شكلت لحظات إعدام صدام حسين مشهدا تراجيديا مثيرا إلى أبعد الحدود، كان
مشهدا مثقلا بالإيماءات والرموز والرسائل من حيث الزمان والمكان والشهود.
لقد صعد الرجل إلى منصة النهاية متماسكا رابط الجأش، وكأنه يرسم بداية
المواجهة، ويلقي خطاب التحدي الأخير...
ومن حوله، من الشهود الصغار والكبار، علت هتافات الاستفزاز والإهانة،
فجابهها بصلابة ووضوح، الأمر الذي يمهد لإعادة خلط الأوراق في العراق وفي المنطقة
بصورة مذهلة.
هكذا ذهب صدام بذاته وخصومه إلى حيث أراد، فتخطت عملية الإعدام حدودها
لتتحول إلى معضلة كبرى لمن أرادوها عقوبة تأديب... في اللحظات
الأخيرة
بالتأكيد لم تكن عملية تسريب ما جرى على منصة الإعدام في اللحظات الأخيرة،
عبر هاتف محمول وبالصوت وبالصورة مجرد صدفة، أو مجرد نزعة فضولية من قبل شاهد عابث
أو ساذج.
فلا أحد يمكن أن يصدق أن هذا التسريب الذي انتشر في وسائل الإعلام وعلى
شبكات الإنترنت قد جرى في غفلة عن العيون الأمريكية اليقظة.
على الأقل هذا ما تؤكده مشاهد الإعدام في عشرات الأفلام الأمريكية التجارية
بحق مجرمين عاديين، فما بالنا ونحن أمام إعدام رجل بوزن وهيبة صدام حسين الذي شغل
تاريخ العراق والمنطقة لأكثر من ثلث قرن، وكان دائما عاملا فاعلا في صياغة
المعادلات... سلبا أو إيجابيا.
ليس صدفة أن تمر الهواتف المحمولة لتصل إلى منصة الإعدام، وليس صدفة حضور
الذين شهدوا العملية، كما ليس صدفة حمقاء أن ينفذ الإعدام بحق شخصية من طراز صدام
حسين في أول أيام عيد الأضحى المبارك، أكثر الأعياد أهمية عند المسلمين، وليس صدفة
أن يتم ذلك عند الساعة السادسة صباحا وأكثر من مليار مسلم يؤدون صلاة العيد في
المساجد، وليس صدفة تسجيل وتعميم الهتافات الطائفية الحاقدة ( مقتدى، مقتدى..) في إشارة إلى مقتدى الصدر وما ترافق مع ذلك من استفزاز وإهانة، كما ليس
صدفة أن تسرب وسائل الإعلام الأمريكية في اليوم التالي: أنها طلبت من المالكي(
رئيس الوزراء العراقي) تأجيل عملية
الإعدام لمدة أسبوعين ولكنه رفض، مصرا على أن عملية الإعدام هي قرار عراقي مئة
بالمائة!!!
وأيضا ليس خارج السياق ما بثته الجزيرة يوم 3/1/2007 من أن هناك شخصيتان عراقيتان كبيرتان حضرتا عملية الإعدام( هناك من يشير إلى مقتدى الصدر، وعبد العزيز الحكيم).
إذن كل هذه الملابسات المنسقة هي أكثر رمزية وخطورة مما يتوهم البعض، إنها
تعكس إعدادا دقيقا بهدف توظيف عملية الإعدام لأغراض سياسية في غاية الأهمية
والخطورة.
مع تفاعل ردود الفعل في الداخل العراقي، وفي العالم العربي، والمحيط
الإسلامي، وعلى المستوى العالمي حول ما جرى وما أثارته مشاهد الإعدام وما أحاط بها
من مناخ استفزازي من انفعالات، يحاول البعض الآن التراجع أو التنصل أو تبرير
موقفه، إلا أن ذلك لم يعد يجدي نفعا.
ومع أن جميع الأطراف كانت تدرك هول ما يجري في العراق، فشل المشروع
الأمريكي وانفجار العنف الطائفي وتصاعد وتيرة المقاومة، رغم كل ذلك مضوا في تنفيذ
مشهد الإعدام التراجيدي إلى نهايته بكل رعونة، وكأن العراق ليس فيه ما يكفيه ليضاف
إلى نيران الحرب المشتعلة تعقيدا جديدا من وزن تداعيات ورمزية إعدام صدام حسين
بهذه الصورة المأساوية.
والآن، ما دام كل هذا ليس صدفة، إذن ماذا يكمن وراء هذا الإخراج المحكم
لفصل إعدام صدام التراجيدي؟!
إدارة بوش وهي تغوص في رمال العراق، وبعد أن ناهزت خسائرها أكثر من 3000 جندي أمريكي، وبعد أن فشلت في محاصرة إيران ووضع حد لطموحاتها النووية
وتحولها إلى لاعب إقليمي فاعل في المنطقة، ومع محدودية الخيارات المتاحة لمواجهة
هذه الاندفاعة الإيرانية.
بعد كل هذا فإن الإستراتيجية الأمريكية باتت على قناعة أن الخيار الأفضل في
ظل هذا الواقع هو دفع إيران إلى زاوية الصدام وتوريطها مع أغلبية محيطها العربي
والإسلامي السني من خلال تصعيد عملية الاستقطاب الطائفي في المنطقة إلى أبعد
الحدود.
ولتحقيق هذا الهدف ليس هناك أفضل من تحميل إيران وحلفائها الطائفيون الصغار
في العراق( المالكي، الحكيم، ومقتدى الصدر) دم صدام حسين
لاستنفار الأطياف السنية والقومية على مختلف ألوانها لمواجهة إيران وعزلها، وللأسف
الشديد سقطت طهران في المصيدة وعلى ما يبدو أنها ابتلعت الطعم بسذاجة.
أما حزب الله الذي تخطى في حربه الأخيرة مع إسرائيل زواريب الطائفية، وتحول
إلى رمز ونموذج يستقطب ليس فقط الشيعة وإنما أيضا الشارع السني والمسيحي وكل من
يؤمن بخيار المقاومة، بمعزل عن عقيدته وأيديولوجيته وانتمائه السياسي. لقد وجد حزب الله نفسه يترنح مرتبكا في مقارباته لمعادلات الصراع على
الجبهة العراقية، حيث التباس، وغموض مواقفه وخطابه السياسي أخذ يدفع به وبانجازاته
إلى محرقة العراق الطائفية...
... فمواقف حزب
الله الملتبسة تجاه الأداء الطائفي الحاقد من قبل جماعة عبد العزيز الحكيم ومقتدى
الصدر، والسكوت على الدور الإيراني الثأري في العراق...
كل ذلك يفقد حزب الله بريقه ومكانته كنموذج باهر للمقاومة، فلا يمكن أن
تكون ضد الطائفية في لبنان، وتدعم أو تتبنى أو تتغاضى عن الطائفية في العراق..
كما لا يمكن أن تكون عروبيا وقوميا في لبنان، وتسكت أو تتغاضى عن الدور
الإيراني المراوغ والهابط في العراق.
وفي النهاية ليس صدفة أن من ابتهج لإعدام رمز من رموز التجربة القومية
والممانعة هي الولايات المتحدة، إسرائيل، وإيران ومن يدور في فلكها...!
نقول ذلك بعيدا عن تقييمنا لصدام وأدائه عبر دوره في تاريخ المنطقة المعاصر
سواء على المستوى الداخلي أو القومي.
فالمعادلات الآن أكثر خطورة وشمولية من الوقوف عند معادلة "صدام الدكتاتور"، فمن من زعماء العالم الثالث عموما والعالم العربي خصوصا ليس ديكتاتوريا؟
فلماذا صدام فقط؟!
إذن، الأيام القادمة ستكون حبلى بتداعيات إعدام صدام الذي تحول إلى رمز في
نظر مئات الملايين من العرب والمسلمين؟...
وأهم تلك التداعيات هو إشغال المنطقة بحالة استقطاب طائفي بشع... ستكون إيران وحزب الله أول من يدفع أثمانها...
لقد نجح المخرج الأمريكي في تحميل دم صدام بكل رمزيته لإيران وحلفائها
الطائفيون الصغار، وما عليهم الآن
إلا انتظار فيض الغضب العارم ولكن مع شحنة هائلة من الرمزية والاستقطاب... وما كان للبعض أن يسقط في هذه المصيدة، لولا أن السياسة تدار أحيانا بنذالة
وبمنطق ثأري ضيق هو أبعد ما يكون من معادلات الصراع وأبعاده الثقافية والأخلاقية
والتاريخية الكبرى.