aic_header_logo
Home arrow News arrow arabic arrow أحداث غزة:
أحداث غزة: Print E-mail
Wednesday, 20 June 2007
Tag it:
Delicious
NewsVine
Reddit
YahooMyWeb
Technorati
Digg

أحداث غزة:

من المأساة... إلى الملهاة... إلى الأفق المسدود!

 

                                                                                                      نصار إبراهيم   

مركز المعلومات البديلة

18– 6 – 2007   

 

 مع تطور الأحداث في قطاع غزة ووصولها إلى ما وصلت إليه، تكون المأساة الفلسطينية قد انتقلت إلى مستوى الملهاة!

  نعم قد يضحك البعض الآن من حالتنا، فقد أصبح للفلسطينيين دولتان:   

دولة "غزستان" أو "حماسستان" ودولة " ضفستان" أو " فتحستان"، وهناك من بدأ يتحدث عن حل " دولتان لشعب واحد" أو ثلاث دول لشعبين..!!

  من حق هؤلاء أن يضحكوا كثيرا على مأساتنا وهي تتحول إلى ملهاة بعد أن سال الدم الفلسطيني في شوارع غزة في غمرة اقتتال الإخوة الأعداء.

  لكن، وبالرغم من كل النتائج التي ترتبت على المواجهات الدامية في غزة، وما أسفرت عنه من تمزق عنيف في النسيج السياسي الفلسطيني، وما أثارته من انعكاسات على المستوى الاجتماعي والمعنوي، تبقى الأسئلة الحائرة والكبرى تبحث عن إجابات:

  لماذا وكيف وصلت الامور إلى هذا المستوى؟ ومن هو المسؤول عن دفع المجتمع الفلسطيني إلى هاوية الإقتتال الداخلي؟ وما هي الأسباب التي حولت مأساتنا إلى ملهاة؟! وأخيرا ما هي الخيارات أمام الأطراف المختلفة؟.

  التعامل مع هذه الأسئلة بمنطق علمي دقيق يحتاج إلى مراجعة تعيد الأمور إلى بداياتها حتى لا تتحول القراءة والتقييم إلى عملية ساذجة وسطحية، وكأن تلك الأحداث الدامية هي بنت اللحظة وبدون أية مقدمات، الأمر الذي يتناقض جذريا مع المنطق الذي يفرضه تحليل أي حدث سياسي اجتماعي.

  الإلتزام بشروط القراءة العلمية للأحداث سيحمي التحليل من التسرع والاستنتاجات الخاطئة، كما يوفر لنا الفرصة لرؤيتها في سياقاتها التاريخية، السياسية، الاجتماعية، ويكشف عمق المأزق وفشل الاستراتيجيات أو المبالغة في الرهانات على  الأوهام وسراب الخيارات البائسة.

  هذه المنهجية في رؤية الأحداث ستجبرنا على العودة للأسباب التي أوصلت التناقضات في الساحة الفلسطينية لما وصلت إليه كي لا نقع في وهم تفسير الاقتتال الدامي الذي عصف في قطاع غزة وكأنه مجرد ردود أفعال آنية، بينما هو في حقيقة الأمر انعكاس للصراع المتنامي  بين رؤى وخيارات تحملها القوى السياسية المتناحرة بغض النظر عن الخطاب السياسي لكل منها  وتبرير لجوئها للسلاح  باعتباره دفاعا عن المصلحة الوطنية الفلسطينية، وكأن المصلحة الوطنية لن تتحقق إلا إذا سال الدم الفلسطيني ولكن بأيد فلسطينية.

 

في الأسباب:

   إذن وحتى لا تضيع الحقيقة، يجب العودة للمقدمات، فالاقتتال لم يجر في جزيرة معزولة، بل هونتاج صيرورات وسياقات وبيئة سياسية شكلت الحاضنة لتغذية التناقضات بين حركة فتح وحركة حماس وصولا إلى لحظة الصدام، وتتجلى هذه البيئة في فشل استراتيجيات الحل السياسي وفق المشروع الأمريكي - الإسرائيلي، تلك الإستراتيجيات التي برعت في إضاعة الفرص، وبقيت تصر على أن السلام الممكن هو فقط ذلك السلام المنسجم بالكامل مع اشتراطات الحلف الإسرائيلي - الأمريكي ...

من هنا يمكن إدراك السبب وراء إصرار النخب السياسية الإسرائيلية على استخدام مقولة عدم وجود شريك فلسطيني لصنع السلام وتعميمها في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي..

  فمنذ هزيمة العام 1967 وإسرائيل ترفض الإلتزام بقرارات الشرعية الدولية والقرارين 242، 338، كما رفضت الفرصة التي قدمها ياسر عرفات في خطابه الشهير في الأمم المتحدة عام 1974، عندما قال:" لقد جئتكم وأنا أحمل غصن الزيتون بيد والبندقية باليد الأخرى، فلا تدعوا غصن الزيتون يسقط من يدي" ومع ذلك واصلت إسرائيل رفضها وغطرستها...

  ثم جاءت الانتفاضة الأولى وصولا إلى مؤتمر مدريد، حيث أبدى الفلسطينيون الاستعداد للسلام وتقديم التنازلات الصعبة، غير أن إسرائيل لم تر في اتفاقات أوسلو سوى أداة ووسيلة لمواصلة سيطرتها واحتلالها بصورة جديدة، وبالرغم من توقيع تلك الاتفاقات إلا أن الفلسطينيين وجدوا أنفسهم يعيشون في ظل واقع يزداد بؤسا: مصادرة الأراضي ،بناء المستوطنات وتوسيعها، الفقر،البطالة، الحواجز والإذلال، التمزيق الديمغرافي، تحويل المدن الفلسطينية إلى بانتوستانات محاصرة.

  ومع ذلك، استمرت إسرائيل وعند كل أزمة تواجهها العملية السياسية تلقي بالمسؤولية على الجانب الفلسطيني فدائما" ليس هناك شريك فلسطيني للسلام " ثم جاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية كحالة تمرد ورفض وتعبير عن اليأس والإحباط الذي وصل إليه الشعب الفلسطيني، إلا أن إسرائيل واصلت ذات المعزوفة ومقابل التنازلات السياسية والتاريخية التي قدمها الفلسطينيون صعّدت من درجة تعنتها وبدعم مباشر من الولايات المتحدة، في ضوء هذه السياسة جرى وصف عرفات بأنه عقبة في طريق السلام وفرض عليه الحصار الشامل حتى لحظة رحيله، ثم جاء محمود عباس، ومع ذلك واصل الحلف الأمريكي الإسرائيلي سياسته الحمقاء، ولم يتمكن محمود عباس بالرغم من كل مرونته وواقعيته من إقناع إسرائيل بأنه شريك مناسب.

  التفسير المنطقي لهذه السياسة هو أن المعايير والشروط التي حددتها إسرائيل لأي شريك فلسطيني يمكن القبول به تتمثل في ضرورة رضوخه وإستسلامه المسبق والكامل للأجندة والشروط الإسرائيلية.

  لقد وضعت هذه السياسة جميع مشاريع التسوية المطروحة أمام طريق مسدود، وفي ضوء ذلك وجد الطرف الفلسطيني، الذي أبدى استعدادا عاليا للتعامل بمرونة وواقعية مع تلك المشاريع، أن المطلوب منه ليس أقل من الأستسلام والقبول بدور الأداة التي تنحصر مهمتها في تنفيذ الإملاءات الإسرائيلية.

  لم تدرك إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة أن حدود التنازلات الفلسطينية تبقى، في كل الأحوال، محكومة بمجموعة من الخطوط الحمراء التي يعني أي تجاوز لها من قبل أي قوة سياسية أو قيادة فلسطينية فقدان تلك القيادة لشرعيتها وهيبتها، الأمر الذي سيضعها في حالة تناقض طاحنة مع غالبية الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والاجتماعية.

  هذه الصيرورة والإستراتيجيات الأمريكية الفاشلة وضعت حركة فتح والرئيس الراحل عرفات ولاحقا محمود عباس أمام جدار مسدود، وبهذا أصبحت الطريق ممهدة لصعود حركة حماس التي راكمت قوتها وعززت من دورها مستندة في ذلك إلى فشل مشاريع التسوية وعبثية التنازلات التي قدمتها حركة فتح دون الوصول إلى السلام.

ما تقدم ينقلنا إلى السبب الثاني في حركة التناقضات.

  لقد وجدت حركة حماس فرصتها في فشل مشروع التسوية الذي استند إلى اتفاقات أوسلو وغيرها من المبادرات التي طرحت منذ مؤتمر مدريد عام 1990، يضاف لذلك حالة الفساد التي رافقت تجربة فتح أثناء هيمنتها على السلطة الفلسطينية، في ضوء هذه النتائج بدأت حركة حماس تطرح نفسها باعتبارها البديل والمدافع المخلص عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.

هذا الحراك السياسي الاجتماعي هو الذي يفسر الإنتصار الحاسم الذي حققته حماس في الإنتخابات التشريعية  والمجالس البلدية الفلسطينية التي جرت عام 2006 ، فما جرى في تلك الانتخابات هو انعكاس لتراكمات ممتدة في السنوات السابقة وليس مجرد رد فعل لحظي مقطوع الجذور.

ترتب على نتائج الانتخابات جملة من الحقائق الأساسية:

 

* سيطرة حركة حماس على غالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني وعلى غالبية المجالس البلدية في كبريات المدن الفلسطينية في الضفة والقطاع.

 

* فقدان حركة فتح، ولأول مرة، لهيمنتها المطلقة على مؤسسات السلطة الفلسطينية، الأمر الذي وضع الواقع السياسي والاجتماعي الفلسطيني أمام عملية تفكيك وإعادة تركيب جذرية تحدث لأول مرة بهذا العمق.

 

* دفع جميع القوى السياسية الديمقراطية الفلسطينية(الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، حزب الشعب) إلى الهامش وذلك في ضوء النتائج الهزيلة التي حققتها في الانتخابات، الأمر الذي أفقد المجتمع الفلسطيني الدور الذي يمكن أن تلعبه تلك القوى لضبط التناقض المتصاعد بين القطبين المتناحرين سياسيا واجتماعيا.

 

* وصول حالة الاستقطاب في المجتمع الفلسطيني إلى حالة غير مسبوقة، حيث تمحور الصراع بين فتح وحماس، فيما بقية القوى السياسية والاجتماعية المكونة للنسيج السياسي والاجتماعي الفلسطيني تم إقصاؤها وجرى التعامل معها وكأنها لم تعد موجودة.

 

* إعلان الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل ومعظم الدول العربية مقاطعتها لحركة حماس، كما تم فرض الحصار الاقتصادي على الشعب الفلسطيني الأمر الذي رأت فيه غالبية الفلسطينيين عقابا جماعيا لهم بسبب خيارهم الديمقراطي.

 

  في ضوء هذا التطورات، تبلورت معالم وشروط نشوء ظاهرة إزدواجية السلطة على المسرح السياسي والاجتماعي الفلسطيني، فمن جهة تسيطر حركة حماس على غالبية المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني وعلى غالبية المجالس البلدية في أهم المدن في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما حركة فتح تسيطر على مؤسسة الرئاسة والأجهزة الأمنية ومؤسسات السلطة الفلسطينية المدنية { الوزارات المختلفة}.

  هذا الواقع الناشئ أخذ يغذي بصورة متسارعة الصراع على السلطة، حيث واصلت حركة فتح التصرف وكأنها لم تفقد هيمنتها، مستندة في ذلك إلى سيطرتها على الأجهزة الأمنية { أمن الرئاسة، الأمن الوطني، المخابرات، الأمن الوقائي} وفي ذات الوقت أخذت تصعّد ضغوطها الميدانية ضد حماس {الإضرابات والمظاهرات تحت عنوان دفع رواتب الموظفين}.

  مقابل ذلك بدأت حماس ترى أن من حقها أن يتوازن دورها في مؤسسات السلطة وأجهزتها الأمنية مع فوزها الإنتخابي الساحق... وهكذا أخذت تسعى لتعزيز شرعيتها الإنتخابية بشرعية أمنية، ولهذا بادرت في قطاع غزة إلى تشكيل القوة التنفيذية ... وبهذا تكون قد تأسست وبصورة متسارعة شروط الصدام الحتمي على السلطة بين القطبين المتناحرين.

  فحركة فتح، ورغم هزيمتها، لم تعترف في العمق بسلطة حماس، وحماس، رغم فوزها، لم تستطع أن تمارس سلطتها كما كانت تحلم، ترافق كل ذلك مع حملات تحريض وتعبئة متواصلة: حيث تتهم حركة فتح حماس بأنها تحمل أجندة دينية متطرفة وترتبط بمرجعيات خارجية وبأنها لا تملك مشروعا سياسيا واقعيا، فيما حركة حماس تتهم حركة فتح بأنها تنفذ أجندة سياسية أمريكية وتغذي ظواهر الفساد في المجتمع الفلسطيني.

  إذن، فشل الإستراتيجيات السياسية الأمريكية في التعامل مع الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وتبنيها المطلق للرؤية والشروط والخطاب الإسرائيلي، إلى جانب فرض الحصار الاقتصادي والسياسي ضد الشعب الفلسطيني من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي وبتواطؤ عربي الأمر الذي تعامل معه الفلسطينيون باعتباره عقابا لهم على خيارهم الديمقراطي، بالإضافة إلى استمرار سياسات الاحتلال الإسرائيلي{ الإغلاق، الإغتيالات، الإعتقالات، الندمير، الإستيطان، وبناء جدران الفصل، واجتياح المدن والقرى...}، كل هذا أدى إلى نشوء ظاهرة إزدواجية السلطة في الواقع السياسي الفلسطيني وهيأ البيئة الطبيعية لإشعال فتيل الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني في قطاع غزة، فكان ما كان... وانتهت المواجهات إلى سيطرة حركة حماس على القطاع... ثم تتالت الأحداث متسارعة، فأعلن محمود عباس حل حكومة الوحدة الوطنية، واعتبر القوة التنفيذية التي شكلتها حماس في القطاع غير قانونية، ووصف ما قامت به حماس بالإنقلاب على الشرعية.

وفي ذات الوقت قام بتكليف سلام فياض بتشكيل حكومة الطوارئ التي أقسمت اليمين الدستورية أما الرئيس أبو مازن يوم 17/6/2006.

وبهذا أصبحنا الآن أمام حقائق وواقع جديد شديد التداخل والتعقيد في الساحة الفلسطينية.

 

قراءة في المشهد الجديد:

 

 يخطئ كثيرا من يتوهم أن الأمور ستتجه نحو الحسم النهائي، بل على العكس من ذلك، إذ أن صيرورة الأحداث وردود الأفعال التي رافقتها، والتي تفتقد إلى المنطق والحكمة، ستدفع بالواقع الفلسطيني والمشاريع السياسية برمتها إلى متاهة جديدة من الضياع والإرباك.

  نعم، لقد سيطرت حركة حماس على قطاع غزة، ورفرفت أعلامها على كل المواقع... وماذا بعد؟! وماهي الخطوات التالية؟؟

  نعم، لقد تم الإعلان عن تشكيل حكومة الطوارئ في الضفة الغربية، جيد... وماذا بعد؟؟

  نعم، لقد نحجت إسرائيل والولايات المتحدة في دفع الشعب الفلسطيني وقواه السياسية إلى الاقتتال والتمزق، والدخول في دائرة الفوضى الخلاقة... حسنا... وماذا بعد؟؟

  في الحقيقة، لقد دخل الجميع كرها أو طوعا إلى دائرة جديدة من الصراع ستكون أكثر تشابكا وتداخلا، ويخطئ في العمق من يعتقد أنه قد كسب الجولة بالضربة القاضية، سواء كانت هذه الضربة عسكرية أو سياسية.     

فذات الاسئلة والتحديات والخيارات الصعبة لا تزال تحيط بالجميع.

  فرغم سيطرة حركة حماس على قطاع غزة إلا أنها تبقى تدور ضمن محددات الصراع وموازين القوى التي تحكمه موضوعيا وذاتيا، وبهذا فإنها لن تتمكن من إجتياز عنق زجاجة الواقع الفلسطيني المحتدم بالتحديات السياسية/ الاقتصادية/ الاجتماعية والأمنية... وفي ضوء ذلك لن يكون كافيا إحكام القبضة على قطاع غزة، والتمسك بشرعية حكومة الوحدة الوطنية المقالة، ورفض الاعتراف بحكومة سلام فياض.

  في نهاية الأمر عليها أن تقدم رؤيتها ومشروعها وبما يتجاوز حدود قطاع غزة، وعليها أن تبحث عن حل ورؤية سياسية تسمح لها بتخطي جدران الغيتو الذي يحيط بها..

  فهل كانت تدرك حركة حماس عمق المأزق الذي حشرت نفسها فيه، أم أنها ذهبت إلى المصيدة برجليها لتجد نفسها محاصرة سياسيا، اقتصاديا، وديبلوماسيا... وبالتالي كيف ستتصرف، وما هي الخيارات المتاحة أمامها للخروج من هذه المصيدة بأقل الخسائر..؟!

  أما حركة فتح والرئيس محمود عباس، فإنهم ليسوا في حال أفضل، فهامش الحركة سيبقى محدودا أمامهم.. فإعلان حكومة الطوارئ بقدر ما شكل نوعا من رد الفعل، فإنه سيخفق في التعامل مع لوحة التناقضات الفلسطينية المركبة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

وهنا لا تعود الكلمات والأوهام كافية من نوع: أن حكومة الطوارئ شرعية، وأنها تمثل عموم الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع... ففي نهاية الأمر ستواجه صخرة الواقع ... فكيف ستمارس عمليا تلك الحكومة سلطتها في قطاع غزة ؟

 

  إذن، تواجه حكومة سلام فياض سلسلة من التحديات الكبيرة:

 

  فأولا: هي مطالبة بإثبات وجودها وشرعيتها في قطاع غزة، وإلا سيتم التعامل معها باعتبارها حكومة لا يتعدى نطاق فعلها الضفة الغربية.

وثانيا: عليها أن تدرك أنها بدون حاضنة القوى السياسية ستواجه أسئلة صعبة على صعيد شرعيتها الوطنية، فهي في نهاية المطاف مجموعة من التكنوقراط والشخصيات المستقلة، إلاّ أن المهام التي تواجهها لا تقف حدودها عند المهام الإدارية والخدماتية وتوزيع الرواتب، فالقضية الفلسطينية قضية سياسية من الدرجة الأولى يستحيل معها فصل السياسة عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية.

وثالثا: إنها تواجه التحدي الأهم والأكثر خطورة، والذي يتمثل في قدرتها على تخطي مصيدة الكرم الأمريكي – الأوروبي - الإسرائيلي الذي انفتحت أبوابه من كل الإتجاهات، الأمر الذي لن تنظر إليه غالبية الشعب الفلسطيني ببراءة، بل إنها على العكس من ذلك ستنظر إليه بعين من الشك والريبة وباعتباره وسيلة للسيطرة السياسية على حكومة الطوارئ.

   لقد كانت مدهشة السرعة التي تحركت بها الإدارة الأمريكية وإسرائيل بإعلان دعمهما المطلق لحكومة سلام فياض ورفع الحصار الاقتصادي فورا وإعلان إسرائيل الإفراج عن أموال الضرائب المحجوزة لديها، لقد جرى كل ذلك منذ اللحظات الأولى على تكليف فياض بتشكيل الحكومة وحتى قبل أن تعلن تلك الحكومة برنامجها السياسي والاجتماعي.

  هذا الواقع سيشكل عنصر تهديد جدي وسيظهر حكومة الطوارئ وكأنها جاءت على ظهور دبابات الدعم المالي الأمريكي، الأوروبي، الإسرائيلي!! وقد تشكل هذه الحركة أو الخطوة المصيدة التي تسير نحوها حركة فتح بوعي أو بدونه، الأمر الذي سيفقدها القدرة على كسب وإقناع الشارع الفلسطيني بخيارها السياسي والاجتماعي، وبهذا ستبدو المعادلة في النهاية وكأن حكومة حماس تعاقب على تمسكها بخيار المقاومة والحقوق الوطنية، فيما حكومة الطوارئ تكافأ على استعدادها المسبق للتنازل عن تلك الحقوق.

 

بصدد الموقف الامريكي- الإسرائيلي:

ربما تعتقد الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما قد نجحتا أخيرا في قطف ثمار سياسة الفوضى الخلاقة والحصار والضغط العسكري، غير أنهما في واقع الحال يجب أن يدركا أن هذه السياسة ستقود الواقع الفلسطيني برمته إلى دائرة الانفجار الشامل الذي لن تقف حدود نيرانه عند الوضع الفلسطيني، حيث يرجح ( وقد أصبح ذلك واضحا تماما الآن) أن الولايات المتحدة وحلفاءها، وعبر احتضانهم المشبوه لحكومة الطوارئ، إنما يدفعون الأمور فلسطينيا نحو مزيد من الأزمات والصراع.

  وعلى الرغم من كل هذه المخاطر والمحاذير فمن المرجح أن الولايات المتحدة ستسعى في الاسابيع القادمة إلى إثبات صحة رؤيتها حول نجاح نموذجها السياسي الاقتصادي في الضفة الغربية عبر رفع الحصار وإغداق الاموال وتخفيف القيود على حركة الفلسطينييين، وذلك انطلاقا من قناعة مسبقة أساسها أن حكومة الطوارئ تندرج ضمن تيار الإعتدال والواقعية وبالتالي تنطبق عليها معايير الجودة الاميركية، فيما سيتم تشديد الحصار على قطاع غزة وحركة حماس باعتبارها تمثل التطرف والإرهاب.

  هكذا تبدو اللوحة والسيناريوهات المرسومة سلفا، ولكن هل ستسير الأمور وفق هذا المنطق وبتلك البساطة؟!

 

ماذا بعد؟!:

  نعم، قد تعتقد حركة حماس أنها قد حققت انتصارا مهما عبر سيطرتها على قطاع غزة، وقد ترى حركة فتح أنها قد نجحت في دفع حركة حماس إلى مصيدة غزة، وأن فتح قادرة الآن على تقديم نموذجها الناجح والمقبول دوليا في الضفة الغربية، وقد تبدو الولايات المتحدة بأنها نجحت في عزل حماس وتمزيق البنية السياسية الفلسطينية، وأنها نجحت أخيرا في تحقيق حالة من الفرز الجذري في الساحة الفلسطينية بين المعتدلين والمتطرفين.

إذن، ليعتقد كل طرف بما يشاء وبأنه حقق إنجازا أو انتصارا ما الأمر الذي سيؤمن له فرصة إحكام القبضة على مجمل حلقات سلسلة الواقع الفلسطيني.

  ومع ذلك، وبالرغم من كل ما جرى، يجب أن تدرك جميع الأطراف أن لوحة الواقع الفلسطيني قد أصبحت أكثر تعقيدا وهي أبعد مايكون عن الحسم بالضربة القاضية، ولهذا يجب الحذر من المبالغة في الرهانات والتوقعات، فالخيارات ستبقى محكومة بموازين القوى التي تفعل فعلها في هذا الواقع وما يطرحه من أسئلة سياسية واجتماعية كبرى.

  وبهذا المعنى، على حماس أن تدرك أن دورها الوطني لا تقف حدوده عند قطاع غزة، فهي مطالبة بتقديم الإجابات للشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، وبالتالي عليها أن تحدد خياراتها السياسية والاجتماعية بوضوح وبما يعكس إدراكها العقلاني لموازين القوى الموضوعية والذاتية التي تحكم مسرح الصراع، يضاف لذلك عليها ان تعي أيضا حدود قوتها، فحركة فتح ورغم خسارتها العسكرية في قطاع غزة إلا أنها تبقى قوة فاعلة ورقما صعبا ليس من السهل أو من الحكمة تجاوزه. كما أن ما قامت به حركة حماس في غزة يجب أن لا تنظر إليه من زاويتها فقط، إذ عليها أن ترى أيضا هول الصدمة التي أصابت الوعي والذاكرة الفلسطينية جراء الاقتتال الدامي الذي انخرطت فيه، حيث سيطال تأثير هذه الصدمة صورة حماس ودورها في العمق، فليس هناك وطني فلسطيني سيبرر أو ينسى أي قوة شاركت في هذه المجزرة التي انتهكت حرمة الدم والوعي الفلسطيني وأصابتهما في الصميم.

  فهل ستسعى  حركة حماس للبحث عن بعض الجسور أو بنائها إن لم تكن موجودة، لكي تؤمن لنفسها إمكانية الخروج من غيتوغزة، وهل ستعيد النظر في سلوكها وتقييمها لدورها لتعي في النهاية بأن ما حصلت عليه من نتائج في الانتخابات التشريعية والبلدية لا يعني بأنها القدر الوحيد للشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن عليها البحث عن مساحة لقاء مع الآخرين( حركة فتح، القوى الديمقراطية والوطنية الفلسطينية الاخرى)، ذلك لأن خيار الحوار والوحدة الوطنية على أساس برنامج الاجماع الوطني الفلسطيني يبقى هو الخيار الواقعي الممكن للخروج من دوائر الاقتتال والتمزق والقطع مع ثقافة نفي الآخر وإقصائه.

  أما حركة فتح، فعليها أن تدرك أن موازين القوى  في الواقع الفلسطيني قد تغيرت ولم يعد بالإمكان مواصلة سياسة الهيمنة وكأن شيئا لم يكن.

  وعليها أن تدرك أيضا أن إقدامها على تشكيل حكومة الطوارئ، وردود فعل  حركة حماس الهادئة (في الضفة الغربية)  على هذه الخطوة لايعني أن الأخيرة قد سلمت بالأمر الواقع، فهي أيضا أصبحت رقما صعبا ليس من السهولة أو الحكمة تجاوزه، كما أنها من الناحية الجماهيرية والعسكرية تشكل قوة كامنة تستطيع عند الضرورة تحريكها لإرباك المشاريع، ويخطيء من يبني حساباته على أساس أن حركة حماس لاتملك الفرصة للمقاومة في الضفة الغربية، إن مثل هذه الفرضية تعكس سذاجة في التحليل، كما أنها قد تقود الضفة الغربية بسبب سوء التقدير إلى دائرة الصراع التي سيكتوي الجميع بنيرانها.

  كما تواجه حركة فتح أيضا، استحقاق إعادة قراءة تجربتها وخياراتها وأن تنتبه لدورها ووظيفتها الوطنية حتى لا تدفعها ردود أفعالها في ضوء ما تعرضت له في قطاع غزة إلى مواقع وزوايا تضعها وتضع مشروعها السياسي تحت علامة استفهام في الشارع الفلسطيني، إذ أن وصولها لهذه الحالة سيجعلها تبدو وكأنها انتقلت لتلعب دور الأداة السياسية لتمرير الأجندة الأمريكية- الإسرائيلية.

  إذن، تقف حركة فتح أمام مفترق طرق، وبالتالي عليها أن تبحث بدورها عن مساحة لقاء مع الآخرين وبما يحفظ القضية الفلسطينية والمشروع التحرري الفلسطيني وثوابته السياسية والاجتماعية من التبديد والضياع، وهذا غير ممكن إلا إذا تم الإلتزام بأسس الوحدة الوطنية كخيار وحيد، والتخلي عن سياسة وثقافة الإقصاء والهيمنة.

 ولكن ماذا بشأن القوى الديمقراطية الفلسطينية ومؤسسات المجتمع الأهلي والمنظمات غير الحكومية التي تنتشر بالمئات في المجتمع الفلسطيني؟

 

  في ظل حالة الاستقطاب الحاد والصدام الدامي بين حركتي فتح وحماس،يبدو أن الغائب الأكبر عن مسرح الأحداث هي القوى الديمقراطية الفلسطينية( الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، حزب الشعب، حركة فدا، المبادرة الوطنية الفلسطينية) لقد أتت التطورات لتكشف مأساوية غياب القطب الديمقراطي الفلسطيني، فهو بضعفة وهشاشة دوره أضاع الفرصة،  حيث كان المطلوب منه أن يلعب دور القوة الفاعلة التي بإمكانها أن تضبط إيقاع التناقضات بين القطبين المتناحرين على السلطة، غير أن حالة التراجع التي تعيشها تلك القوى دفعتها إلى رصيف الأحداث، بالرغم من صحة وأخلاقية رؤيتها الاجتماعية والوطنية، إذ لايكفي عند وصول الأمور إلى حالة الاشتباك واللجوء للسلاح لحسم التناقضات الداخلية الاكتفاء بالنداءات والمناشدات، بل يجب حينها المبادرة في الميدان وقيادة الشارع في مواجهة جنون الاقتتال، إلا أن القدرة على لعب هذا الدور بحاجة لقوى تملك الدينامية والوزن الذي يؤهلها لفرض هذه المعادلة ووضع الطرفين المتناحرين عند حدودهما، وأهم شرط للنجاح في هذه المهمة يتمثل في توحيد القوى الديمقراطية وبلورة الخيار الديمقراطي سياسيا واجتماعيا كخيار فاعل يملك القدرة على التأثير وخوض الصراع وبناء حركة اجتماعية ضاغطة وعدم ترك المجتمع الفلسطيني والمشروع الوطني تحت رحمة التناحر وحرب الطوائف والزواريب بين حركتي فتح وحماس.

  وبذات المنطق يمكن محاكمة وتقييم دور وأداء ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني والمنظمات غير الحكومية التي دأبت باستمرار على تسويق نفسها وبرامجها باعتبارها حامية المجتمع الفلسطيني وخياراته الديمقراطية، إلا أنها كشفت عن حالة من العجز المريع وبرهنت عن هشاشة مرعبة عندما لم ترتق في أدائها وردود أفعالها إلى مستوى خطورة الأحداث التي عصفت بالمجتمع الفلسطيني منذ انتخابات المجلس التشريعي وصولا إلى هاوية الاقتتال.

 هذا الإخفاق يضع تلك المؤسسات والمنظمات والمراكز أمام أسئلة جدية من حيث دورها ووزنها وقدرتها على التأثير، الأمر الذي يجب أن يدفعها لإعادة تقييم برامجها ومشاريعها وبناها وعلاقاتها مع المجتمع الفلسطيني.

   أما الولايات المتحدة فإن إصرارها على مواصلة الرهان على الإستراتيجيات الخاطئة في هذه المنطقة عموما وعلى الصعيد الفلسطيني خصوصا سيقودها بالتأكيد من فشل إلى آخر، وبالتالي ستقع في ذات الخطأ للمرة الألف إذا ما اعتقدت أن الشعب الفلسطيني سيقبل وببساطة المساومة على حقوقه الوطنية مقابل رشوة اقتصادية.

  في ضوء ما تقدم فإن أي مشروع أو رهان سياسي يقوم على وضع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية في مواجهة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والقفز عن المحددات السياسية والإجتماعية التي تحكم الواقع الفلسطيني، أو يقوم  على وضع الشعب الفلسطيني وقواه السياسية بين خيار الإستسلام السياسي أو الحصار والتجويع سيكون مصيره الفشل حتما.

 ويخطيء من يعتقد أن الفلسيطنيين في الضفة الغربية سيقفون متفرجين فيما نصف الشعب الآخر في غزة يتعرض للحصار والتجويع.

  وإذا ما وصلت الأمور لهذه النقطة فسيتفاجأ الجميع من حدة وعمق ردود فعل الشارع الفلسطيني الذي لن يمنح الشرعية لأي طرف يحاول الدوس على حقوقه وكرامته ويمزق وحدته الوطنية والاجتماعية، وعند هذه المرحلة ستختلط الاوراق والمعادلات من جديد، وحينها ستكون جميع القوى السياسية أمام اختبار صعب: حركة حماس، حركة فتح، القوى الوطنية والديمقراطية.وبالتالي فإن أي طرف يخطئ في قراءة أو تقدير هذا الناظم سيكون أول من يدفع الثمن من شرعيته واحترامه ودوره ووحدته التنظيمية.

 

الخيار الممكن:

  في ضوء هذه المعادلات والتوازنات وأبعادها المباشرة وغير المباشرة ستجد القوى السياسية الفلسطينية نفسها، وخاصة حركتي فتح وحماس، أمام خيار واحد ووحيد: العودة إلى طاولة الحوار الوطني والاتفاق مع القوى الأخرى على أساس برنامج سياسي إجتماعي مشترك وبما يحفظ لكل طرف مكانته ودوره وبما يحمي ثوابت القضية الفلسطينية.

  الوجه الآخر لهذه الحقيقة، يتمثل في  استحالة نجاح أي قوة سياسية فلسطينية لوحدها في السيطرة على مصير الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

  لقد سقطت معادلات التفرد نهائيا، وأي خيار يقوم على الركض وراء الرهانات الخاطئة، من نوع امكانية حسم الصراع الداخلي عبر الاقتتال أو الإمعان في تمزيق الوطن والشعب الممزقين أصلا لن تكون نتيجته إلاّ الذهاب بالجميع نحو المزيد من البؤس والإحباط.

  هذا بالنسبة للقوى الفلسطينية، أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فقد آن الآوان لكي يتحلى هذا المجتمع بأطرافه المختلفة( الإتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، الأنظمة العربية، مؤسسات مجلس الأمن والأمم المتحدة، المنظمات والقوى والمؤسسات الديمقراطية والاجتماعية) بالجرأة والشجاعة لوقف الرهان على تبني الإملاءات الإسرائيلية، وأن يتخذ كافة الإجراءات والمواقف التي تفرض إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتطبيق قرارات الشرعية الدولية نصّا وروحا.

  هذا هو الخيار الممكن والواقعي لإنهار الصراع في الشرق الاوسط، أما الاستمرار في تأمين الغطاء لسياسات إسرائيل العدوانية واعتبار كل ما تقوم به هو مجرد دفاع عن النفس، ومواصلة الرهان على أن السلام الممكن هو الرضوخ  الكامل للمشروع الأمريكي- الإسرائيلي وشروطه، فإن ذلك لن يعني إلا نتيجة واحدة: دفع الجميع نحو دوائر الصراع الذي لا ينتهي.


 
< Prev   Next >
website statistics