aic_header_logo
Home arrow News arrow arabic arrow اللاجئون الفلسطينيون: جدل المفاوضات وحقائق القانون
اللاجئون الفلسطينيون: جدل المفاوضات وحقائق القانون Print E-mail
Written by أحمد جابر   
Tuesday, 13 March 2007
Tag it:
Delicious
NewsVine
Reddit
YahooMyWeb
Technorati
Digg
 مع انطلاق مفاوضات الحل النهائي على المسار الفلسطيني- الإسرائيلي، تعود القضايا الأساسية والأكثر أهمية في سياق الحل، لتصعد إلى سطح الاهتمامات المشتركة، مغادرة دائرة التجاهل وعدم الاهتمام، لتذكر الأطراف أنه بدون حلها،لن يكون هناك أي حل.

وهذه القضايا هي القدس واللاجئين وبالتالي حق العودة والمستوطنات والدولة الفلسطينية المستقلة ارتباطاً بحدود الانسحاب، و هي طبعاً القضايا الأكثر استراتيجية والتي يرتكز أي سلام مستقر ودائم على مدى ما يتحقق في حلها.

وإذا كان الهدف من عملية التسوية إغلاق صفحة الصراع التي فتحت عام 1947-1948 ( في الحقيقة كان الصراع كما هو معروف قد اشتعل قبل ذلك بوقت طويل) فإن الشرط الأساسي لإغلاق هذه الصفحة هو معالجة نتائجها، وماهو مطلوب هنا ببساطة هو استعادة مجرة التاريخ الطبيعي الذي تم إيقافه قسراً مع الحرب مما أدى إلى تشريد الشعب الفلسطيني وتدمير وطنه واحتلاله وتدمير المشروع الوطني الفلسطيني الذي كان قد بدأ بالتنفس لتوه في إسار الاحتلال البريطاني.

من سوء حظ الحركة الصهيونية وتجليها المادي إسرائيل( جاءت إسرائيل من زواج غير مقدس بين الحركة الصهيونية،وأطماع الاستعمار الذي كان يلملم أشلاءه إثر الحرب العالمية الثانية) أن الحرب لم تكن صفحة منتهية، وإنما كانت صفحة البداية لصراع سيستمر طويلاً ويعود ذلك بالأساس إلى أن الأسطورة لم تتوافق مع الوقائع والأيديولوجيا تناقضت مع الحقائق السياسية والاجتماعية.

فهذه الأرض التي دارت عليها الحرب لم تكن "أرضاً بلا شعب" وبالتالي لم تستقبل "الشعب الذي بلا أرض" بالأحضان وأكاليل الغار، وهؤلاء الذين قذف بهم في المنافي وتحولوا إلى لاجئين لم يموتوا ولم ينسوا  فبقيت حقيقة وجود الشعب الفلسطيني واستمرار هذا الوجود بصمود منقطع النظير ، الدليل الأقوى على سقوط الأسطورة ، وعلى فشل المشروع الصهيوني من الوصول إلى نهاياته، والدليل الأكثر قوة على استمرار الصراع واشتعاله، رغم أن واقع اللجوء بحد ذاته، ومأساة الشعب الفلسطيني بقيت  من جهة أخرى ماثلة بقوة كدليل على بؤس المشروع العربي وبقيت المخيمات البائسة ماثلة دائماً تذكرنا بالهزيمة وتعيد إشعال المرارة دائماً .

كل ذلك يقودنا إلى حقيقة لامجال، ولن يستطيع بهلوانات أوسلو أو واشنطن  ولاخداع باراك وسذاجة المفاوضين الفلسطينيين تلافيها، حقيقة أنه بدون حل جذري  لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين- الدليل القوي على بشاعة ماحدث عام 1948 والنتيجة الأكثر قسوة، فلن يكون هناك حل جذري للصراع القائم.

إشكالية التسوية

مفارقات الحل الناقص:

مالذي تريد التسوية الجارية- انطلاقاً من مدريد وانتهاءً بشرم الشيخ مروراً بمخازي واشنطن وأوسلو- تحقيقه؟ هل هو معالجة ماحدث عام 1948 وبالتالي إعادة مجرى التاريخ إلى طبيعته وتعديل النتائج لتعكس هذه المعالجة وهذه الإعادة، وهل هذا هو الحل الممكن؟ أم أنها تريد معالجة ماحدث عام 1967 وبالتالي ستتم عملية تجميل لمأساة 1948 ، عناصرها دولة فلسطينية( غير محددة حتى الآن) ومعاهدات سلام دائم مع العرب ونفوذ إقليمي إسرائيلي اقتصادي( بغطاء أمني متفوق) معولم، لم يحقق مشروع بيرس بإسرائيل الكبرى اقتصادياً عبر الشرق الأوسط مع تناقض  الاهتمام بالتوسع الجغرافي رغم معاندة الأيديولوجيا.

الإسرائيليون  يعتبرون أن ماحدث عام 1948 هو مسألة منتهية وبالتالي فإن نتائج حرب 1967  هي موضوع منفصل، ويتحدد هذا الموقف من خلال الرواية الرسمية لأحداث 1948 وماقبلها ومابعدها باعتبار ماحدث هو حرب ( استقلال) وأن مشكلة اللاجئين هي مشكلة لا تخص إسرائيل من قريب أو بعيد إلا فيما يعتبر انه نتيجة عادية من نتائج الحرب بين طرفين. الفلسطينيون بدورهم يعتبرون أن حلاُ نهائياً لايمكن أن يكون مرضياً دون أن يعالج جذرياً نتائج حرب  1948، والتي عنوانها الأساسي هو اللاجئين، والحل هو القبول الإسرائيلي الحاسم والواضح بحق العودة للفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم التي اقتلعوا منها عام النكبة.

قبل الدخول إلى موضوع اللاجئين ( والذي هو في الحقيقة الهدف الأساسي من هذا العمل ) هناك إشكالية  لابد من التطرق إليها.

تنطلق هذه الإشكالية من السؤال المطروح آنفاً عن هذه التسوية: فدائماً ما يلح الأطراف  على أن الهدف النهائي للعملية هو التوصل إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242، و338، وهذين القرارين يخصان أساساً معالجة نتائج حرب 1967، وفي التفاصيل – كما هو معلوم أن ما يحدث هو معالجة  خادعة لهذه النتائج، فإسرائيل ترفض العودة إلى حدود الرابع من حزيران ناهيك عن القضايا الأخرى مثل القدس، واستمرار المستوطنات وتوسعها، والأسرى، والانسحابات الانتقائية (إعادات الانتشار في الواقع) التي تبقي الأراضي الفلسطينية مقطعة الأوصال في إطار فوضى شاملة جغرافياً وديمغرافياً.

ما يحدث إذن أن الجميع يذهبون إلى المفاوضات النهائية بخطوات غير مكتملة دون أن يحققوا شيئاً، ومادامت المعالجة ناقصة أصلاً فلن يكون من الممكن استكمال الحل على جبهة  القضايا الأكثر تعقيداً خصوصاً موضوع اللاجئين، لأن حل هذا الموضوع يقتضي اعتراف إسرائيل بنتائج هذه الحرب، والنتيجة الوحيدة  التي تقبل بها إسرائيل هنا هي قيامها بالذات، متجاهلة احتلال فلسطين وتشريد أهلها  والزج في المنطقة على مدى  خمسين عاماً في بؤرة توتر دائمة.

يبدو وكما أن باراك يسعى لدمج مرحلتي التفاوض معاً، ليصل إلى تطبيق انتقائي لما ينتج عنها، فإن مجرى العملية ككل يوحي بدمج مرحلتين مميزتين من الصراع وصولاً إلى معالجة انتقائية لمجمل نتائج هاتين المرحلتين.

ومن وجهة نظر الرواية  الفلسطينية للأحداث فإن معالجة المرحلة الأولى التي بدأت عام 1947 إنما يقوم وبالأساس على عودة اللاجئين مما من شأنه أن ينسف المقدمات( نظرياُ على الأقل) التي افتعلت الصراع.

المرحلة الثانية  تقتضي معالجتها جذرياً انسحاباً إسرائيليا كاملاً من الضفة والقطاع والقدس وإقامة الدولة الفلسطينية مرفقاً بعودة النازحين المهملين حتى الآن في إطار التسوية الجارية (تمت الإشارة في البند 12 من اتفاقية إعلان المبادئ في أوسلو إلى النازحين عام 1967 على أساس أنهم أشخاص مرحلين من الضفة والقطاع، ونصت على إنشاء لجنة مشتركة لمعالجة مشكلتهم)، إشكالية التسوية القائمة إذن قائمة في أحد الجوانب على الخلط والانتقائية في المعالجة والسؤال الذي يطرح هنا هل من الممكن الوصول في إطار هذه العملية اللاعقلانية إلى حل؟!

 

 

اللاجئون : ثنائية التوطين والعودة

لدينا  هنا مفردتين متضادتين لاتجتمعان، تنتميان إلى معسكرين فكريين وسياسيين متنافيين حتماً .

بالنسبة لإسرائيل، قامت ومنذ البداية بإقصاء كلمة العودة من قاموسها( ماعدا طبعاً مايخص القانون الملفق لعودة اليهود) لتحل مكانها مصطلح "الدمج والتوطين" الذي دأبت في المقابل الحكومات  العربية ومنظمة التحرير والشعب الفلسطيني على رفضه متمسكين بحق العودة الكاملة لللاجئين.

ولانعتبر هذا الموقف غريباً أو شاذاً بالنسبة لإسرائيل، فهو يأتي منسجماً مع السلسلة اللانهائية من العدوان المستمر ضد الشعب الفلسطيني بدءاً من قرار الحركة الصهيونية مدعومة من الاستعمار العالمي، إنشاء دولة لليهود على أرض فلسطين متجاهلة الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، ومتجاهلة الوقائع بحد ذاتها بوجود هذا الشعب واستمراره، تحت شعار ايديولوجي "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض" الذي عملت الحركة الصهيونية على تحقيقه بقوة المجزرة وسياسة الإبادة المنظمة التي لاحقت الشعب الفلسطيني إلى أصقاع الأرض في محاولة لتكريس الأيديولوجية التي روجتها بعدم وجود (ما يسمى) الشعب الفلسطيني حسب تعبير غولدامائير. ولكن على عكس رغبات الحركة الصهيونية بقي الفلسطينيون موجودون ، سواء في أرضهم بالذات في إفشال مباشر لفكرة الدولة اليهودية، عبر المليون فلسطيني الموجودين داخل إسرائيل، ويشكلون إزعاجاً حقيقياً سواء لليسار الإسرائيلي المتغطرس أو للرجعيين الصهاينة المتمسكين بنقاء دولة( هم) والكتلة الفاشية التي تقود إسرائيل وإن تغيرت وجوهها وأسماء قادتها، أو عبر الأربعة ملايين ونصف المليون فلسطيني الموجودين في المنفى وينتظرون بفارغ الصبر عودتهم إلى وطنهم، يواظبون  باستمرار على تنظيف مفاتيح بيوتهم وحفظها في حرز أمين، ناهيك عن ما يقارب الثلاثة ملايين الذين يواصلون بناء التحدي الكبير في الضفة الغربية وقطاع غزة رغم بؤس الاتفاقات وقمع المحتل ، وفساد السلطة.

يرتكز الموقف الإسرائيلي من مسألة اللاجئين على أربعة عناصر شكلت ثوابت هذا الموقف منذ 1948(1) أولها أن قضية اللاجئين ليس لها أي شيء خاص وهي نتيجة طبيعية للحرب،والمعروف أن أصواتاً إسرائيلية بالذات( المؤرخون الجدد مثلاً) (دون الحديث عن حركة ما تزين الضد صهيونية، ودون الحديث أيضاً عن الرواية العربية لما حدث) خرجت لتكذب هذه المقولة المتضمنة في الرواية الرسمية الإسرائيلية، وقد قدم بني موريس – مثلاً (وهو مؤرخ  دأب باستمرار على تأكيد صهيونيته)، قراءة جديدة لتاريخ إسرائيل الرسمي اعتماداً على ماتم الكشف عنه في الأرشيف، أظهرت بوضوح عمليات الطرد المنظم والمقررة سلفاً التي قامت بها الحركة الصهيونية ضد الفلسطينيين، وكمثال على هذه العمليات جمع المؤرخ الفلسطيني لكبير وليد الخالدي العمليات المتفرقة التي تشكلت منها خطته ( دالت)  الشهيرة، التي شكلت تغييراً حاسماً في الأهداف والسياسة للقيادة العليا في الهاغانا.

ورغم المزاعم الصهيونية بقبول خطة التقسيم الدولية، استهدفت العملية ( دالت) احتلال المدن والقرى العربية الواقعة في الجزء المخصص للعرب، عبر ثلاثة عشرة عملية منفصلة  بدأ تنفيذها في الأول من نيسان /ابريل عام 1948، بحيث يكون من المستحيل إقامة دولة فلسطينية عربية على النحو المقترح في المشروع، مع إفراغ كامل المنطقة التي يحتلها اليهود من العرب، ورغم أن  خمسة من هذه العمليات الـ13 لم تنجح وحققت سادسه نجاحاً جزئياً،  ولكن تدمير القرى بالعمليات الباقية كان كافياً لضمان أن يصبح جزء كبير من سكان فلسطين العرب لاجئين قبل انسحاب الجيش البريطاني، وكان قد تم قبل ذلك  تفريغ المدن الرئيسية الثلاث يافا وحيفا وعكا من سكانها العرب  وتمت السيطرة على المدينتين الرئيسيتين في الجليل الشرقي طبريا وصفد في 17-18 نيسان و19و10 أيار على التوالي، وهكذا مع وقوع المدن الرئيسية في أيدي الصهاينة لم يعد ثمة أمل للقرويين في المقاومة أكثر مما تسمح به مخزوناتهم من الذخيرة(2). ذلك كان مجرد نموذج فقط في سياق تكذيب هذا المزعم الصهيوني .

أما المرتكز الثاني في الموقف الإسرائيلي فهو أن مشكلة اللاجئين هي من صنع العرب لأنهم اعتدوا على إسرائيل، وناتجة عن العمليات الحربية للجيوش عام 1948 ومن دعوة القيادات العربية للسكان الفلسطينيين إلي مغادرة قراهم لتسهيل تقديم القوات، واليوم  بعد خمسين عاماً على النكبة ، تكشف الملفات ذاتها التي درسها المؤرخون الجدد كذب هذا الإدعاء ، كما تقول روز ماري صايغ، أن الإعلام الإسرائيلي في نيويورك هو الذي اخترع أسطورة أن الفلسطينيين غادروا بلادهم  بناء على أوامر الزعماء العرب، عندما كانت إسرائيل بحاجة إلى كسب ثقة الأسرة الدولية، ، ولكن الأدلة الوثائقية  لم تدعم قط مثل هذه الأسطورة، إذ تؤكد الوقائع أن الأوامر الصادرة بالراديو من قبل الهيئة العربية العليا في دمشق مطلع القتال( وهي محفوظة لدى هيئة الإذاعة البريطانية)  كانت تطلب من الفلسطينيين البقاء في بيوتهم، بل أن المفتي الحسيني طلب من مصر إلغاء التصاريح للفلسطينيين لكي يبقوا في أرضهم.(3)

ولكن واقع القرى العربية  التي كانت معزولة تماماً وتعاني غياباً كاملاً للإمدادات والمعلومات والتعليمات ولم يكن بها أية هيئة تنظيمية غير لجان الدفاع الخاصة مما كان يجعل القتال في مواجهة القوات الصهيونية المجهزة بكفاءة عالية شبه مستحيلة ، مع مارافق ذلك من مجازر وإرهاب وحشي جعل الفلسطينيون يدركون بشكل واضح أن ما يواجهونه ليس حرباً وإنما سياسة إبادة منظمة وعمليات تطهير عرقي مبرمجة سلفاً ومعد لها بحيث تنجح.

المرتكز الثالث هو أن العرب يتعمدون إدامة مشكلة اللاجئين ويستخدمون الفلسطينيين سلاحاً في صراعهم مع إسرائيل، ولكن هذه المقولة تسقط أمام الوقائع، فمن جهة، قامت إسرائيل باقتلاعها الفلسطينيين من بلادهم بخرق القانون الدولي عبر إجبار الدول العربية المجاورة وهي دول ذات سيادة على استقبال لاجئين من غير رعاياها بقوة الأمر الواقع، وهي التي تصر على إدامة هذه المشكلة برفضها المستمر لعودة هؤلاء إلى أرضهم، ومن جهة أخرى يتجاهل هذا الزعم موقف الفلسطينيين أنفسهم الذين يصرون على العودة إلى وطنهم ويصرون على أن صفة لاجئين التي يحملونها هي صفة مؤقتة تنتهي بالعودة وليس بالتوطين كما تحاول إسرائيل وأمريكا.

رابع هذه المرتكزات هو أن اللاجئين "عرب ببساطة" وأن العرب يملكون من الموارد ما يكفي لاستيعابهم وتوطينهم في بيئة مشابهة لبيئتهم الأصلية وإطار ثقافي اجتماعي مماثل. تتناقض هذه المقولة على مستويين أو لهما عربي، إذ ما الذي يجبر الدول العربية وهي دول ذات سيادة على تحمل أعباء إضافية لاستيعاب لاجئين من بلد آخر تحت تأثير قوة الأمر الواقع مما يشكل خرقاً لسيادة هذه الدول، بغض النظر عن الموضوع القومي  فالمسألة هنا هي قضية قانونية تتعلق بحق الفلسطينيين وليس بواجب العرب .

وثانيهما أنه حتى لو وافقت الدول العربية على هذا الخيار فإن الفلسطينيين لن يوافقوا  بالتأكيد.

ومن الواضح وجود إجماع فلسطيني سياسي وشعبي على رفض التوطين، والتمسك بحق العودة وفي ظل حالة الرفض الفلسطيني فإن أي موافقة عربية على التوطين ستخلق حالة من التوتر بين الطرفين وهو أمر لمصلحة إسرائيل بالطبع  فما الذي تريده الدولة العبرية أكثر من إشغال العرب بمشاكل داخلية ترجع مشكلتهم مع الإسرائيليين على الهامش.

أما موقف إسرائيل من حق العودة فيرتكز إلى أسس متعددة سياسية وأيديولوجية واقتصادية وأمنية، ويأتي من جميع الأطراف يسارا ويميناً ويجمع الجميع على رفضه.

فحق العودة يتنافى( من وجهة نظر إسرائيل) مع طبيعة الدولة العبرية وأساس إنشائها باعتبارها دولة لليهود، إضافة إلى أن الإعلان عن الموافقة على حق العودة يعني الاعتراف بمسؤولية إسرائيل عن مشكلة اللاجئين وهذا ما لا تريده لأنه ينسف مبدأ إن فلسطين هي أرض بلا شعب أحد مرتكزات  الأيديولوجية الاستيطانية، ورغم أن الصهاينة المؤسسين كانوا يعرفون تماماً أن هذه الأرض هي أرض عامرة بالسكان إلا إن أهم أدوات الدعاية الصهيونية تركز حول هذا الشعار بالذات ، وبالتالي فإن نسفه يعني نسف أحد الأسس المثبتة للتعاطف الدولي مع إسرائيل.

من جهة أخرى تعتبر القيادة الصهيونية أي عودة جماعية تهدد أمن إسرائيل وتستند هذه المقولة إلى مقولة الأمن الديمغرافي التي عملت على تحقيقها طوال خمسين عاماً.

وسنعود لاحقاً لتفصيل هذه المرتكزات .

حق العودة – التوطين- التعويض

بين الشرعية الدولية وقوة القانون:-

في الوقت الذي اتبع قانون اللاجئين إثر الحرب العالمية الثانية منحى توفير مسكن جديد أي إعادة التوطين والاعتراف بالحاجة إلى حماية هؤلاء الأشخاص من الاضطهاد دون التطرق إلى التعويض، وقد حكمت هذه الأطر ومازالت  النقاش حول اللاجئين والمهاجرين  في أوربا الغربية وكذلك في الحملة لإجبار الاتحاد السوفيتي السابق على السماح المواطنين اليهود بالهجرة إلى إسرائيل.(4)

أما في  الحالة الفلسطينية فقد كان الوضع مختلفاً نظراً إلى أن الحالة هنا حالة شعب كامل، وهؤلاء الفلسطينيون لا يريدون التوطين في مكان غير وطنهم ، من هنا جاء القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة الذي يؤكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة أو التعويض لمن لا يرغبون.

حق العودة الوارد في القرار رقم 194، ثابت أيضاً في القانون الدولي حيث نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 13منه:1- لكل إنسان  حق  حرية الانتقال والسكن ضمن حدود كل دولة.2-  لكل إنسان حق مغادرة أي بلد، والعودة إلى بلده. ولهذا أهميته ربطاً بالميثاق الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 الموقع من قبل إسرائيل الذي يستمد سلطته من الإعلان الآنف الذكر .

وقد أعادت الجمعية العامة سنة 1974 ومن خلال قرار الجمعية العامة رقم 3236  التأكيد على حق الفلسطينيين في تقرير المصير، فقد جاء في هذا القرار :-

1_تؤكد( الجمعية العامة) من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير القابلة للتصرف، وخصوصا(أ) الحق في تقرير المصير دون تدخل خارج (ب) الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين.2- تؤكد من جديد أيضاً حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا، وتطالب بإعادتهم.

وقد اكتسب القرار 194 نفوذاً ملزماً، إذ عاد المجتمع الدولي مائة وعشر مرات على مدى خمسين عاماً ليؤكد عليه مما أعطاه كما قلنا الإلزام نظراً لحيازته على إجماع دولي مستمر(5).

رغم هذا الإجماع وحزم الموقف الدولي إلا أن إسرائيل دأبت عملياً على رفض هذا القرار وعرقلة تنفيذه، عملياً لم تكن إسرائيل  تصوت ضد القرار كل مرة يعاد التأكيد عليه وإنما كانت تكتفي بالامتناع عن التصويت ويعود ذلك إلى أن الأمم المتحدة اشترطت عدم اعتراض إسرائيل على القرار لقبول ضمها إليها، وقد تغير الموقف الإسرائيلي بعد اتفاقات أوسلو التي أرجأت حل مشكلة اللاجئين إلى مفاوضات الحل النهائي وحولتها بالتالي إلى مشكلة بين طرفين( الفلسطيني والإسرائيلي) وليست مشكلة دولية، وهذا التحول جرى أيضا على موقف الولايات المتحدة الأمريكية التي كان مندوبها يبادر في كل انعقاد للجمعية العمومية إلى تقديم مشروع قرار يؤكد علىألـ194 ولكن بعد أوسلو حصل تحول جذري بتصويت أمريكا تماماً  كما إسرائيل ضد هذا القرار .

ثمة إشكاليات أخرى: تتعلق بتفسير القرار، فإسرائيل دأبت باستمرار على اعتباره مجرد توصية وليس قراراً ملزماً ولكن كما قلنا فإن المجتمع الدولي دأب وعلى مدى خمسين عاماً على تكرار التأكيد على هذا القرار وأعاد أيضاً تأكيد إلزاميته في القرار 3236 السالف الذكر.

ولعل أكثر الأسس التي تعتمد عليها إسرائيل في رفض تطبيق القرار194 هو الأساس الأمني- الديمغرافي، حيث يرى هؤلاء أن تطبيق حق العودة يشكل خطراً على وجود إسرائيل كونه  سيرفع بشكل كبير كثافة السكان العرب، وطبعاً هذا الخطر المزعوم ناجم عن طبيعة الدولة العبرية باعتبارها دولة لليهود والمشكلة ليست في هذا ( الخطر) وإنما في إصرار إسرائيل على أن تعيش كدولة غير طبيعية تعتمد على الأسطورة والدين(6) مبتعدة أكثر فأكثر من الديمقراطية وعن بناء مجتمع مدني، ومن جهة أخرى أُثبت على الدوام بطلان مثل هذه الحجة ففي دراسة ديمغرافية له أوضح الباحث الفلسطيني المعروف د. سلمان أبو ستة.(7)أن عودة لاجئي لبنان مثلا أن تؤثر على التفوق اليهودي، بل أن عودة جميع اللاجئين في غزة ولبنان لن يزيد عدد سكان إسرائيل إلا  بمليون شخص هو عدد المهاجرين الروس الذين جلبتهم  إسرائيل في التسعينات ويؤكد د. أبو ستة إن المسألة ليست مسألة أمن أو ديمغرافيا وإنما مسألة استبدال شعب بشعب، وثمة مزعم آخر أن اللاجئين أنفسهم لم يعودوا يرغبون بالعودة وبالتالي لاداعي لافتعال مشكلة ولكن هذا المزعم بكذبة اللاجئون أنفسهم وهم الذين يستمرون في القتال عقد من عشرات الآلاف من الشهداء من أجل  العودة، وقد بين استقصاء واسع النطاق أجري في حزيران 1995 لسكان القطاع والضفة عما إذا كانوا يؤيدون سلاماً مع إسرائيل  على أساس دولة فلسطينية  دولة فلسطينية في الضفة والقطاع والقدس مقابل التنازل عن الأراضي المحتلة سنة 1948 رفض 60% منهم هذا الخيار.

وقد  بينت عن الدراسات أن العودة كانت تأتي دائما كخيار أول للاجئين الفلسطينيين ضمن خيارات أخرى. وفي بحث أجرته بسمة قضماني درويش تبن أن نصف اللاجئين يريدون حق العودة نظرياً وعملياً، وفي العينة الأردنية طالب 70% بحرية إمكان الانتقال إلى الوطن في الوقت الملائم كشرط لأي حل.

أما بالنسبة للموقف الفلسطيني من حق العودة فهو يتمثل في الإجماع الشامل على رفض التوطين فالعودة هي حق للفلسطينيين غير قابل للطعن، والجوهر في الهوية الفلسطينية ولعل العودة إلى جانب القدس هي  الموضوع هي الموضوع الذي يحوز إجماعا وطنياً  فلسطينياً شاملاً لا نظير له وينظر الفلسطينيون إلى المناورات  الإسرائيلية لرفض حق العودة وتجاهله بغضب شديد. ويعتبرون إن هذه المناورات الإسرائيلية لرفض حق العودة وتجاهله بغضب شديد.ويعتبرون أن هذه المناورات لا تبشر بالخير(8) وهناك أربع مرتكزات في الموقف الفلسطيني ليس بالضرورة أن تأتي في حزمة واحدة أولها أنه في الحد الأدنى يطالب الفلسطينيون  باستفتاء حر مستقل لمعرفة مدى رغبة اللاجئين في العودة  وثانياً إن يحصل من لا يرغبون في العودة على ضمانات كاملة بتسوية أوضاعهم في البلاد المضيفة، وأن يكون لهم الحق في الحصول على الجنسية الفلسطينية إلى جانب أي جنسية أخرى، ثم ثالثاً يجب الإجابة على سؤال غاضب يطلقه الفلسطينيون هو كيف يمكن لإسرائيل أن تستوعب الملايين من المهاجرين اليهود وترفض استيعاب سكان البلد الأصليين؟

النقطة الرابعة هي رفض ما تلفقه إسرائيل عن وضع مشكلة اللاجئين الفلسطينيين مقابل ما تسميه (قضية) اليهود (المقتلعين) من البلاد العربية، والرد الفلسطيني يستند إلى ثلاث نقاط: الأولى أنه لا يوجد أي دليل على أن هؤلاء اليهود قد تم اقتلاعهم فعلاً من البلاد العربية ما عدا طبعاً العمليات الإرهابية التي افتعلتها الحركة الصهيونية وحلفائها من العرب، وإذا افترضنا جدلاً، وأؤكد، جدلاً أن هذا قد حدث فعلاً، فهذه ليست مشكلة الفلسطينيين؛ والنقطة الثالثة أن هؤلاء اليهود من البلدان العربية يجب ن يوجهوا طلبات التعويض إلى الحكومات العربية المعنية(9)، وربما أضيف هنا أن هؤلاء قد تخلوا عن جنسيتهم الأصلية طوعا واختاروا الذهاب إلى مكان آخر، وكان الأجدر بهم النضال (إذا كانوا مضطهدين) داخل بلدانهم الأصلية وأي شعب عربي لم يكن مضطهداً وما يزال؟!

لحق العودة الفلسطيني بعدين : وطني عام وفردي خاص، ويجب قبل كل شيء التنبيه إلى عدم الانجرار وراء بعض الآراء القانونية التي تقول أن حق العودة وضع للأفراد فقط دون الجماعات، وهذا ما يفنده الرجوع إلى محاضر جلسات المادة [12] "العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية " حيث أن "مفردات النص وروحه" حسبما أقرته اتفاقية فيينا توضح تماماً شمول الجماعات بهذا الحق(10) .

إلى ذلك فعلى الصعيد الوطني يمثل حق العودة ضرورة للشعب الفلسطيني ليستعيد مجرى تاريخه الطبيعي ويكرس هويته على أرضه، حيث نجمت مشكلة اللاجئين عن عدوان تعرض له هذا الشعب وأدى إلى اقتلاعه من أرضه وتدمير كيانه السياسي وبناه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وبالتالي فقد وقع الظلم على هذا الشعب باعتباره جماعة بشرية مستقرة ومتحضرة لها شخصيتها الاعتبارية(لا ينفي هذا وقوع الشعب الفلسطيني تحت عدوان آخر مهد لهذا العدوان أعني الاحتلال البريطاني)، وقد أدى العدوان إلى خسائر مادية عامة ضخمة إضافة إلى فقدان الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني وعمليات التطهير العرقي والطرد وجرائم الحرب، وهذه كلها تستدعي التعويض جنباً إلى جنب مع حق العودة.

أما بالنسبة لحق الأفراد فقد أدت عمليات الطرد إلى خسائر فادحة فإضافة إلى فقدان مصادر الرزق والممتلكات الشخصية، هناك الخسائر المعنوية وعلى سبيل المثال المعاناة النفسية ومضاعفات الانفصال والتشتيت الأسري والتعذيب والاضطهاد وجرائم الحرب وكلها نص القانون الدولي بالحق في التعويض عنها وهناك أسبقيات قانونية لهذا الموضوع، وهذا لا ينفي حق العودة كما قلنا.

فالتعويض إذن لا يتنافى مع العودة بل هو شرط لازم وضروري يجب ربطه به حتى تتحقق العدالة كاملة، فالعودة تعالج مشكلة المغادرة القسرية لأرض الوطن، ولكن ماذا عن الخسائر المتراكمة على مدى أكثر من خمسين عاماً وإجبار مئات الآلاف من الناس والملايين من سلالتهم تغيير مجرى حياتهم والعيش في مكان آخر قسرياً؟! ومما يدعو للاستغراب وضع هذين الحقين في حالة تضاد كأن أحدهما ينفي الآخر وهذا ما يجب أن يتنبه له الفلسطينيون ويقاوموه بقوة.

وماذا بعد؟

لعل من أكبر أخطاء أوسلو(وهي كثيرة جداً) تجاوزه قضية اللاجئين (إلى جانب القضايا الأخرى الاستراتيجية) وتأجيلها إلى مفاوضات الحل الدائم، مما أدى إلى تراجعها من مشكلة دولية يتحمل مسؤوليته المجتمع الدولي إلى مشكلة تفاوضية بين طرفين مما أدى أيضاً إلى التراجع الكبير في إسناد وتأكيد حق العودة، برز ذلك كما أسلفنا في الموقف الأمريكي والتصويت الإسرائيلي ضد القرار وفي سياسات الأنروا الأخيرة وعودة مشاريع التوطين والدمج والتهجير لتطل برأسها من جديد(11).

وللأسف لا يوجد ضمانات بأن المفاوضين الفلسطينيين لن يتنازلوا من جديد، وبالتالي فان مجمل الحقوق الفلسطينية(ما تبقى منها في الحقيقة) سيبقى مهدداً بخطر العجز الشامل على الجبهة التفاوضية والتنازلات الدائمة للقيادة السياسية.

ومن هنا يأتي دور المجتمع المدني الفلسطيني والمنظمات السياسية (التي تزعم أنها مازالت حية) للعمل على تطويق ووأد أي محاولة لتجاوز حق العودة والتعويض (معاً) وتصفية مشكلة اللاجئين على أسس غير عادلة.

إن المطلوب أولاً العمل على رفع مستوى الوعي لدى الشعب الفلسطيني اللاجئ وخصوصاً لدى الجيل الشاب بأهمية التمسك بهذا الحق والالتفاف معاً لتحقيقه.

يضاف إلى ذلك مواصلة التصدي لمحاولات تصفية وكالة الغوث باعتبارها شاهداً دولياً على معاناة الفلسطينيين، وكذلك التصدي لمحاولات الدمج والتوطين والتهجير عبر تفريغ مشكلة اللاجئين من محتواها السياسي وتحويلها إلى مجرد مشكلة إنسانية يتطلب حلها بضعة ملايين من الدولارات.         

الهوامش:

1- سلام، نواف. بين العودة والتوطين: أي حل لمستقبل الوجود الفلسطيني في لبنان. الدراسات الفلسطينية 19 صيف 1994. ص[29-48]

2-لمزيد من التفاصيل حول هذه العمليات يمكن مراجعة : صايغ،روز ماري. الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع إلى الثورة. ت:خالد عايد. مؤسسة الأبحاث العربية. ط1 ع 1980 . ص (90-91 ..).

ولمزيد من المعلومات حول عمليات الطرد يمكن مراجعة (مثلاً): بالومبو، ميخائيل. كيف طرد الفلسطينيون من ديارهم عام 1948. دار الحمراء. ط1بيروت 1990. وأيضاً كتابات وليد الخالدي، بيان نويهض الحوت، نور الدين مصالحة، وغيرهم كثيرون.

3-صايغ. مصدر سبق ذكره. ص(79-80).

4-زريق،ايليا. اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة. مجلة الدراسات الفلسطينية عدد19 صيف 1994.ص(68-81)

5-أبو ستة، د.سلمان. سياسة الترحيل والتوطين في الفكر الصهيوني. جريدة السفير 25/8/1999.

6-من المفارقات أن أستاذ علم الاجتماع في الجامعة العبرية باروخ كيمرلنج، وفي إطار تعليقه على كتاب عالم الاجتماع الفلسطيني ايليا زريق (اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة) يقول أن المطالبة بعودة الأشخاص إلى بيوتهم وأحيائهم هو نوع من التفسير الأسطوري الأيدلوجي لحق العودة، بينما يتجاهل الأسطورية والأيدلوجية في ما يسمى (حق العودة) اليهودي إلى مكان يزعمون أنهم كانوا موجودين فيه قبل 3000 عام واستفاد منه كيمرلنج شخصياً، ويجب لفت الانتباه إلى أن كيمرلنج يستند في تحليله إلى مقولة ينسبها إلى روز ماري صايغ "كنا نعيش في الجنة" مع العلم أن صايغ قد سجلت هذه المقولة على لسان لاجئة فلسطينية في كتابها الفذ عن تسجيل حياة وتشرد الفلاحين الفلسطينيين.

-        كيمرلنج،باروخ. حق العودة :كم والى أين. الدراسات الفلسطينية 36-خريف 1998 ص(148-156).

7-   أبو ستة. مصدر سابق.

8-   زريق. مصدر سبق ذكره.

9-   زريق. مصدر سابق    

10-أبوعيد،د.عبدالله. اللاجئون وحق العودة. الهدف 1295. ص(13-15). 

11- مقابلة مع صلاح عبد ربه سكرتير اللجنة التحضيرية لمؤتمر اللاجئين الأول في بيت لحم 1996. دورية رؤية أخرى العدد الخامس ص[25-27].


 
< Prev   Next >
website statistics