aic_header_logo
Home arrow News arrow arabic arrow هل حققت "راند" اختراقا جديدا في الساحة العراقية؟
هل حققت "راند" اختراقا جديدا في الساحة العراقية؟ Print E-mail
Monday, 09 April 2007
Tag it:
Delicious
NewsVine
Reddit
YahooMyWeb
Technorati
Digg
   يصعب على المراقب أن يتحمل كل الأحداث الجارية على الساحة العراقية بهذه السرعة الهائلة، فما يكاد المرء يفلت من حدث عظيم حتى يجد نفسه واقعا، رغم أنفه، في حدث أعظم وأشد أثرا. فمن انشقاق كتائب ثورة العشرين إلى تشكيل حركة حماس العراقية، تلاها فتوى الشيخ حامد العلي بخصوص دولة العراق الإسلامية والإعلان عن تشكيل مجلس علماء العراق، فاجأ الجيش الإسلامي جميع محبي الجهاد والمجاهدين في العراق ببيان يحبس الأنفاس يرد فيه على خطابات البغدادي مدججا بحزمة من الاتهامات للقاعدة بالقتل والاعتداء على الممتلكات والترويع والتهديد واستعداء الجماعات الجهادية الأخرى والتكفير، وأظهر البيان خلافات على مسمى دولة العراق الإسلامية ومبايعة أميرها الذي سبق ووصف الممتنعين عن البيعة بـ "العصاة".

   ولأنني تكفلت، دائما، بتحليل بيانات القاعدة والسلفية الجهادية محاولا بيان لغة القوم بألسنتهم أو توصيف الواقع السياسي بأكثر ما يكون من الموضوعية دون تدخل مني، فقد اعتقد البعض أنني سلفي جهادي أو مؤيد للقاعدة، ولكنني لست مؤيدا ولا معارضا بقدر ما أنا قارئ أتخصص في هذا الأمر ولعلي أجيد فهم لغة السلفية الجهادية مثلما ترغب هي أن تظهر، ولا يضيرني سيل التهم التي انهالت علي من كل حدب وصوب وكأن على الكاتب، حتى يكون مقبولا، أن يميل لهذه الجهة أو تلك رغما عن أنفه. وفي السياق لا بد من الإشارة، حسما للغط، فأنا لست عالما شرعيا ولا أتمتع بأي قدر معقول في هذا الجانب، فليعذرني من يقرأ لي في هذا الجانب.

  على كل حال، قلة قليلة هي من رحبت بالبيان أو نددت به وبالجيش الإسلامي مقابل غالبية ساحقة أبدت غضبها وألمها وحزنها وعتبها على ما وصلت إليه الأمور بين أخوة الجهاد والسلاح والمصير، وتمنت أن تزول "الغمة" ويتصالح الطرفان وتعود القوى المجاهدة إلى سابق عهدها من العمل على هزيمة الولايات المتحدة وإقامة الدولة الإسلامية. ولما تكون هذه هي رغبة الغالبية فماذا يمكننا القول بحيث لا نبدو كمن يصب الزيت على النار أو كمن يقدم خدمة للعدو لاسيما وأن الطرف الآخر لم يصدر منه أي رد بحيث يمكِّننا من المقارنة بين قولين، وبالتالي التحدث بأقصى قدر ممكن من الحياد؟ وأخشى ما أخشاه أن يذهب البعض من العابثين وذوي النوايا الحسنة بما سأقول كل مذهب.

   لا شك أن للبيان أكثر من قراءة سواء كان منفصلا عن الأحداث الجارية أو مندرجا في سياقها، ولكن في غياب أي رد، حتى اللحظة، من الطرف الآخر أو بقية الجماعات الجهادية في العراق سيبقى أي تحليل منقوصا ولا يعتد به طالما لم يأخذ بوجهة النظر الأخرى رغم توفر بعض المواقف منذ فترة وجيزة خاصة تلك التي وردت في خطاب البغدادي " قل إني على بينة من ربيفما هي حقيقة البيان؟ وما هي القراءات الأولية له؟ وبعض المسائل الخلافية بين الجانبين؟ وما هو مستقبل المشروع الجهادي في العراق في ضوء الأحداث الجارية؟ تلك هي محاور هذه المقالة الطويلة نسبيا، فعذرا وعذرا.

 

أولا: محتويات بيان الجيش الإسلامي

 

   يمكن تقسيم بيان الجيش إلى ثلاثة أقسام يتعلق (1) بمقدمة تشمل منهج الجيش وفلسفته في محاربة قوى الاحتلال وأعوانهم ومواقفه الشرعية والسياسية منهم بالإضافة إلى سبل تنظيم العلاقة مع العامة من الناس والعلماء وأهل الاختصاص والخبرة وكذلك علاقته بالجماعات الجهادية الأخرى وموقفه من الأنظمة السياسية العربية فضلا عن بعض المواقف المتصلة بالحاكمية، أما (2) فيتعلق بما سماه البيان تجاوزات تنظيم القاعدة تجاه الجيش والجماعات الأخرى، ويختم القسم (3) بتوجيه أربع نداءات أولها إلى علماء الأمة "لتدارك المشروع الجهادي في العراق" وثانيها إلى قادة تنظيم القاعدة وعلى رأسهم الشيخ أسامة بن لادن للتدخل و"تصحيح المسار" وليس الاكتفاء فقط بالتبرؤ من أفعال القاعدة، وثالثها إلى "كل منتسب إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" وأخيرا إلى "إلى كافة الجماعات والفصائل الجهادية (كي) يناصحوا إخوانهم في تنظيم القاعدة".

    أما النقطة الثانية من البيان فقد استغرقته بالكامل، واشتملت على سلسلة من الاتهامات يصعب تصنيفها بالنظر لتعددها وتنوعها فضلا عن أنها قُدِّمت بشكل غير منظم، ومنها اتهامات ضد القاعدة من المفترض أنها تمس الجيش مباشرة بحيث " أصبحوا ومن أهم ما يهمهم النيل من هذه الجماعة المباركة بإذن الله، بشتى الوسائل والأساليب "، وهي بالنص مع بعض التصرف في النقل:

·        "رمي الجماعة بشتى التهم الباطلة الجائرة فمرة ينسبونها للبعث ... ومرة  ينسبون الجماعة إلى مناهج وتيارات إسلامية أخرى وهو محض كذب، وأخرى ... ينسبونها إلى جهات مخابراتية"، و"اتهام قيادة الجماعة بتهم واهية واهنة كبيت العنكبوت"، ولكن دون أي تحديد مباشر، و"تهديد بعض أفراد الجماعة بالقتل إن لم يبايعوا القاعدة أو أسمائها الأخرى"؛ وقتلهم " بعض الإخوة ظلما وعدوانا من المجاهدين في هذه الجماعة تجاوز عددهم الثلاثين حتـى الآن"، و" اتهام الجماعة بالتآمر مع الصحفي (يسري فوده) والموساد و"تسميته (أبو عمر البغدادي) المجاهدين بحزب الله السعودي ... والعجيب أنهم يضيفون لهم الموساد أيضا!!!!!"، وهذه النقطة أثارت لغطا واستهجانا من قبل أنصار القاعدة باعتبار أن البغدادي لم يقصد الجيش الإسلامي بها لا من قريب ولا من بعيد، ولست متأكدا من أن هذه النقطة قصد بها البغدادي الجيش الإسلامي مثلما أنني لست متأكدا من أن البيان يحصر التسمية بالجيش الإسلامي أو أنه يتحدث بصيغة الجمع عن المجاميع الجهادية.

     كما اشتمل البيان على اتهامات قال بأنها تتعلق بتجني البغدادي "على الأمة جميعا وعلى منهج سلف الأمة وعلى علمائها بإيراد أحكام وقضايا عجيبة"، ويذكر منها:

·        "اعتبار ديار الإسلام جميعا ديار كفر"، و" القول بأن الجهاد فرض عين ـ بهذا الإطلاق ـ منذ سقوط الأندلس و "وحكمه (البغدادي) على طوائف أهل الكتاب في بلادنا بأنهم أهل حرب لا ذمة لهم".

   كما أورد البيان سلسلة طويلة من التهم التي تمس الجماعات الجهادية الأخرى وعامة الناس أهمها وأبرزها اتهامات للتنظيم بالعدوان والتعالي وممارسة القتل، مثل:

·        "الاعتداء على بيوت الناس وأخذ أموالهم ..."، و "رمي الناس بالكفر والردة ( أصبح ) أمرا مألوفا مشاعا"، واستحلال القاعدة " قتل طائفة من المسلمين وخاصة الأهداف السهلة مثل أئمة المساجد والمؤذنين والعزّل من أهل السنة ومنهم أعضاء في هيئة علماء المسلمين"، و"التعالي على المسلمين المجاهدين... ومحاولة إلغاء جهاد الآخرين" عبر "التشهير الإعلامي" الذي مارسه البغدادي وأبو حمزة المهاجر في خطاباتهما، ومناصبة "الجماعات الجهادية الأخرى العداء، وتحوله إلى مواجهات مع بعض الجماعات مثل كتائب ثورة العشرين ... بين الحين والآخر في أبو غريب كان من أحدثها قتل أحد قادتهم الميدانيين وهو الأخ حارث ظاهر الضاري"، وقتل "بعض أفراد جيش المجاهدين وبعض أفراد أنصار السنة، وهددوا الجبهة الإسلامية (جامع)"، وحكم البغدادي "على جميع أبناء الجماعات الجهادية بأنهم عصاة، ... وذكر أنها تدعو عشائرها وأصحابها إلى الدعة والراحة !!! ... وسمى بيعته بواجب العصر وهذا خطير جدا لمن فهمه!!"، و "اتهم الجماعات بالانخراط القوي والانضمام إلى خنجر ثلاثي الرؤوس.......الخ وهم (ج) طائفة الحساد واستدل بحديث ضعيف"، و " بأنها تريد معاهدات مع الأمريكيين ... واشترط إذن دولته..."، علما أن الجيش لا ينكر التفاوض مع الأعداء وفق ضوابط شرعية كما يقول البيان، و "جعل الأخ أبو عمر تحريم الدش وتغطية وجه المرأة من الثوابت التسعة عشر التي ذكرها (في خطابه)". وأخيرا نفي الجيش لما ظهر وكأنها اتهامات له بتلقي دعم مادي من دول عربية أو أية جهات أخرى بما فيها أموال النفط.

 

ثانيا: القراءة الأولية للبيان

 

الملاحظة الأولى:

   يتحدث البيان بصيغة الـ (نحن) والـ (هم، هؤلاء، وا)، والمقصود بالأولى الجيش الإسلامي وكافة الجماعات الجهادية فيما الثانية هي تنظيم القاعدة. وهي صيغة كان على الجيش الإسلامي أن يحذر منها كون (1) الجماعات الأخرى لم يصدر منها حتى اللحظة ما ينفي أو يؤكد ما ورد في البيان على لسانها ولأن (2) الحديث بصيغة الجمع يترتب عليه تحريض أكثر مما هو تناصح أو تظلم من بعض الجماعات الأخرى بما فيها القاعدة. فإذا كانت دولة العراق طالبت بالبيعة ولم" يعترف بها أحد" فهل كلفت الجماعات الأخرى الجيش بتوجيه الاتهامات للقاعدة نيابة عنها؟ فمثل هذا الأمر، على خطورته، لم يرد بالبيان ولم تؤكده أو تنفيه أية جماعة إسلامية.

   ومن جهة ثانية اتهم البيان القاعدة كمجموع، وكان من المفترض أن يتحدث عن ممارسات لأفراد من القاعدة أو محسوبين عليها، وينبه ،من باب الحذر، إن كانوا مندسين أو عملاء، أو ممن ينسبون أنفسهم للقاعدة حتى لا يقع التعميم والظلم وأخذ الكل بجريرة الجزء وحتى لا تزر وازرة وزر أخرى. ولكن الصيغة التي كتب بها البيان من شأنها أن تثير الضغينة باعتبار أن الجميع سيشعر أنه بات مستهدفا بالتكفير والقتل والعدوان ... إلخ.

   كما يُلاحظ على البيان، الذي يبدو أنه صيغ على عجل، استعماله صيغ تهكمية وساخرة، وبعضها مهين (بكلام سمج) رغم أن مثل هذه العبارات من المفترض أنها وردت في سياق مسائل خلافية على الأقل من وجهة نظر الجيش ومع ذلك استعلمت بغرض الطعن، ولا أدري سببا لذلك.

الملاحظة الثانية:

   لا ريب أن الجيش الإسلامي موضع ثقة وحب واحترام وإعجاب، وما ورد في بيانه كان أولى، بحكم العرف، أن يُحَل بين قيادات الجماعات الجهادية كافة وبصريح العبارة، ولو صدر بيان تحذيري مثلا لاختلف الأمر، ولكن في الوقت الذي يشكو فيه الجيش من تشهير القاعدة به وبالجماعات الأخرى يأتي البيان، بالنسبة للكثير حتى من المحبين، متحاملا على القاعدة ومشهِّرا بها! مما يبعث على التساؤل والحيرة: فما الذي يجعل البيان يعج بذات الاتهامات التي وجهتها أطراف أخرى ابتداء من مشعان الجبوري وانتهاء بتوصيات مؤسسة "راند" والمالكي ومجلس عشائر إنقاذ الأنبار وممن هم مثلهم أو ممن اندرجوا في البحث عن حلول سياسية محمومة؟ وكيف تبدو القاعدة في حين تنظيم مقاومة يُرمَى خصومها من الحكومة وبعض القوى والعشائر بأصحاب الافتراءات والكذب وحتى العملاء، وبعد أقل من حين تتحول إلى تنظيم قاتل وتكفيري؟!

الملاحظة الثالثة:

   أكثر ما يثير التساؤل هو توقيت صدور البيان في ذات الحين الذي يعرف فيه الجيش الإسلامي بخطط "راند"  وغيرها وبالهجمة الإعلامية المنسقة والمعلنة ضد القاعدة دون الجماعات الجهادية الأخرى، فمن باب أولى كان على الجيش التضامن معها وتنبيهها وتحذيرها وحتى نقدها بشدة، إن لزم الأمر، ولكن الابتعاد عن التشهير بها حتى لا تصب كلماته في خانة الأعداء بقصد أو دون قصد وكي لا تتوتر الساحة الجهادية، وأكثر من ذلك يربط الكثير من أنصار السلفية الجهادية والقاعدة بين تزامن صدور البيان وفتوى الشيخ حامد العلي فيما يتعلق بالموقف من مبايعة البغدادي. فبحسب التساؤلات المطروحة ثمة غرابة بأن يصدر الجيش بيانا يتضمن اتهامات بالقتل تواتر صدورها بالجملة وبشكل ملفت للانتباه خاصة بعد إعلان دولة العراق الإسلامية، وثمة غرابة مماثلة أيضا أن يفتي الشيخ حامد العلي بعدم شرعية قيام الدولة بناء على طلب من أحد الناس، وكان بإمكانه أن يفتي بذلك حين الإعلان عن الدولة أو بعدها بقليل أو اختيار توقيت مناسب لا يستفيد منه الأعداء في هذه الظروف بالذات، بل أن البعض تمنى لو أن الشيخ بعث بها سرا إلى البغدادي مباشرة.

الملاحظة الرابعة:

    فيما خلا بعض الاختلافات الفقهية والاجتهادات يلاحَظ الكثير من الاتهامات ذات الطابع الجنائي التي كيلت للقاعدة، وهذا ما جعل البعض يطمئن ويخفف من وقع الحدث بالإشارة إلى أن الاتهامات لا ترقى البتة إلى الأدلة ولا البراهين، وبالتالي لا يمكن تثبيت أية إدانة بمقتضى اتهام لأن من شأن ذلك الوقوع بدائرة الحرام وشهادة الزور خاصة لمن يراقب الأمر، فمثل هذه المسائل، ما لم تكن هناك نية لتصعيدها، اعتادت الجماعات المسلحة وحتى الأحزاب والمنظمات والمؤسسات حلها بعيدا عن وسائل الإعلام عبر لجان تحقيق وتحكيم يتفقان عليها ولا يجوز تركها للعامة أو وسائل الإعلام كي تقرر فيها وتكون مشعل فتنة بيد الأعداء.

الملاحظة الخامسة:

     أثارت بعض الاتهامات الواردة في بيان الجيش حفيظة بعض الأوساط الجهادية التي وصفت الجيش بالتحامل على القاعدة لاسيما في بعض الاتهامات التي سيقت ضدها خاصة وأن بيانات صدرت تنفي وتوضح الكثير من الاتهامات التي وصفها كاتب كبير في شبكة الحسبة بذات الطابع المشعاني (نسبة إلى اتهامات مشعان الجبوري لقاعدة) مشيرا في الوقت ذاته أن البيان بمثل هذه الاتهامات هو بيان مشبوه لأنه من الصعب التصديق بأن الجيش يقع في مثل هذه المطبات بهذه السهولة رغم نشره البيان على موقعه الإلكتروني. وزيادة على ذلك فإن ما ورد في خطابات البغدادي والمهاجر تجاه الجماعات الأخرى بما فيها الجيش لم يكن تشهيرا بقدر ما كان "حبا فيهم وحرصا عليهم" ورغبة جامحة في التوحد معهم والاستقواء بهم.

الملاحظة السادسة:

   فيما يتعلق بالبيعة فهي مسألة، ولا شك، خلافية بين الجماعات الجهادية والدولة، ولكن هل وصف البغدادي لقادتها بـ "العصاة" جريمة تستحق الإدانة أو إشهار العداوة والبغض؟ وهل هي من باب التكفير؟ فالرجل قال فيهم خيرا واعتبرهم "أخوة في الدين" ولم يخوِّن أحدا أو يكفره، وقبله فعل أبو حمزة المهاجر الذي قال فيهم ما يشبه الغزل ولم يأت على ذكر أحد من الجماعات بأي سوء بقدر ما بدا متوسلا لهم اللحاق بركب الدولة تحت راية واحدة وأمير واحد ولا بأس أن يحتفظ كل جيش أو جماعة بتشكيلها وقائدها في ظل الدولة، أما ما يتعلق بالبيعة لمجهول فيرد أنصار السلفية الجهادية بتساؤل طريف ولا يخلو من وجاهة: "إذا كان البغدادي والمهاجر مجهولان فهل من قادة الجماعات الأخرى من هو معلوم حتى تكون هذه نقيصة؟" فالحقيقة أنهم كلهم ملثمون وكلهم ممنوعون من استخدام أية وسائل إعلامية رسمية إلا ما تسعى له هذه الوسائل من إجراء مقابلات معهم بين الفينة والأخرى.

 

ثالثا: بعض المسائل الخلافية بين القاعدة والجيش الإسلامي

 

   كما يقول الكثير بأن بيئة العنف لا تولد إلا عنفا، وقد سألت أحدهم في يوم ما عن مدى قدرة الجماعات الجهادية التزام الشريعة فعلا؟ فقال لي: لو كانوا كذلك لتوحدوا منذ زمن ولما ظهروا على جماعات عدة واستمروا في ظهورهم هذا، ولأننا مراقبين للوضع ولسنا متعايشين معه فلا أعتقد أن أحدا منا يمكنه تأكيد أو نفي مثل هذا الرأي.

    منذ بدء تطبيق الخطة الأمنية ببغداد جرى الحديث عن خطة محكمة ستقصم ظهر الاحتلال، ولم يكن أحد يدري حقيقة ما هي الخطوة المنتظرة إلى أن اتضح أن معالم الخطة الأمنية هي هجمات إعلامية ضد تنظيم واحد هو تنظيم القاعدة ومن ورائه دولة العراق الإسلامية. وقلنا في حينها أنه ثمة فرق بين خطاب الفتنة وخطاب السياسة، وأن خطاب الفتنة لا بد له من هدف سياسي ولا ينفع الحديث عن الفتنة بقدر ما يجدي اتخاذ إجراءات عاجلة من قبل جميع القوى على الأرض لسد جميع الثغرات وقطع الطريق على المتربصين بأسرع وقت ممكن حتى لا يستغلها أحد. وها نحن نشهد في بضعة أسابيع وحتى أيام انشقاق كتائب العشرين وبعدها تأتي فتوى الشيخ حامد العلي ثم يأتي بيان الجيش الإسلامي ثم الإعلان عن تشكيل مجلس علماء العراق، وبعد ذلك يمكن توقع أي شيء آخر.

   I.      فيما يتعلق بالقاعدة وأنصارها

   بطبيعة الحال لا تتهم هذه المقالة أية جماعة بالتكفير والغلو، وما سأكتبه هنا هو تصور مصدره واقع المنتديات التي تعكس بتصوري فضاءات إعلامية قوية جدا، وحوارات واسعة النطاق لمختلف الاتجاهات الدينية مما يجعلها تتمتع بتمثيل معقول يعكس إلى حد بعيد حقيقة الواقع الاجتماعي والسياسي والتنظيمي وربما الميداني، فمن شاء فليقبل هذا التصور ومن شاء فليرفضه، فهذا كل ما لدي ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فلنبدأ بتوضيح بعض الأمور.

1)           رغم التحفظات التي أبديناها على اتهامات بيان الجيش الإسلامي للقاعدة، فما ورد منها تتناقله ألسن كثيرة منذ زمن بعيد، وسواء صحت هذه الاتهامات أو بطلت فلعلها نتيجة ثغرات في الأداء الإعلامي الذي قدمته القاعدة في العراق سهلت لهذه الاتهامات وغيرها سبيلا للنفاذ. وكان الأولى بها ملاحقة مثل هذه الاتهامات منذ البداية ومحاصرتها، ولعلها تعلم جيدا ويعلم أنصارها وأنصار السلفية الجهادية عموما بالكتابات المبكرة لأبي مصعب السوري والتي حذر فيها من خطورة آفة التكفير على المشروع الجهادي برمته في نص شهير له حول تجربته على الجهاد في الجزائر وكيف نجحت أجهزة الأمن العالمية ومؤسسات الأبحاث باستغلال هذه الآفة ضد الجماعات المجاهدة وتمكنت من اختراقها كما حصل في الجماعة المسلحة في الجزائر، بل أن الاختراق وصل إلى مستويات قيادية بما في ذلك أمير الجماعة ذاتها.

   وإذا كان مثل هذا الأمر ينطبق على واقع الحياة الاجتماعية في العراق فهذا نذير بخطر شديد يتربص بالجميع من مجاهدين ومدنيين. صحيح أن أحدا من غير المجاهدين لا يستطيع التقرير بمصداقية مثل هذه المسائل كما يفعلون، وقد يبدو صحيحا أيضا أن الواقع مختلف تماما وكل ما في الأمر لا يعدو كونه تهويلا، ولكن الأصح أن فكرة التكفير ربما يكون مروجوها والمدافعين عنها، من الخصوم والأنصار على السواء، قد نجحوا في تفعيلها بحيث تستوطن الإعلام ومؤسساته وتغدو، كما لو أنها، حقيقة واقعة. وبطبيعة الحال سيتقاذفها الناس على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وسيكون صعبا دفعها بسهولة أو التحكم بها.

  وفيما يتعلق باتهامات القتل فواقع الأمر أن العامة من الناس لا يعنيها إن كانت الاتهامات صحيحة أو باطلة بقدر ما يعنيها أنها اتهامات قائمة، وعلى فرض صحتها فلا ينفع بيان للتبرؤ منها وإدانتها لأن المطلوب في مثل هذه الحالات قطع دابر هذا السلوك ورد الحقوق لأصحابها إما بمعاقبة الجناة وإما بتقديم ما يبرر القتل وإلا أصبح توجيه تهم القتل، وليس القتل كما يقول بيان الجيش، مشاعا، وعلى فرض بطلانها فإن تناقلها على الألسنة كاف لإثارة الشبهة وتقديم المبررات لرواد الفتنة كي يعيثوا في الأرض فسادا. وهذا ينطبق على كل المظالم الأخرى وسواء تعلق الأمر بالجيش الإسلامي أو القاعدة أو أية جماعة أخرى.

2)           لغة الاستعلاء والاحتكار وحتى التكفير كتلك التي تضعك بين خيارين إما مبايع فائز أو خائب خاسر. هذه بلا شك لغة استفزازية للآخرين ممن لم يبايعوا على الدولة ولا الإمارة، وهنا بالضبط سيكون سهلا على الجيش الإسلامي أو أية جماعة أخرى أن تظن بنفسها هدفا للتحقير والدونية والعصيان وهي ليست كذلك مما يجبرها على الشعور بأن الطرف الآخر يمارس احتكارا للجهاد ويقدم نفسه وحده كوصي عليه ودونه "إلغاء جهاد الآخرين". فالمديح الدائم، مثلا، للخطابات وكأنها معصومة، وحتى لأسخف المقالات والأخبار يأتي على خلفية "قل خيرا أو اصمت"، ومن يعلق عليها بمحتوى استعلائي، حينا، لا يفعل ذلك إلا من باب تسجيل المرور أو المبالغة في النصرة بلا مبرر. وبالتأكيد فالصمت ليس تعبيرا عن الرضى بقدر ما هو اختصار لطريق المواجهة وكظم للغيظ. ومن جانب آخر يأتي البعض إلى منتدى بمقالة أو خبر وتراه مرتجفا من تقريظه والتهجم عليه أو إلغاء عضويته فتراه يحذر من أنه مجرد ناقل ليس إلا! أما التعالي على الآخرين ما أن تختلف معهم في صغيرة أو كبيرة فهي إحدى السمات الرائجة في رحاب المنتديات، فإذا ما انتقد الجيش الإسلامي القاعدة أو اتهمها، حقا أو ظلما، ترى الدنيا تقوم ولا تقعد عند البعض ويغدو الجيش "صنيعة مخابرات فرنسية" أو هذه الدولة أو تلك، أو تسود لغة "بالناقص عنه" أو أن "أمره انكشف" كما حصل مع الشيخ حامد العلي وقس على ذلك حوادث كثيرة. وفي الحقيقة أكثر ما يلفت الانتباه في المنتديات سرعة الردود على أحداث كبرى أول ما تستدعيه التروي والصبر والتحقق وليس الرد السريع الذي غالبا ما يأتي متهورا واستفزازيا حتى لو اتصف بحسن النية.

3)      إعلان الدولة الإسلامية. في الواقع، كما قلت، لست على علم شرعي كي أبدي رأيي بهذه المسألة، ولست أيضا على دراية دقيقة بالواقع السياسي والميداني للجماعات الجهادية في العراق كي يكون لي الحق في تأييد أو رفض هذه الدولة، ولكن لي بعض الملاحظات أو لنقل التساؤلات ليس إلا، فالواقع العراقي متشابك ومعقد ويمثل اليوم حدث الساعة في العالم أجمع وعلى مدار اليوم. ولا شك أنه ثمة اختلافات في السياسة والمنهج بين الجماعات السنية كافة، فمن ناحية يبدو بعضها قريبا من الآخر وبعضها بعيدا جدا وبعضها لا مبالي وبعضها انتهازي مائع ومتأرجح وبعضها ربما يميل لهذه الجهة أو تلك، ومن ناحية ثانية ثمة من يقاتل لدنيا وآخر يقاتل لدولة مستقلة وثالث يقاتل لدولة إسلامية في العراق فقط ورابع يقاتل للخلافة، ومن ناحية ثالثة ثمة من ينظر إلى الأنظمة السياسية العربية باعتبارهم طواغيت وآخر يعتبرهم أشقاء وثالث ينظر لهم بعين الريبة ورابع يعتبرهم متآمرين وحلفاء للأعداء، وعلى مستوى الجماعات المسلحة لدينا تنظيم القاعدة والجيش الإسلامي وجيش الفاتحين وأنصار السنة وكتائب العشرين وجامع والبعث وعشرات الكتائب الأخرى القريبة من هذا والبعيدة عن ذاك، وعلى المستوى السياسي لدينا هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي وجبهة التوافق وغيرهم. والسؤال هو: إزاء هذا التنوع والتعقد، هل من الحكمة إعلان دولة إسلامية في العراق والطلب من هذه المجاميع، بهذه التشكيلات، مبايعتها؟ أم أن الحكمة قضت بإعلان الدولة لقطع الطريق على القوى العبثية كي لا تضيع جهود المجاهدين كما تقول القاعدة أو دولة العراق؟

    في بعض الأحايين نلحظ مقارنات بين إعلان تشكيل الإمارة الإسلامية في أفغانستان وإعلان الدولة في العراق، بيد أن الفرق كبير إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الأولى تشكلت على أنقاض تشكيلات المجاهدين وصراعاتهم الدامية بعد الانسحاب السوفياتي من البلاد والحال في العراق ليس كذلك. قلت أنني لا أمتلك العلم الشرعي كي أبدي رأيي بالمسألة ولكن من وحي الواقع السياسي ألا تشعر القاعدة أنها تضخمت في العراق وحملت أوزار الآخرين في غير أوانها بفعل إعلان الدولة؟ نظريا ربما يكون الجواب صحيحا، ولكن واقعيا فكما يقولون: "أهل مكة أدرى بشعابها".

    بقيت ملاحظة في هذا السياق، فالقاعدة هي إحدى الأدوات الضاربة لتيار السلفية الجهادية، ولكن تحولها إلى دولة ربما يكون ألحق بها الضرر من حيث لا تدري. فهي انتقلت من تنظيم لا مركزي، ولكنه شديد الصرامة وقادر على السيطرة ومراقبة جميع عناصره وتشكيلاته المسلحة، إلى تنظيم يتحدث عن نفسه رفقة جماعات أخرى بوصفه جيش الدولة. والسؤال: ألا يمكن أن يشكل هذا التحول مدخلا للغلو؟ ثم من يضمن ألاّ تعبث بعض القوى والمجرمين بأمن الناس ثم يجري تحميل المسؤولية للقاعدة ومنها إلى الدولة؟ وفي حالات مماثلة من الاختراق أو الغلو أو التستر أو الادعاء، وبقطع النظر عن الفتوى وظروفها، ألا تبدو نصيحة الشيخ حامد العلي بالعودة إلى الوضع الفصائلي أكثر جدوى وأأمن على المشروع الجهادي؟

   بالتأكيد لا نستطيع الإجابة، ولو أن التبريرات التي قدمت لإعلان الدولة كانت كافية وصريحة للعامة وللنخبة لما كانت الطعون فيها بهذه السهولة، ولما اضطر الكثير لإثارة التساؤلات بين الحين والآخر والتوجس الدائم من قادم الأيام.

4)      ثم لا بد من إيراد مسألة بالغة الأهمية وهي اشتراط الفقه على العامة كما لو أن العامة على توحيد كامل، والحقيقة أنه لا العامة قادرة على تقبل التوحيد الكامل ولا الأمة مهيأة لتعيش لحظة حرية بعد. فإذا كان المجاهدون على صبرهم وعظمتهم وتضحياتهم، في أيامنا هذه ونمط حياتنا هذا وطول عقود أو قرون غياب الشريعة، يمكن أن يقعوا في الخطأ وربما الشرك من حيث يدرون أو لا يدرون فكيف بعامة الناس التي وصفها سيد قطب في يوم ما بأنها تعيش جاهلية القرن العشرين؟    

  وأذكر في هذا السياق توصيات د. نوري المرادي التي وجهها إلى فصائل المقاومة العراقية أنقل فيها ما ورد في البند الثاني: " أن يخفف فصيل قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين اشتراط الفقه على العامة، فلا يضع معها سياسة الحرب في غير موضعها".

    وحين ألقى الشيخ البغدادي خطابه الأخير كنت بحق مشغولا بخطاب الظواهري ولم يتسن لي تحليل خطاب البغدادي، والحقيقة أنني امتنعت عن ذلك لأن مضمون الخطاب بدا لي مليئا بالطلاسم التي تحدث عنها بيان الجيش الإسلامي فضلا عن بعض المواقف والفقهيات التي شعرت أنها سهلة المنال في الظروف الحالية، وخشية من الفتنة آثرت الصمت لأن الناس لا يهمها المسائل التوافقية التي لا يختلف عليها أحد بقدر ما يهمها التوقف عند الاختلافات مهما صغرت. ومن هذه الاختلافات سأعقب على مسألة تحريم الأطباق اللاقطة.

   فالتلفزيون هو جهاز عام من أساسيات أي منزل ومن أساسيات الإعلام المعاصر ومن المستحيل الاستغناء عنه بالسهولة التي يجري بها تحريمه، فضلا عن أنه موضوع إثارة بالغة بما أنه يمس العامة من الناس، أفرادا وجماعات، لا فقط هذه الشريحة أو تلك. وكباحث أكاديمي كنت قد أنجزت دراسة عن المجتمع والفرد في الفضاء السيبيري (فضاء الانترنت) وتطور العلوم الرقمية، وأذكر أن بل غيتس صاحب شركة مايكروسوفت قال في تصريح خطير جدا قبل ثلاثة سنوات: أننا ما زلنا في مرحلة نزع القشرة عن العلوم الرقمية مما يعني أن أحدا لا يمكن له أن يتنبأ أين تصل مدياتها. ونفس الرجل قال قبل بضعة أسابيع أننا بصد دمج التلفزيون في الكومبيوتر في السنين الخمس القادمة مما يجعل هذا الجهاز التقليدي في خبر كان، هذا فضلا عن أن البث عبر الانترنت سيغدو مع المستقبل القريب جدا متماثلا مع البث الفضائي وبأسعار ضريبية وليس اشتراكات شهرية أو سنوية، وسؤالي هو: كيف يمكن الإفتاء بقضايا تقنية ذات حساسية بالغة وتتقدم بسرعة مذهلة لدرجة أن العالم من البيت إلى الشارع سيتركب على منتجات العلوم الرقمية؟ ألم يكن من الأولى استشارة خبراء ومتخصصين في هذه المسألة قبل إصدار الفتوى؟ ألم تستغل هذه الفتوى للطعن بالقاعدة والدولة على خلفية ما يروج من تفتيشها للبيوت بحثا عن المستقبلات والأطباق الطائرة؟ ثم لماذا تقحم القاعدة نفسها في مسائل، بالقطع، ليس هذا أوانها؟

II.      فيما يتعلق بالجيش الإسلامي

     لا شك أن العالم استمتع كثيرا بشخصية جوبا القناص المسلم الفذ الذي يتربص بأعدائه الدوائر، فقد أثبت جوبا، صاحب العضلات المفتولة المتمتع بمواصفات المقاتل الإسلامي العالمي الذي أخذ على عاتقه مهمة دفع صائل الجبابرة من القوى المعادية، وذو الرصاصة السهم التي لا تخطئ عدوها، صلابته وشجاعته والتزامه بعمله وبالمهمات الموكلة إليه بصورة أثارت الإعجاب والتقدير لكل من شاهده، ولعل الفضل في سمعة الجيش الإسلامي تدين بالدرجة الأساس لجوبا، إذ أنه ببساطة كان وما يزال كل الجيش الإسلامي الذي انفرد بجدارة بهذا النمط من المواجهة ما يدفع إلى الحسد والغيرة، وفي حين أن العالم الإسلامي، صغيره وكبيره، جعل من جوبا مثله في الإرادة والقتال والبطولة والثبات والإثخان في العدو والرجولة في زمن تعز فيه الرجولة حتى بات العدو الضحية هو وحده الذي لا يعجبه جوبا. ولكن ما يؤسف له أن بيان الجيش الإسلامي ظهر كرصاصة جوبا التي مست هذه المرة، ليس القاعدة وحدها، بل كل العالم الإسلامي الذي بات لسان حاله كمن يقول: لِمَ يا أخي؟ لِمَ يا جيشي؟ أكنت شريرا لهذا الحد؟ وهل أنا العدو؟

  فالبيان تعامل مع القاعدة باعتبارهم قوم من العدوانيين والشريرين والاستعلائيين ووو، وإذا كان البيان يتساءل عن عدد التهم المتبقية في جعبة القاعدة كي تستعملها في الخطابات القادمة فالحقيقة أن الجيش لم يتبق له من التهم لكي يضيفها في البيان رغم أنه يشير على أن ما خفي كان أعظم. وهذه لغة أبعد ما تكون عن العتاب خاصة وأنها تقع في مرمى الإعلام وليس في مرمى الحوار الداخلي.

   بالتأكيد لا يمكن لعاقل ولا لمسلم موحد أن يتقبل القتل وكأنه نزهة لأن مثل هذا الأمر يودي به في الجحيم والغضب الإلهي، وأولى بالمجاهدين أن يتحرصوا في مثل هذه المسألة فلا يستبيح أحدهم القتل إلا بشروطه الشرعية وفي أضيق الحدود. وكما قلنا فبيئة العنف تولد العنف، ولا يوجد في العالم أجمع ولا في التاريخ أن اجتمعت أمة لدحر الغزاة عنها دون أن يقع منها وفيما بين قواها تجاوزات هنا أوهناك لمليون سبب وسبب، ولكن تبقى مصلحة الجميع في طرد المحتل هي الأهم، ودون ذلك الوقوع في الفتنة والاقتتال وضياع الجهود. والمعلوم أيضا أن القوى المعادية لا يمكن لها أن تترك الساحة لخصومها وهي تتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى، ولا بد من توفر أقصى قدر من القناعة والحكمة بأن أية نتيجة منحرفة هي بالقطع من فعل القوى المعادية وعملائها بما في ذلك تصعيد نبرة التكفير التي بات يتحدث فيها كل من هب ودب بحيث تبدو الصورة المقدمة عن الجهاد في العراق عبارة عن جماعات سلفية جهادية تكفيرية ليس الجيش الإسلامي أو غيره من الجماعات بعيدا عنها، وأخرى متناحرة أو أنها قاب قوسين أو أدنى من التناحر.

      لا أعتقد أننا وقعنا في يوم ما على بيان من القاعدة تشكو فيه ظلم الجماعات الأخرى، ولكننا سمعنا الكثير ممن يسمها بممارسة القتل دون مبالاة وكأنها ذهبت للعراق حبا في القتل، وهي لغة لو صدرت من العدو لاحترز من توجيه تهم عشوائية لن تفضي لأية نتيجة تخدم مخططاته أو مصالحه، وإذا كانت القاعدة تقتل من لا يعجبها من مؤذنين وأئمة وأفراد هنا وهناك فكيف سيحتضنها المجتمع؟ ومن سيدافع عنها أو يؤويها؟ ولماذا تقاتل أعدائها؟ وهل قتل آلاف العناصر والقادة منها وقع بأيدي الجماعات الأخرى أم بأيدي القوى المعادية؟

   لذا من الأجدى قبل توجيه أية اتهامات، لأي طرف، وجوب التحقق الكامل والفوري من الحوادث مثار النزاع وليس المسارعة بالاتهام أو تبني اتهامات أطراف أخرى لم تثبت كما هو الحال، مثلا، بالنسبة للشهيد حارث الضاري، كما أن الواجب الديني والأخلاقي والحقوقي يفرض على الجيش الإسلامي وكل الجماعات الأخرى، إن كانت مهتمة حقا بآخرتها، أن تتحقق بتجرد ولغاية مرضاة الله من اتهامات موجهة بحق عناصرها أو بحق الآخرين.

       في دراسة مؤسسة "راند" كانت الفكرة ذات الأولوية هي عزل القاعدة عن بقية "الجماعات الإرهابية في العالم" وليس عن بقية الجماعات الجهادية أو حركات التحرر، فكل القوى المعادية لهم إرهابيون وشعوبهم إرهابية ودينهم إرهابي وحتى نبيهم إرهابي، أليست هذه لغة الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة؟ ومن الجدير التذكير بأنه قبل غزو العراق واحتلاله كان البلد قد تعرض لحصار ظالم وجائر ولم يكن السبب، آنذاك، وجود القاعدة في العراق ولا تحالفها مع صدام حسين، وفي فلسطين لم تكن حماس قاعدة حتى تفرض الولايات المتحدة هذا الحصار الجائر على الشعب الفلسطيني حتى اليوم، وفي لبنان لا توجد قاعدة حتى تدمره إسرائيل نيابة عن الولايات المتحدة، فالعدو بالنسبة للغرب والولايات المتحدة خصوصا ليس القاعدة وحدها بل كل من يقاوم المشاريع الأمريكية، فلماذا نبلع الطعم تلو الآخر ونقع في الخديعة تلو الخديعة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين! فهل كنا مؤمنين حتى نلدغ من الجحر ألف مرة؟ فعلى أي أساس بلعت القوى السنية وبعض الجماعات الجهادية الطعم الذي ألقت به "راند

رابعا: مستقبل المشروع الجهادي في العراق في ضوء الأحداث الجارية

    لا بد من تقرير بعض المسائل فيما يخص مستقبل المشروع الجهادي في العراق، ومنها:

1)     هوية تنظيم القاعدة في العراق

    الاعتقاد الذي تم ترويجه بين الناس، ولمّا يزل، وحتى بين عامة الجماعات الجهادية في العراق مفاده أن القاعدة هي تنظيم وافد وليس تنظيما محليا، هذا ما يحتج به الحزب الإسلامي الذي صرح زعيمه طارق الهاشمي قبل أيام أن الحكومة على استعداد للتفاوض مع جميع الجماعات المسلحة في العراق إلا تنظيم القاعدة، وهذا ما يصرح به الكثير ابتداء من الحكومة وانتهاء بأغلب القوى السياسية الشيعية وحتى بعض القوى السنية. هذا الاعتقاد هو المشكلة الخفية التي قد تنفجر في أية لحظة وتصيب الكثير بالذهول. فهذا الاعتقاد صحيح بحدود معينة، فالقاعدة قاتلت بلا اسم في الشهور الأولى تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي الذي أسس فيما بعد جماعة التوحيد والجهاد، ولكن بعيد صدور بيان الـ 26 عالما في السعودية (5-11-2004  ) والذين أفتوا بجواز ذهاب الشباب إلى الجهاد في العراق باعتباره محتلا جاءت الطعون في الفتوى على خلفية غياب الراية، وتساءل بعض الشيوخ حينها: تحت أية راية سينضوي هؤلاء الشباب ويقاومون ويُقتلون؟ فما كان من بن لادن إلا أن أعلن عن تشكيل "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" وتعيين الزرقاوي أميرا لها لسد ذريعة غياب الراية. ويعلم الجميع أن التنظيم بذل جهودا جبارة في المقاومة، وكان مخزونه البشري يتكون بالدرجة الأساس من العرب والمسلمين وبدرجة محدودة جدا من العراقيين. غير أن هذا المخزون نفذ وأعلن التنظيم أواخر العام الماضي عن مقتل أكثر من أربعة آلاف من مقاتليه في العمليات عدا المعتقلين، وفي إحدى الدراسات الغربية أشارت الإحصائيات إلى ما نسبته 10% فقط من المقاتلين في العراق هم من الأجانب، بل أن أحدث التصريحات (الجمهورية المصرية، 7 / 4 /2007) وردت في تقرير استراتيجي أعده ضابط أميركي كبير بعد عودته من العراق هو الجنرال باري ماكفري الأستاذ بأكاديمية ويست بوينت العسكرية الأمريكية الذي قال" أن من بين أكثر من مائة ألف مقاتل هم قوام الجماعات المسلحة في العراق "ليس بينهم أكثر من 500 مقاتل أجنبي"! أي ما نسبته 0.05%! فماذا يعني هذا الرقم لمن يزعم أن القاعدة تنظيم وافد؟ يعني ببساطة أن القاعدة أمست تنظيما محليا وليس وافدا، وبدلا من التبجح والعنترة والتضليل ينبغي مواجهة الحقيقة التي لن تعجب المتربصين لأن الأعداء على علم بذلك.

2)     توجهات الجماعات الجهادية

أيا كانت توجهاتها فهي في معظمها لا تخرج عن (1) تشكيلات ذات طابع علماني و (2) أخرى ذات طابع إسلامي وطني و (3) ثالثة إسلامية ذات طابع مرحلي فيما يتعلق بالحاكمية و (4) إسلامية ذات طابع عالمي. بمعنى أن بعض الجماعات يسمح لها توجهها بالاستمرارية، ولا يشكل العراق بالنسبة لها إلا منطلقا نحو إقامة الدولة الإسلامية وإقامة الخلافة كتنظيم القاعدة والجماعات الأخرى المنضوية في إطار دولة العراق الإسلامية، ومنها جماعات تؤمن بما تؤمن به القاعدة ولكنها مرحلية التفكير والعمل كالجيش الإسلامي، أما النوعين الآخرين فيؤمنان بمفردات التحرير والاستقلال والتعايش الوطني بعيدا عن أية توترات سياسية أو طموحات أو مرحلية ما.

   وبطبيعة الحال ليست هذه التقسيمات إلا من باب التوضيح وليس الحسم بالتوجهات الجوهرية للجماعات، فلكل منها قراءاتها واجتهاداتها ومبرراتها، وقد توجد قوى أو جماعات لا تنضوي تحت هذا التيار ولا ذاك، والمهم ملاحظة التنوع والاختلاف في أطروحاتها.

3)        ثمة سعي حثيث لدى الجهات السنية لاحتواء الساحة الجهادية في العراق، ومثل هذا الأمر لم يعد خافيا. فتشكيل حماس العراقية كان الهدف منه واضحا وهو طرح إطار تمثيل سياسي افتقدته ساحة الجهاد في العراق. وفي بيان الانشقاق عن كتائب العشرين أعلنت حماس أنها ستطرح نفسها عبر تشكيل عسكري يسمى حماس – العراق وبموازاته" بناء مؤسسات ومكاتب سياسية وإعلامية وقانونية كجزء من المشروع السياسي المتكامل"، وتلا ذلك إعلان تشكيل "مجلس علماء العراق" بغرض "سد الفراغ في ساحة العمل الشرعي والفقهي في العراق" ، هكذا حدد مهمته في البيان الختامي، وبالتأكيد فقد جرى وما زال يجري التمهيد لمشروع سياسي ما في العراق.

 

   وما نلاحظه بناء على كل ما سبق أن الفعل السياسي في الساحة العراقية في طريقه إلى التبلور غير آبه بأية عواقب أو مجازفات قد تكون خطرة جدا، فإذا كانت المشكلات الواقعة مع تنظيم القاعدة هي مشكلات ميدانية وسلوكية تتعلق في مخاطر تهدد المشروع الجهادي فعلى القاعدة تقع مسؤولية كبرى في إزالة الغموض والقيام بمصالحة عامة وشاملة مع كل التيارات الجهادية بقطع النظر إن كانت مدانة أو بريئة ولكن من باب سد الذرائع وقطع الطريق على مصادر الفتنة، وهذا أولى أن ينطبق على الجيش الإسلامي ولا يشترط شروطا أحسب أن أحدا لن يوافقه عليها كالطلب من قادة القاعدة بالتدخل لأنه يعرف أن الرجل تغيب عن أحداث عظيمة سابقة ولولا أن ظروفا قاهرة تمنعه من الظهور لكان فعل، فالمسائل الأمنية بالذات عزيزة على القاعدة لأن رأسها مطلوب للجميع، ثم ماذا لو كان الرجل قد أفضى إلى ربه فهل تعلق مثل هذه المسائل الحساسة والعاجلة على مشجب الغيب والتخمين؟ وهل كلما حصل خلاف بين جماعة وأخرى توجه البعض إلى بن لادن كي يحسم المسألة؟ أهكذا يدار الجهاد وكأن قادته قاصرون؟ أو كما لو أنه بلا قيادة شرعية أو ميدانية أو سياسية؟

  آخر ما يمكننا قوله أنه إذا صلحت النوايا ولم يكن ثمة مراهنات سياسية فمن الممكن رأب الصدع وإعادة اللحمة والسكينة إلى الجميع كي يتفرغوا لمقاتلة أعدائهم والاستعداد للمراحل القادمة بشرط أن يتفق الجميع على ما يشبه العهد بينهم تدعمه لجان لفض النزاعات والخلافان على الفور. أما إذا كان هناك ثمة مراهنات سياسية فأحسب أن هذه المقالة لن يكون لها أية قيمة فيما أوردته من تحليلات. وما يمكن قوله في هذه الحالة أن الجيش الإسلامي ومن هم في خطه سيكونون أكثر الخاسرين، إذ أن معاداة القاعدة وتمسك الجيش بمنهجه، وسط عملية سياسية مشبوهة، لن يكون له أي معنى أو فائدة تذكر، وسيحول بينه وبين أية مكاسب سياسية مستقبلا لأن إقامة دولة إسلامية غير مسموح به على الإطلاق فضلا عن أن القوى الأخرى لن تقبل به إلا إن غير منهجه، وإن ثبت هذا الأمر في الأيام والأسابيع القادمة فسيعني، على الأرجح، بداية قوية جدا لدخول الساحة الجهادية في حالة استقطاب محموم بحيث تنضم بعض الجماعات القريبة من القاعدة إلى البغدادي فيما تنضم الأخرى إلى جناح قد يعلِن عن نفسه بين الفينة والأخرى كممثل سياسي للمقاومة، وسيكون مجلس الإفتاء الجديد جاهزا لتشريع هذا السلوك وتحريم ذاك. إذا ما أثبتت الأحداث هذه الافتراضات فستكون "راند" قد حققت اختراقا جديدا، وسيكون العراق مقدما، لا محالة، على حرب أهلية ليس من المستبعد أن تضرب المشروع الجهادي في الصميم.

 

 


 
< Prev   Next >
website statistics