الوضع القانوني للسكان الفلسطينيين في القدس

عملت حكومات "إسرائيل" المتعاقبة منذ قيامها على جعل شعار "القدس عاصمة إسرائيل الأبدية" أمرا واقعا، لتكرس ألان على الأرض شعار "إسرائيل دولة يهودية عاصمتها القدس الموحدة" كمبدأ لأي حل للقضية الفلسطينية، لتشهد مدينة القدس المحتلة مؤخرا هجمة غير مسبوقة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي تمعن في ممارساتها وانتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي بحق المدينة المحتلة وسكانها الفلسطينيين، وذلك في سباق محموم من اجل تهويد المدينة وإحكام السيطرة الإسرائيلية عليها كأمر واقع، فبعد احتلال وضم المدينة لتصبح عاصمة دولة "إسرائيل"جرى تغيير حدود المدينة وتركيبها الديموغرافي، ناهيك عن عملية عزل المدينة بجدار الضم والتوسع " حاضن القدس" عن باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتشهد القدس زيادة موتورة في عملية الاستيطان، والإمعان في محاولات الاستيلاء على الأرض والممتلكات تحت مسميات شتى، كما والضغط على مواطنيها الفلسطينيين لدفعهم لهجرة المدينة، بتضييق الخناق عليهم بكافة السبل كمنع البناء وهدم البيوت، وكل ذلك يندرج في سلسلة السياسات الإسرائيلية الدءوبة التي بدأت منذ اللحظة الأولى للاحتلال ، من اجل تغيير واقع وهوية المدينة المحتلة، الأمر الذي دفع البعض مؤخرا لوصف سيل الانتهاكات الإسرائيلية بحق السكان الفلسطينيين في القدس بالتطهير العرقي، وهو ما يوجب إلقاء الضوء على وضع المدينة وسكانها الفلسطينيين القانوني.
احتلال وضم مدينة القدس
بقيت القدس جزءًا من فلسطين ولم تتميز عن سائر أجزائها، حتى اتخاذ الأمم المتحدة بتاريخ 29-11-1947 قرار تقسيم فلسطين لدولتين، دولة عربية وأخرى يهودية، لتمنح القدس حسب قرار التقسيم رقم 181 مكانة "كيان منفصل” (Corpus Separatum)، تتولى الأمم المتحدة إدارته بنظام دولي خاص، ولتكون القدس بحسب هذه الصيغة منطقة حياديه منزوعة السلاح وخالية من أيّ نشاط عسكري(أيوب،2008: 30)، غير أن قرار التقسيم لم ينفذ نتيجة اندلاع الحرب بين الدول العربية والحركة الصهيونية، فكان أن قامت العصابات الصهيونية باحتلال الجزء الغربي لمدينة القدس وتعمل على تشريد كل سكانها العرب ليصبحوا لاجئين، في حين سيطرت القوات الأردنية على البلدة القديمة والأحياء المحيطة فيها"الجزء الشرقي"، لتكمل إسرائيل بعد حرب حزيران 1967 احتلال ما يُعرف "بالقدس الشرقية".
حيث قامت إسرائيل منذ اللحظة الأولى لاحتلالها المدينة عام 67 بالعمل على تغيير وضعها القانوني وواقعها وهويتها السياسية والسكانية، بواسطة سن القوانين ووضع ترتيبات جديدة ، فبتاريخ 25-6-1967 قدمت الحكومة الإسرائيلية ثلاثة مقترحات لمشاريع قوانين بخصوص القدس، تمثلت بقانون تعديل قانون أنظمة السلطة والقضاء (رقم 11) لسنة 1967 ليصبح من الممكن تطبيق القانون وأنظمة السلطة و الإدارة بواسطة إصدار أوامر حكومية في جميع المناطق التي تعتبر جزءا من "أرض إسرائيل"، وثانيا قانون تعديل نظام البلديات (رقم 6) لسنة 1967 بحيث بسطت بلدية القدس الغربية نفوذها على القدس الشرقية، وثالثا قانون المحافظة على الأماكن المقدسة لسنة 1967(حلبي،2001: 10)، ثم لتقوم في26-6-1967 بمنع التجول على مدينة القدس وإجراء إحصاء للسكان، معتبرة أن جداول الإحصاء هي الحكم في إعطاء بطاقات الإقامة للفلسطينيين في القدس، وان من كان خارجها قد فقد حقه في العودة لها(التفكجي)، حيث تبين أن 66000 مواطن فلسطيني يعيشون داخل حدود المدينة آنذاك ليشكلوا ما نسبته 100% من سكان القدس الشرقية، حيث اقر البرلمان تلك القوانين في 27-6-1967، ليتلو ذلك سماح الكنيست بتطبيق ترتيبات خاصة بشأن السكان بواسطة تعديل قانون "أنظمة القضاء والإدارة" عام 1970، من اجل إخضاع الفلسطينيين بشكل كامل للقانون الإسرائيلي، حيث أكملت إسرائيل إجراءات ضم القدس الشرقية لها من خلال سن قانون أساس: " القدس عاصمة إسرائيل" الذي صادقت عليه الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 30-7-1980 الذي ينص على أن " القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل "(حلبي،2006).
التبرير القانوني الإسرائيلي لسياساتها تجاه القدس
لم تكتفي إسرائيل برواية الحق التاريخي الإيديولوجية التي رافقها ادعاء كون فلسطين " ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" فتسلحت "إسرائيل" باجتهادات فقهائها في القانون الدولي الذين قدموا آراء وتحليلات قانونية معقدة لإضفاء الشرعية على سياسات إسرائيل تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها " القدس الشرقية "، حيث تدعي وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية أن القانون الدولي يدعم موقف إسرائيل من مسألة السيادة على " القدس الشرقية "، أما " القدس الغربية " فإن سيادتها عليها مفروغ منها، وليست هناك ادعاءات فلسطينية مناقضة وليس للفلسطينيين مطالب معينة فيها (حيدر،2009)، فقد بني الموقف الرسمي الإسرائيلي تجاه فلسطين التاريخية بما فيها القدس على نظريات متعددة مثل نظرية فراغ السيادة الذي نادى به البروفيسور يهودا بلوم (أستاذ القانون الدولي العام في جامعة تل أبيب ومندوب "إسرائيل" الأسبق في الأمم المتحدة) حيث ادعت تلك النظرية بان عدم وجود كيان سياسي فلسطيني (في الفترة الممتدة ما بين تنازل الإمبراطورية العثمانية عن أراضيها اثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى التي خضعت فيها فلسطين لنظام الانتداب وحتى عام 1948) يعني عدم وجود سيادة لأحد على ارض فلسطين، ولهذا فهي حق لليهود الذين أتوا لها وأقاموا دولة إسرائيل عليها، وعليه فان هذا يعني شرعية وجود إسرائيل وسيادتها على القدس كلها.
حيث تمكن المغالطة لقواعد القانون الدولي في تجاهل حقيقة أن تنازل الدولة عن إقليم ما تحت سيادتها ينقل السيادة إلى سكان هذا الإقليم الأصليين، وبالتالي يصبح للفلسطينيين الحق في تشكيل الدولة المستقلة أو الانضمام إلى دولة قائمة، لان السيادة تكون قد انتقلت إلى الشعب الفلسطيني الذي خضع إقليمه للانتداب البريطاني وفقًا لقرار الانتداب الصادر عن عصبة الأمم، والذي كان يحمل في طياته معنى معاونة شعب الإقليم الخاضع للانتداب على الحصول على حقهم في تقرير المصير، وتشكيل دولتهم المستقلة عندما يكونون مستعدين لذلك، ذلك أن الشعب الفلسطيني هو صاحب ذلك الإقليم كونه يشكل غالبية سكان فلسطين آنذاك، لذلك فإن القول بأنه لم يكن للفلسطينيين دولة قبل 1948 يعني عدم وجود سيادة لأحد على ارض فلسطين، هو أمر يتنافى مع قواعد القانون الدولي المعاصر .
كما يرى الموقف الرسمي الإسرائيلي أن نظرية الدفاع الشرعي الوقائي تدعم شرعية سيادة "إسرائيل" على " القدس الشرقية"، ذلك أن إن الأردن كان قد احتل القدس الشرقية عام 1948 عن طريق عمل عدائي مستخدماً القوة العسكرية، ولذلك فليست هناك حقوق سيادية للأردن عليها حسب القانون الدولي ، ناهيك إن خط الهدنة لعام 1949 والذي قسم المدينة إلى جزأين لم يعتبر حدوداً نهائية، في حين نصت اتفاقية الهدنة بشكل واضح على أن الاتفاق بين إسرائيل والأردن لا يمس بحقوق الطرفين، ولا يؤثر على ادعاءاتهما بالنسبة للسيادة على المدينة ، ولذلك فان ضم مدينة القدس الشرقية ومعها كل الضفة الغربية للمملكة الأردنية عام 1950 كان إجراءً مناقضاً للقوانين الدولية وليس شرعيا ، وعلى اعتبار أن الأردن قد خرق اتفاقية الهدنة عام 1967 عندما أعلن الحرب على إسرائيل، فان هذا يمنح إسرائيل الحق في إلغاء الاتفاقية، كما إن احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967 كان نتيجة إجراء دفاعي، ولذلك فهو قانوني ويمنحها حق السيادة على هذا الجزء من المدينة (حيدر،2009)، وبالنتيجة فان إسرائيل أيضا غير ملزمة بتطبيق القانون الدولي الإنساني على الأراضي الفلسطينية .
وهنا لا تستطيع هذه المحاججة الصمود أمام مبادئ وقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تؤكد كون الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس هي أراضي محتلة ويتوجب تطبيق القانون الدولي الإنساني عليها، هذا وفي حالة التسليم النظري بعدم إلزامية إسرائيل بنصوص معاهدة جنيف، فان "إسرائيل" ملزمة باحترام اتفاقيات لاهاي لعام (1899 و 1707) على اعتبار أنهما تشكلان جزءًا من القانون الدولي العرفي، والقانون الدولي العرفي يمتاز بكونه ملزمًا لجميع الدول سواء من شارك في صنعه أو من لم يشارك في صنعه، وسواء كانت الدولة موجودة وقت صنع قواعده أم لا.
موقف القانون الدولي
حرّم ميثاق الأمم المتحدة ضم الأراضي والأقاليم عن طريق استخدام القوة، وألزم القوات المحتلة بعدم التصرف في الإقليم إلا بالحدود الضيقة التي تستوجبها إدارة الإقليم وهي إدارة مؤقتة اقتضاها واقع الاحتلال القسري للإقليم، وعليه فإن تصرفات سلطات الاحتلال الصهيوني في القدس مقيدة في حدود ما استقر عليه القانون الدولي وقواعد الاحتلال العسكري بالذات، وإن أي إجراء مخالف لتلك القواعد لا يرتب أي أثر قانوني وهو تصرف باطل ومخالف للنظام القانوني الذي استقر عليه وضع القدس في الأمم المتحدة، عبر مجلس للوصاية يتولى إدارة المدينة، في حين أن ذلك لا يرتب نقل سيادتها التي هي ملك لسكانها ، وبذلك تعتبر إسرائيل سلطة احتلال بالنسبة لكامل المدينة، وأن التهاون من قبل المجتمع الدولي في إجبار الكيان الصهيوني على الالتزام بمقرراته لا يغير من الوضع القانوني شيئًا مهما كانت الذرائع الصهيونية حول شرعية هذا الضم.
يؤكد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية على أن مدينة القدس كغيرها من أراض عام 67 هي أراضي فلسطينية محتلة ، حيث نص على ذلك قرارا مجلس الأمن 242 (1967) و 338 (1973)، وهي بموجب ذلك تنطبق عليها أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، كما جرى التأكيد على عدم الاعتراف بقانونية وشرعية الإجراءات الإسرائيلية التي تجاهلت القانون الدولي، فقد أصدرت الجمعية العامة القرار (2253) 4/7/1967 الذي دعا الكيان الصهيوني إلى إلغاء كافة التدابير المتخذة بشأن القدس والامتناع عن أي عمل من شأنه تغيير وضع المدينة، ثم ليتكرر نفس المضمون بالقرار (2254) 14/7/1968 ، حيث اعتبر جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية والأعمال التي قام بها الكيان الصهيوني والتي من شأنها تغيير الوضع القانوني للقدس هي إجراءات باطلة، ولا يمكن أن تغير من وضع القدس كمدينة محتلة، كما تلي ذلك قرار مجلس الأمن (252 8/1968(الذي اعتبر كافة الإجراءات والأعمال والتشريعات الإدارية التي اتخذتها "إسرائيل" بما فيها انتزاع الأراضي والممتلكات والتي من شأنها تغيير الوضع القانوني للقدس باطلة وعاجزة عن تغيير هذا الوضع القانوني، ليأتي الرد على ما أصدرته الحكومة الإسرائيلية في 31/7/1980 والمتمثل في القانون الأساسي للقدس والذي تضمن إعلان القدس الموحدة عاصمة أبدية للكيان الصهيوني، حيث أصدر مجلس الأمن القرارين (476) و (478) في حزيران وآب 1980 والذي وجه اللوم إلى "إسرائيل" بسبب صدور ذلك القانون وأكد أنه يخالف القانون الدولي، وليس من شأنه أن يمنع استمرار سريان اتفاقية جنيف الرابعة 1949 على القدس.
هذا وقد تم إعادة التأكيد في فتوى محكمة العدل الدولية الصادر في 9 تموز 2004، والمتعلقة بالآثار القانونية الناشئة عن تشييد الجدار من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، بان موقف القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية تؤكد على عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة والتي تعتبر القدس مدينة محتلة تنطبق عليها قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني وبخاصة اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 التي صادقت عليها إسرائيل، إضافة إلى أن مدينة القدس ينطبق عليها الأنظمة الملحقة بلائحة لاهاي للعام 1907، حيث كان من أهم ما تضمنته الفتوى تأكيدها على جملة من المبادئ القانونية أهمها التأكيد على انطباق وصف الأراضي المحتلة على الأراضي الفلسطينية وبالتالي انطباق وسريان مواثيق القانون الدولي الإنساني على العلاقة الناظمة لحقوق والتزامات دولة الاحتلال في الأراضي الفلسطينية فضلا عن حقوق الفلسطينيين كمدنيين خاضعين للاحتلال، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني المشروع بتقرير المصير، إضافة إلى التأكيد على التزامات دولة الاحتلال الإسرائيلي المتعلقة باحترام وتطبيق مواثيق القانون الدولي لحقوق الإنسان ( العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الطفل)، كما والتأكيد على حظر اكتساب وضم أقاليم الغير بالقوة وعلى وجوب احترام دولة الاحتلال الإسرائيلي لهذا المبدأ على صعيد الأراضي الفلسطينية المحتلة.
السكان الفلسطينيين في القدس
وعليه وعوض أن تحكم العلاقة ما بين إسرائيل كقوة محتلة وبين القدس وسكانها الفلسطينيين قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني وأهمها اتفاقية جينيف الرابعة لحماية المدنيين في زمن الحرب لعام 1949، إضافة إلى أنظمة لاهاي الملحقة باتفاقية لاهاي لعام 1907، تجاهلت إسرائيل تلك الأحكام والقواعد المتمثلة في احترام حقوق مواطني القدس كسكان مدنيين تحت الاحتلال حسب القانون الدولي، ولتضم القدس لها كعاصمة وهو ما ينافي القانون الدولي، معتبرة سكانها الفلسطينيين مقيمين دائمين فيها وليسوا مواطنين، فلم يصحب ضم المدينة ضم للسكان ليكونوا مواطني الدولة التي ضمت لها القدس، حيث أبقت إسرائيل على الجوازات الأردنية التي يحملها السكان ثم منحتهم الهوية الإسرائيلية كمؤشر للإقامة الدائمة في إسرائيل(الحلبي،2008: 8).
وبهذا حاولت إسرائيل تغيب الهوية الفلسطينية عن القدس، معتبرة أصحابها الفلسطينيين"أجانب" يقيمون إقامة دائمة في القدس عاصمة إسرائيل دون أن يكونوا مواطنين فيها، وهكذا لم تعتبرهم مواطنين مدنيين تحت الاحتلال ولا مواطنين في إسرائيل، وفي كلا الحاليتين كان الهدف هو جعل حق البقاء للفلسطينيين في القدس غير دائم ، ذلك أن الاختلاف ما بين حق المواطنة وحق الإقامة الدائمة هو أن الأخير يمكن أن يسحب تحت أي ظرف وأي وقت خلافا للمواطنة التي لا يحق لأحد سحبها إلا في حالات محددة تتعلق بأمن الدولة، فقد طبقت إسرائيل على الفلسطينيين في القدس قانون الإقامة لسنة 1952 وتعديلاته لسنة 1974 بما فيها الأمر رقم 11 لأنظمة الدخول والذي يقضي بشروط وتعليمات خاصة متعلقة بالإقامة لكل من يدخل إسرائيل وبذلك اعتبرت جميع الفلسطينيين المقيمين في القدس قد دخلوا إلى إسرائيل بطريقة غير شرعية في الخامس من حزيران، ثم سمح لهم بالإقامة في القدس كفلته " إنسانية دولة إسرائيل "، وبذلك فهم ليسوا مواطنين وإنما أجانب يقيمون إقامة دائمة داخل إسرائيل، ولذلك فكل من يغير مكان إقامته منهم لخارج إسرائيل أو خارج حدود بلدية القدس يفقد حقه في الإقامة ويبعد خارج البلاد(التفكجي)، وهو الأمر الذي ينافي قواعد القانون الدولي، ففي المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1949 تأكيد على حق الإنسان في بلده الأصلي والتي جاء فيها:" أن لكل فرد حرية التنقل ، وفي اختيار محل إقامته داخل حدود دولته"، كذلك الأمر بالنسبة للعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 حيث أكدت المادة 12 على أن لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته.
وضعت السلطات الإسرائيلية ترتيباً خاصاً بالنسبة للجنسية، فقد سمحت للسكان الفلسطينيين بالحصول على الجنسية الإسرائيلية إذا تقدموا بطلبات الحصول عليها بمحض إرادتهم ولكنها لم تفرضها عليهم، ليصبح القانوني لسكان القدس الذين لم يحصلوا على الجنسية فهو نفس وضع من يحصلون على تصريح بالإقامة الدائمة، حيث يسكن القدس حوالي 254 ألف فلسطيني يحملون الهوية الزرقاء والتي تعتبر مؤشرا لكونهم مقيمين دائمين، فحتى نهاية عام 2005 قدرت دائرة الإحصاء المركزية أن 93% من السكان العرب في القدس يتمتعون بمكانة مقيم دائم و5% بمكانة مواطن حصلوا عليها من خلال التجنيس و2% مكانتهم غير محددة(الحلبي،2008: 10).
كما انه وبعد ضم إسرائيل للقدس الشرقية ومنحها المقدسيين العرب الهوية الإسرائيلية التي تعبر عن الإقامة في إسرائيل وليس المواطنة، والإبقاء على جنسيتهم الأردنية، باشرت في وقت لاحق القيام بحملة منظمة تلخصت بسحب الهوية من المواطنين العرب وذلك في إطار إفراغ المدينة من سكانها العرب، حيث يتم سحب الهويات في حالات عدة منها إن ثبت مكوث هؤلاء فترة سبع سنوات خارج القدس حتى لو كانت في المناطق المحتلة المحاذية لمدينة القدس مثل الرام وابوديس وبيت لحم والعيزرية باعتبارها تقع خارج حدود القدس الكبرى(حلبي،1997: 79-97)، كما سعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي للتحكم بكافة جوانب حياة الفلسطينيين في القدس والسيطرة على معظم المقدرات والمميزات التاريخية والأثرية والدينية والمعمارية للمدينة وحاولت طمس معالم الحضارة العربية الإسلامية التي تتميز بها القدس، واستقدام السياح والحجاج الأجانب وتوظيف الدخل الهائل لهذا القطاع في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي وحرمت العرب الفلسطينيين من حق الانتفاع بهذه المقدرات بان سيطرت على معظم المرافق الاقتصادية والسياحية في المدينة ووضعتها في أيدي بلدية القدس التابعة لسلطات الاحتلال والمستوطنين متجاهلة بذلك القرارات والاتفاقيات الدولية التي تحظر على دولة الاحتلال السيطرة على موارد إقليم محتل وتوظيفها في خدمة اقتصادها الوطني ومواطنيها(ايوب2001: 197)، وهو ما جاء في المادة 55 من لوائح لاهاي الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية، وأكدت عليه اتفاقية جينيف لعام1949 والبروتوكول الأول المكمل لاتفاقيات جينيف لعام 1977.
وعليه منح سكان القدس الفلسطينيين الذين لم يحصلوا على الجنسية الإسرائيلية وضعاً خاصاً، ضمن لهم مكانة المقيمين الدائمين وعدداً من الحقوق المدينة وأهمها:
- حقوق الترشيح والتصويت للبلدية .
- حقوق اجتماعية مثل مخصصات التأمين الوطني والتأمين الصحي .
- حق العمل في المؤسسات الإسرائيلية .
- حق التنقل في البلاد (حيدر،2009).
غير أن هذا الوضع أخضعهم للقوانين والأنظمة الإسرائيلية مثل تطبيق القضاء الإسرائيلي ونظام الضرائب، إلا أنه من الناحية الفعلية لم تطبق عليهم جميع القوانين ، بل تم إعفاء السكان الفلسطينيين في القدس من توفير الشرط الأساسي للحصول على بعض الحقوق وهو الجنسية الإسرائيلية، والتي يتطلب الحصول عليها قسم الولاء للدولة كشرط أساسي، وقد تكون أبرز مثل على ذلك السماح للمقدسيين بالعمل في المؤسسات الرسمية كموظفي دولة في عدد من المجالات مثل جهاز التعليم، ومكاتب العمل، ووزارة الداخلية، والشرطة وغيرها .
وعليه فان ما تصبو إليه إسرائيل من خلال التلاعب بالوضع الديموغرافي للمدينة، هو من اجل في ضمان أكثرية يهودية في القدس، حيث قامت السلطات الإسرائيلية بعد الاحتلال عام 1967 ، برسم حدود جديدة للمدينة، حيث أخرجت الخارطة الجديدة من حدود البلدية عدداً من التجمعات السكانية الفلسطينية، واستخدمت أساليب مختلفة لدفع باقي السكان، في المناطق الواقعة داخل المدينة، للانتقال إلى هذه التجمعات ومنحتهم نفس حقوق سكان المدينة، وفي نفس الوقت تم ضمّ وإدخال مناطق أخرى غير مأهولة بالسكان لبناء مستوطنات جديدة، أما في العام 1992 فقد تم توسيع حدود المدينة من جهتها الغربية بهدف رفع نسبة السكان اليهود، في حين توج جدار الضم والتوسع "حاضن القدس" مخططات إسرائيل التي تلخصها فكرة "أوسع رقعة من الأرض مع اقل عدد من السكان"، إضافة إلى سن قانون مؤقت الجنسية والدخول إلى إسرائيل لسنة2003 والمتعلق بلم شمل الأزواج المقدسيين والفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة والذي يهدف للحد من إعطاء وضع المقيم الدائم لأي زوج جديد (حلبي،2006).
خلاصة
ومما لا شك فيه أن قرار ضم المدينة لتصبح عاصمة الدولة العبرية خلق وضعا مضللا ومعقدا، لتأتي هذه الخطوة من اجل إيهام الرأي العام العالمي أنها مجرد إجراء إداري تتخذه السلطات الإسرائيلية من اجل تسيير العمل الإداري والبلدي في المدينة، لحين إحكام السيطرة عليها وفرض أمر واقع أمام المفاوضات السياسية التي لم يتمترس فيها المفاوض الفلسطيني خلف القانون الدولي، في حين أن وضع السكان لا ينفصل عن وضع المدينة المحتلة، ليكون خاضعين في النهاية لسيطرة قوة احتلال، وان كانت طريقة التعامل معهم لا تستند إلى أسس القانون الدولي الخاصة بالسكان المدنيين تحت الاحتلال.
المصادر
- حلبي، أسامة،1997. الوضع القانوني لمدينة القدس ومواطنيها العرب، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.
- حلبي، أسامة، 2008. المكانة القانونية لسكان القدس، الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس، القدس.
- حلبي، أسامة،2001. حدود المكان ووجود الإنسان، مركز القدس للمساعدة القانونية، رام الله.
- حلبي، أسامة، 2006.القانون والقضاء الإسرائيليين،الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس، القدس.
- أيوب، نزار، 2001. الوضع القانوني لمدينة القدس، مؤسسة الحق، رام الله.
- أيوب، نزار،2008. التهجير القسري والتطير العرقي..انتهاكات إسرائيل لحق الفلسطينيين في الإقامة في القدس، الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس، القدس.
- التفكجي، خليل. الديموغرافيا وجدار الفصل في تهويد القدس، الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس، القدس.
- حيدر، عزيز،2009.السياسة الإسرائيلية تجاه مستقبل القدس، المركز الفلسطيني للإعلام، www.palestine-info.info/ar



