aic_header_logo
Home
مؤتمر هرتسليا السابع Print E-mail
Written by sergio   
Monday, 19 March 2007
Tag it:
Delicious
NewsVine
Reddit
YahooMyWeb
Technorati
Digg

 

                                                                                                أحمد .م. جابر

كاتب وصحفي فلسطيني  مقيم في دمشق

 

بانتظار الوثائق التي ستصدر عن مؤتمر هرتسليا السابع، والتي ستكون كما هي العادة عبارة عن تلخيصات مكثفة لأبرز التوجهات والأفكار والرؤى التي نوقشت في هذه الدورة، فإن ما نشر وعرف من أعمال هذا المؤتمر والنقاشات التي جرت فيه، لا يعدو في كثير من المؤشرات عن كونه انعكاساً لصورة في المرآة، صورة إسرائيل، الدولة، المجتمع، والجيش، كما هي هذه الأيام، التشويش ذاته، والهروب المزمن من الأزمات الحقيقية في جنوح عدمي نحو الخيال، التلفيق، الانخراط في مسعى عبثي لتأبيد صورة العدو وصناعة الخطر وصناعة القلق الاجتماعي، وبترافق هذه السمات مع المفردات المفتاحية المستخدمة من قبيل (مناعة، أمن قومي، وطنية، ولاء، تجذر، تعاظم) تتبين لنا بدون رتوش صورة المجتمع الفاشي المأزوم بامتياز.

وأكثر من ذلك، من سمع الخطب الملقاة سواء من برنارد لويس، المستشرق العنصري الخالي من اللياقة بامتياز، المفارق للواقع والغارق في أوهامه عن الشرق كصورة متكاملة للتخلف والوحشية، الأب الروحي للمحافظين الجدد، مروراً بشيمون بيريز القاتل الذي يحلو له الحديث عن السلام، كعارضة أزياء تافهة، يكثر الحديث عن الحلوى دون أن تجرؤ على تناولها، فالسلام يقتل مهنة بيريز كمبيض للجريمة كما تقتل الحلوى مهنة عارضة الأزياء!! دون أن ننسى المتصهين الوضيع خافيير سولانا أو خوسيه أزنار الذي يرغب بشدة بضم إسرائيل إلى الناتو، والذي طرده شعبه من الحكم بعد أن تبع بوش إلى حرب العراق  ككلب أعور. نقول من سمع هؤلاء وغيرهم يلمس حتى الغثيان وضاعة العقل المستبد الاستعماري ووقاحة الفشل وضياع الضمير.

ما الذي كان غائباً عن هرتسليا، كما في كل مرة، إنه الوقفة أمام الذات، الاعتراف ولو لمرة واحدة بإمكانية الوقوع في الخطأ.

الكلمات التي تم تجنبها، أو لم يتم الحديث عنها بجدية هي نفسها: القيادة، السلام، الشعب الفلسطيني، المستقبل الواقعي للمنطقة.

المؤتمر في السياسة عكس واقع إسرائيل السياسي، والمحور المفضل للحديث كان عن أزمة القيادة وفشلها المتعاظم ككرة الثلج منذ هزيمة لبنان الأخيرة.

كل العناوين الأخرى والمصطلحات المنمقة من مثال:( البدائل الجيو استراتيجية، والسياسة الوطنية لدفع التفوق في التعليم) و (الهوية اليهودية كمناعة قومية) وغيرها لم تستطع إخفاء التوتر المتفاقم والذي يزداد عاماً إثر عام متمحوراً حول وجود إسرائيل ذاتها في علاقتها بنفسها وبالإقليم الذي فرضت عليه بالنار والحديد.

وكل ذلك الهرج في هرتسليا لم يستطع التمويه على غياب المناقشات الحقيقية للواقع الحقيقي، حتى ليتساءل المرء من أين جاء هؤلاء الناس حقاً؟!

هذا المؤتمر إذا لم يكن أكثر من مدماك جديد في مبنى العنصرية الصهيونية ونظامها اللاأخلاقي، وقبل شرح هذا الادعاء لا بد من الإشارة إلى أنه من المفترض بمؤتمر هرتسليا (عادة) كما هو مخطط له أن يكون فوق الادعاءات الحزبية والرؤى الضيقة وأن يركز على الرؤى والآفاق بالمعنى الاستراتيجي التي تخدم مصلحة إسرائيل ووجودها. ولكن الأزمة التي تعيشها الدولة الصهيونية ـ كما ذكرنا ـ طغت على هذا النقاش، وحلت على المشاركين فأطاحت بالموضوعية المفترضة على مستوى الذات طبعاً، نحو أدلجة ضيقة للمناقشات والمداولات انعكست مباشرة في الجهة المنظمة هذا العام ـ أي المركز (بين المجالي) وهو مركز يميني تطغى عليه الأيديولوجية الليكودية المتعفنة وعلى رأسه فاشي محترف هو عوزي آراد ـ المستشار السابق لنتينياهو.

 

أزمة القيادة: الهروب من المضمون إلى الشكل

الهجوم الشديد على القيادة من قبل عوزي آراد ـ رئيس المؤتمر، في كلمته الافتتاحية بلور الاتجاه العام للمؤتمر، فاليمين الإسرائيلي وجد المنبر فارغاً لتسليط هجومه على فشل الحكومة ممثلة بالقيادة السياسية في ظل غياب المدافعين عن وجهة النظر الأخرى على ضوء الانشغال شبه الكلي بتحضير الشهادات المنوي الإدلاء بها أمام لجنة (فينوغراد) للتحقيق في حرب لبنان.

عوزي آراد ندد بالتساهل تجاه العرب الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948، كأنهم من كوكب آخر وليسوا مواطنين وأصحاب شرعيين للأرض، وكذلك ندد بخطة الفصل باعتبارها لم تؤد إلى السلام وندد بتخفيض ميزانية الأمن.

الخطاب الحزبي الذي ألقاه آراد يعكس تجذر العنصرية الصهيونية وقيم العدوان وعدم قدرة الأوساط الأكاديمية والسياسية في إسرائيل على تذويت رؤية نقدية لوجود إسرائيل نفسها.

لم يقتصر هذا النوع من الكلام على عوزي آراد، بل أيضاً شاركة البروفسور غابي بن دور ـ رئيس مركز دراسات الأمن القومي في جامعة حيفا والمسؤول عن مؤشرات   إلى مؤتمر هرتسليا، الذي ختم خطابه بالقول أن لدى القيادة الإسرائيلية شعب ومجتمع أفضل مما تستحق، ولشعب إسرائيل قيادة ومؤسسات أقل جودة مما يستحق. التناقض الأساسي في حديث بن دور وآراد هو الرفض المنهجي للاعتراف بجوهر المشكلة، فهذا الشعب الذي يتغنى به غابي بن دور هو من دأب على انتخاب القتلة من أمثال باراك وبيريس ونتنياهو وشارون وأخيراً أولمرت وبيرتس وهو الذي أنتج المتحدثين العدميين في هرتسليا أمثال هذان الاثنان وغيرهما.

جوهر المشكلة هو غياب الاعتراف بأن هذا المجتمع هو مجتمع محتل يقوم باضطهاد واستعباد شعب آخر، وهذا المجتمع لا يتردد في توفير كل الأشكال من الدعم لقيادته الفاشية التي هي على مثاله. وليست المشكلة مجرد فشل عسكري أو خطأ في التسلسل القيادي تحله لجنة تحقيق، على إسرائيل ومفكريها وقادتها ومجتمعها الاعتراف بأن ما تعيش هو أزمة وجود عميقة حلها مرتبط بالاعتراف ليس بفشل لبنان وإنما بعدم جدوى الاحتلال وسقوط مشروع الاستيلاء على  فلسطين. ولعل هذا ما قالته وثيقة التصور المستقبلي لعرب إسرائيل، والتي تعرضت لهجوم شديد في المؤتمر، مع أخذ ملاحظاتنا عليها بعين الاعتبار (سنفرد لها مقالاً خاصاًً).

هذا التجاهل الفظ لجوهر المشكلة يقع فيه أيضاً متحدث رئيس هو البروفيسور يسرائيل أومان، وهو عالم حائز على جائزة نوبل في الرياضيات، الذي نسي العلم وتحدث عن (أمل عمره ألفي سنة ) وعن (أرض صهيون)، مندداً بما بعد الصهيونية معتبراً أنها هدامة ومضرة، بل أن هذا العالم النوبلي ندد بالسلام معتبراً إياه لعنة، مندداً بأي تنازل للفلسطينيين حتى لو كان من النوع التافه الذي أخذ به شارون وباراك، مدعياً أن هذا من شأنه أن يزيد من شهية الفلسطينيين وأن يشجعهم على المطالبة بما هو أكثر. أستاذ المنطق غرق في اللامنطق والعبثية متناسياً أن ما يعطى للفلسطينيين هو أصلاً جزء صغير من حقهم المسروق الذي سرقته دولته وأمثاله من الفاشييين معتنقي العلم الأدائي لا الأخلاقي.

هذا الخطاب المتردي كان جوهر ما سمي (اتجاهات جديدة في الخطاب السياسي) والذي استند على مرتكزين: الأول نقض مبدأ مقابلة الأرض بالسلام، لأن هذا لن يؤدي إلى الهدف المطلوب.

نتنياهو كان السباق لطرح هذه المسألة عندما تطرق إلى الطرح القائل بأن حل النزاع العربي الإسرائيلي سيؤدي بكيفية ما إلى حل جميع مشاكل المنطقة.. مقترحاً قلب الصيغة رأساً على عقب، أي: حل مشاكل أخرى في المنطقة سيؤدي بالذات إلى حل المشكلة الفلسطينية، أي أن كبح جماح إيران هي المهمة الأولى بما يستدعي إضعاف القوى (المتطرفة) وصعود قوى الاعتدال، وهذا ينسجم مع ما طرحه بروفيسور أومان بأن الخطر الأبرز الذي يهدد إسرائيل ليس حقيقة وجودها كدولة احتلال عنصرية، و إنما إيران وسلاحها النووي المفترض! أو أسطورة الارهاب الجهادي العالمي!!

مثل هذه الترهات طرحت أيضاً على لسان آخرين من أمثال السلامي العجيب يعالون رئيس الأركان السابق، الذي ادعى أن انسحاباً أحادي الجانب من شأنه، أن يفرز فقط الإسلام الجهادي.

والمرتكز الثاني هو تقويض موقف مهم ورد في تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون الذي قال أنه لا يمكن حل مشكلات الولايات المتحدة في العراق ومشكلات العالم الغربي في إيران دون أن تتحقق أولاً كل التطلعات الوطنية الفلسطينية.

هذه الفرضية هوجمت بشدة بحيث أنها لا يمكن أن تكون مقبولة من ناخب إسرائيلي، ناهيك عن أنها ليست مقبولة من قبل إدارة بوش أيضاً، ورأى مناهضو هذا الموقف أنه استنتاج يضاهي اللاسامية، وإسرائيل مصدر كل المشاكل في المنطقة، متجاهلين من جديد طبيعة إسرائيل كدولة احتلال جاذبة للكراهية موضوعياً.

هذه الأقوال ومثلها أقوال يعالون السابقة لا تتناقض فقط مع الطرح القائل بأن الطريق إلى السلام الإقليمي يمر في القدس، وإنما يؤكد أن أية تنازلات إسرائيلية ستشكل سنداً وحافزاً للإرهاب العالمي.

ذلك غيض من فيض العدمية المدهشة التي تم تداولها في هرتسليا، قدرية مفرطة تنأى بالذات عن أي اعتراف بالمسؤولية، فالحل إما في يد أمريكا كما في خطاب بيريس، أو نابع من الطبيعية الوجودية للصراع! إما نحن وإما هم: فهل ندرك نحن الفلسطينيون ذلك؟!


 
< Prev   Next >
website statistics