخطاب السياسي والتمثيل ومنافسات من
أجل إثبات قدرة كل طرف على ضرب الطرف الآخر، والضرب هنا يحمل مجمل الجوانب إعلاميا
ثقافيا سياسيا والأخطر عسكريا وميدانيا، وهذا يعزز مقولة أن بنية اتفاق مكة تم التأسيس
لها وفق مبدأ المحاصصة، وهذا المبدأ سينتج مزيدا من الانقسام والتصادم الداخلي (الذي
يأخذ مستويات مختلفة بين التيارين) لإثبات المكانة والقوة والنفوذ داخل المجتمع
عبر محاولة كل طرف تأكيد حضوره الجماهيري في الشوارع، والمؤسسات، بل يطال الصراع
كل زقاق وحي ومنزل وأسرة، صراع محموم لإثبات تمثيل كل طرف لأكبر قطاعات المجتمع
عبر انتخابات مجالس الطلبة والنقابات والجمعيات والمؤسسات والاتحادات، وصولا إلى
صراع طال كل المقدسات "بالتخوين والتكفير والإقصاء والاستبعاد"، وهذه
الثنائية ساهمت على نحو سلبي بخلق منافسة وتقاطب وتعميق الفجوات وتوتير الأجواء
والريبة وعدم الثقة وغياب مفاهيم التسامح، وشيوع التحريض والنزعة الاقصائية وتجريد
الآخر من الشرعيات وخصوصا الشرعية الوطنية التي تمنح عادة من جملة مصادر، أهمها
التاريخ النضالي والتضحيات، ومدى الالتفاف الجماهيري، واخذ شكل الانقسام في سيطرة
كل طرف على جملة من المؤسسات التي تعمل بشكل فاعل على تعزيز توجهاته، على حساب
الطرف الآخر.
(1) فحركة
فتح خلقت
جسدا بيروقراطيا مهولا عبر تعيينات لا حصر لها للكوادر الفتحاوية في مؤسسات السلطة
وأجهزتها الأمنية ومؤسسات منظمة التحرير ودوائرها( التبرير يكمن برفض الآخرين
للمشاركة لرفضهم أوسلو) ولعبت الصحف والتلفزيون والراديو الرسميين وبعض المواقع
الالكترونية دورا بارزا في الترويج لهذا القطب، وتعزيز مكانته " كحامي
للمشروع الوطني الفلسطيني" وللقرار الوطني الفلسطيني المستقل.
(2) في حين أن حركة حماس سيطرت على شبكة واسعة من
الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة، وسيطرة على مؤسسات" تتخذ أشكالا تعبوية دعوية
محورها المسجد والمؤسسات والمنابر الاجتماعية المختلفة"وصحف وراديو محلي
ومواقع الكترونية كلها كانت في خدمة التوجهات الهجومية على السلطة القائمة
باعتبارها سلطة فساد، وتنازل، وفشل في إدارة حياة الناس، وبدت حماس كتيار إسلامي
أكثر تمسكا بالديمقراطية "باعتبارها الطريقة الوحيدة الممكنة للوصول
للسلطة".
و في حين بدت فتح أكثر تمسكا بحياة الناس
وتلبية احتياجاتهم اليومية، وان الديمقراطية والانتخابات ونتائجها ليست نهاية
المطاف.
هناك تحليلات ساذجة ترى بأن فتح لم تقتنع
أنها خارج السلطة، وان حماس لم تقتنع كذلك بأنها أصبحت بالسلطة، وهذا تحليل تبسيطي
لغوي أكثر منه تحليلا واقعيا، الحقيقة المرة والمؤلمة ان كلا الحركتين لا تؤمنان
بالشراكة الحقيقية، من وجهة نظر حماس هي فقط وببرنامجها يمكن قيادة السفينة
الفلسطينية، أما وجهة نظر فتح فترى أنها الأقدر على قراءة الواقع والموازين في
العالم، وعلى كل الأحوال كلا الحركتين لا تعلنان رسميا رفض منطق ومبدأ الشراكة
ولكن في الأعماق هناك عدم رغبة حقيقية للمشاركة، بل ورفض.
والأخطر في هذه الثنائية الاستقطابية هو تراجع
مكانة التعددية السياسية، فبقصد أو بدون قصد تم تهميش باقي التوجهات والقوى الأخرى،
وهذه الثنائية احتكرت قرار السلطة والمعارضة في آن واحد، فقوى اليسار
والديمقراطيين والمستقلين والعلمانيين، وجدوا أنفسهم خارج اللعبة أو على الهوامش، وفي
أحسن تقدير تم منح بعضهم فتات التعيينات والوظائف على نحو محدود لم يرتق لمواقع
التأثير في صنع القرار السلطوي.
إن هذه الوضعية أوجدت خللاً
بنيويا في بنية الحقل السياسي الفلسطيني، الذي فرض انسدادا لا بد من التغلب عليه إذا
أريد لحياة سياسية ديمقراطية أن تتمخض عن مشاركة سياسية حقيقية.
الثنائية والتربية الحزبية
والتنظيمية الصارمة:
لم تأت مقولات هذه الثنائية
من فراغ ولم تهبط فجأة من السماء، هي نتيجة حتمية لتربية حزبية وتنظيمية امتدت
لسنوات.
(1)
منذ عشرات السنوات والأخوان المسلمين وحماس لاحقا يربون
جمهورهم وعناصرهم على أنهم الصفوة المؤمنة، وغيرهم مشكوك في دينهم، فهم أحيانا
ضعاف إيمان أو منافقين أو كفار أو على أقل تقدير لم يرتقوا لمرتبة الصفوة، وساعد
هذه التربية الانغلاق الحاد الذي عاشته الحركة الإسلامية في سنوات سابقة عن
المجتمع، وطوال هذه السنوات كانت تتم التعبئة أن السلطة هي سلطة عملاء وجواسيس،
وان القائمين عليها فاسدين مرتشين بدون أخلاق، وأنهم أفسدوا المجتمع عبر نشر
العديد من المظاهر التي تمثل من وجهة نظرهم كجماعة كفرا وزندقة وانحلالا، وكان
ينظر عبر هذه التربية للأجهزة الأمنية فقط على أنها وسيلة لخدمة امن إسرائيل عبر
ضرب من يعارضون عملية السلام، وهنا تساق مجموعة ضخمة من الأحاديث والروايات حول تعذيب
الأجهزة الأمنية لهم. وحماس دفعت عبر تربيتها وإعلامها وجهاز نشرها للأخبار
والمعلومات إلى تعزيز نظريتها حول التاريخ النضالي الفلسطيني، بأنه تاريخ ابتدأ
منذ تأسيس حركة حماس فقط، وقبلها الثورة الفلسطينية مشوهه، بل يتم التغافل عن
تاريخ طويل من النضال الفدائي والعسكري والسياسي والثقافي الذي قادته منظمة
التحرير من أواسط القرن الماضي، بل حماس تنظر باستخفاف لهذا التاريخ وتعتبر انه هو
الذي أوصل القضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه من ضعف ووهن.
(2)
فتح تاريخيا ربت أعضاءها على أن حركة الأخوان المسلمين هي
حركة ذات ارتباطات إقليمية وليس لها بعد وطني، فهي تتبع للمركز في عمان أو القاهرة،
وكذلك تم النظر لحركة حماس باعتبارها حركة ما كان لها أن تظهر للعلن لولا مساعدة
رابين الذي شجع على قيامها لضرب منظمة التحرير، وتربية فتح ترى في حماس كحركة
دعوية لا تؤمن بالكفاح المسلح، وتبنيها للعمليات الاستشهادية هي عملية مرحلية فقط،
وهم مجموعات من الذي يريدون أن يرجعوا المجتمع والإنسان إلى حالة بدائية بعيدا عن
أي تصور علمي وواقعي، وحماس بنظرهم هي حركة تسعى فقط للوصول للسلطة، وهي لم تقم
بعملياتها داخل إسرائيل من أجل تحرير فلسطين وإنما من أجل إفشال حركة فتح وتجربتها
في الحكم، ويزيدون بان العمليات الاستشهادية وقتل المدنيين الإسرائيليين قد أضرت
بصورة القضية الفلسطينية التي تعتمد على قوة عدالتها، وترى فتح في تربيتها اتجاه
حماس بان حماس وتجربتها داخل السلطة لم تخلق أي حالة جديدة بل على العكس لم يطرحوا
أي برامج حقيقية ولم يأتوا بما قالوا أنها برامج جاهزة، بل ترى فتح أن الكثير من
الانتقادات التي كانت توجهها حماس لسلطة فتح عادت ومارستها هي نفسها فهي قامت
بعمليات إقصاء ممنهج للكوادر الوظيفية الفتحاوية، وقامت بإحلال وظيفي للآلاف من
الموظفين، وظهرت في فترة ولاية حماس مظاهر لم يشهدها المجتمع الفلسطيني من قبل
كالقتل والإعدام في الشوارع وحرق المحلات التجارية وتخويف الناس والصحفيين.
في كل الأحوال ليس الوضع التربوي داخل التنظيمات
بهذا السوء فقط، بل أن هناك أعداد مهمة من كلتا الحركتين يؤمنون بالشراكة، لكن هذه
الأعداد ليست متنفذة وليست صاحبة القرار الفعلي، هو أقرب إلى منظرين بعيدين عن
الميدان ومن يتحكم به، الميدان داخل الحركتين يقاد من قبل فاعلين كان لهم أثر كبير
في مقاومة الاحتلال في مراحل سابقة، ولكنهم الآن يضعون كل قدراتهم في تدمير الآخر
الفلسطيني، ما يحدث في شوارع غزة يؤكد أن هناك نوعين من الإرادة داخل مجتمعنا
وتنظيماتنا، هناك إرادة البناء، ولكن هناك إرادة لا تقل عنها مكانةً وهي إرادة
الهدم، والهدم هنا للذات الفلسطينية بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
ضد الثنائية القاتلة
لا يمكن على الإطلاق الخروج من دائرة
الدم التي تغرق الأرض الفلسطينية يوميا إلا بإزالة أسبابها الحقيقية، وبالتالي
الخروج الحقيقي من هذه الثنائيات القاتلة التي ُيروج لها، والتي تقود للمهالك لا
محالة، والتأسيس لحالة خروج من هذه الثنائيات يتطلب عملا حقيقاً على مستويات
متعددة، ومعالجات مفاهيمية ونظرية وعملية وتطبيقية والتي يمكن أن يكون بعضها على
النحو التالي:
1- الاعتراف
بالآخر الفلسطيني: حماس قوة حقيقية جماهيرية على الأرض وكذلك فتح والجبهة الشعبية
والديمقراطية والحزب والمبادرة والعربية والجهاد، ولا يجوز أن يظل الاعتقاد بان من
حقق نتائج في الانتخابات الأخيرة أو من له عدد موظفين أكثر في مواقع صنع القرار هو
فقط من يملك مصادرة القرار الوطني الفلسطيني، القرار الفلسطيني يحتاج إلى شراكة
حقيقية، وهذه الشراكة لا تبنى عبر منطق المحاصصة بل أن المحاصصة تزيد من فرص
الاقتتال، لأن المحاصصة تزكي نار فرض الوقائع على الأرض بالقوة.
2- مراجعة
أدوات التربية الحزبية والتنظيمية: من يريد شراكة حقيقية ومستمرة ودائمة، وليس
شراكة كتكتيك، عليه أن يعيد النظر بوسائل تربيته المليئة بالمغالطات حول الآخر
الفلسطيني، لا يوجد قديسين وزنادقة، لا يوجد وطنيين ولحديين، لا يوجد مؤمنين
وكافرين، لا يوجد حريصين على فلسطين ومتاجرين بها، لا يوجد انقلابيين ودمويين.
3- الإعلام:
المطل على واقع وسائل الإعلام الحزبية والتنظيمية المقروءة والمسموعة والمرئية
والالكترونية والمنابر والاجتماعات يدرك حجم التحريض وحجم الهوة بين قطبي الثنائية
الفلسطينية، كيف نصدق أن هناك شراكة ووقف إطلاق نار والتحريض والتحشيد مستعر ويؤسس
للفواجع والنكسات.
4- قناعة
بان احد لا يمكن أن ينهي الآخر عسكريا: هناك اعتقاد وأوهام بان أحد قطبي الثنائية
يمكن أن ينهي الطرف الآخر، وهذا الاعتقاد يورث الموت والموت فقط بدون انتصارات، بل
يورث الخزي والعار والخجل وتوريث الأجيال دماء بدل توريثهم معاني البطولة
والانتماء والعزة. ولأصحاب نظرية الحسم بالقوة وفرض الأمر الواقع بالدم والدم فقط
نقول لهم باختصار ليراجعوا تاريخ الحروب الأهلية، ونتائجها، لينظروا إلى لبنان
وقبرص وكوسوفو والعراق والشيشان وأفغانستان، النتيجة الأكثر بروزا أن الدم لا يجلب
إلا الدم والثأر والخوف والتخلف وضياع الأمل.
5- التيار
الثالث: بما يحتويه من قوى كامنة، فصائل مغيبة ومستبعدة بقصد وبدون قصد، ومستقلين
ورجال أعمال ومجتمع أهلي بما يحتويه من مؤسسات وبنى وهياكل، آن الأوان أن يخرج
التيار الثالث كقوة حاسمة، أمام طغيان الثنائية، وكعنصر فاعل في صياغة مجمل شروط
الحياة والوجود على الأرض الفلسطينية.
باحث فلسطيني – رام الله
12/06/2007
This e-mail address is being protected from spam bots, you need JavaScript enabled to view it
|