الخميس 17 أيار/مايو، 2012

المفاهيم والقيم الاخلاقية والمجتمعية العربية وافاق المستقبل

 

gazy_sorany

في تناولي لهذا العنوان ، أرى ان من المفيد الاشارة إلى حالة الاخلاق العربية الاسلامية الراهنة كامتداد تاريخي بالمعنى الجزئي ، ولكن الجوهري في بعض الجوانب ، مع المفاهيم والقيم الاخلاقية والمجتمعية التي سادت في التاريخ القديم وتواصلت مع التاريخ الحديث والمعاصر . اما المسألة الاخرى في هذا التناول ، فهي تعود إلى الفجوة بين ما تضمنته –وما زالت- اللغة العربية من مفاهيم ومعاني احتوت على كثير من المبالغات اللفظية في المدح أو الذم أو الشجاعة أو التفاخر ، رغم ان الواقع المعاش سواء في التاريخ القديم أو اللحظة الراهنة يتناقض كليا أو جزئيا مع تلك المضامين والمعاني ، وذلك يعود –من وجهة نظري- إلى طبيعة التطور الاجتماعي والاقتصادي المشوه تاريخيا وراهنا من ناحية ، وبتأثير التراث الغيبي وضعف نمو وانتشار الرؤى التنويرية أو العقلانية أو الحداثية بحكم قوة التخلف واحتجاز التطور من ناحية ثانية ، بحيث أدى كل ذلك إلى انتاج وترسيخ علاقات اجتماعية وقيمية جاءت انعكاسا طبيعيا لبنية التخلف في الواقع الاجتماعي العربي ، وبالتالي فإننا نلاحظ استمرار سيادة أو هيمنة هذه العلاقات أو الاتجاهات القيمية في الثقافة العربية حتى اليوم عبر مجموعة من الاتجاهات القيمية يحددها د.حليم بركات كما يلي :
1. قيم القضاء والقدر وقيم الاختيار الحر .
2. الصراع بين القيم السلفية والقيم المستقبلية (في تعاملنا مع الحاضر هل نعود إلى الماضي ام نتوجه إلى المستقبل ..؟) .
3. قيم الإتباع أو التقليد والسلفية ، وقيم الابداع التي يقول عنها السلفيين أنها ليست من صفات الانسان بل من صفات الله وحده دون غيره ! .
4. قيم العقل وقيم القلب أو الصراع بين القيم العقلانية من منهجية وموضوعية وشك وبحث وتدقيق ، وبين القيم العاطفية من عفوية وبداهة وفطرة وايمان وارتجال ويقين .
5. قيم الامتثال والطاعة وصراعها مع قيم التمرد والتفرد والتحرر . 6. قيم الانفتاح على الآخر وقيم الانغلاق على الذات . 7. قيم احترام السلطة مقابل قيم التمرد عليها أو قيم التسليم بالأمر الواقع ، وقيم التغيير والرفض .
نستنتج مما تقدم ، أن الاخلاق العربية لا تخرج عموما عن هذه الاتجاهات القيمية ، وهي اتجاهات مستمدة من انماط المعيشة البدوية والفلاحية والمدنية ،المرتبطة بدورها – حتى اللحظة الراهنة من القرن الحادي والعشرين - بمفاهيم واليات التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد التي يبدو ان تراكماتها قد وصلت اليوم الى حد القطع والانفجار حيث لم تعد الجماهير الشعبية العربية قادرة على تحمل المزيد من القهر والاستغلال والاستبداد والفقر والمعاناة ، فانفجرت – عبر الانتفاضات - في وجه انظمتها معلنة كسر كل حواجز الخوف من الانظمة الحاكمة واجهزتها القمعية ، بل ونجاحها في اسقاط رؤوس تلك الانظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن والبقية على جدول سيرورة الثورة العربية التي تفتقد- حتى الان - لكل من الرؤية والبديل الثوري القادر على استكمال وانجاز اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية، الامر الذي ادى الى فوز حركات الاسلام السياسي في تونس ومصر مؤذنا بافتتاح مشهد الاسلام السياسي لسنوات قادمة ، بما يعني اعادة انتاج مظاهر التبعية والتخلف والاستغلال والقهر والافقار والمعاناة باشكال جديدة في اوساط العمال والفلاحين الفقراء والشباب ، في مقابل استمرار تحكم الشرائح الطبقية الراسمالية الكومبرادورية والزراعية والعقارية والمالية والبيروقراطية المدنية والعسكرية بثروات ومقدرات وموارد المجتمع ، وبالتالي اعادة انتاج واحتدام عوامل الصراع الطبقي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بما سيؤدي الى انتفاضات ثورية ضد انظمة الاسلام السياسي ( التي سيثبت عدم اختلافها عن الانظمة المخلوعة )، او سقوط الحركات الدينية بصورة ديمقراطية في الدورات الانتخابية التالية ، وهذا مشروط بتقدم وتطور وتوسع الاحزاب اليسارية والديمقراطية في اوساط الجماهير خلال المرحلة القادمة ، وبدون ذلك فان ازمة مجتمعاتنا العربية سيعاد انتاجها من جديد بصور اكثر تخلفا مما كان عليه الحال قبل الانتفاضات العربية ، خاصة وان أزمة مجتمعاتنا العربية، ومن ثم أزمة الأخلاق العربية الاسلامية ،هي ازمة تاريخية وراهنة ، تعود في جوهرها إلى أن بلداننا العربية عموماً – حتى اللحظة - لا تعيش زمناً حداثياً أو حضارياً، ولا تنتسب له جوهرياً، وذلك بسبب فقدانها، بحكم تبعيتها البنيوية، للبوصلة من جهة، وللأدوات الحداثية، الحضارية والمعرفية الداخلية التي يمكن أن تحدد طبيعة التطور المجتمعي العربي ومساره وعلاقته الجدلية بالحداثة والحضارة العالمية أو الإنسانية.
فعلى الرغم من دخولنا القرن الحادي والعشرين ، إلا أننا –في البلدان العربية- ما زلنا في زمان القرن الخامس عشر قبل عصر النهضة، أو في زمان "ما قبل الرأسمالية" ، على الرغم من تغلغل العلاقات الرأسمالية( الرثة والمشوهة ) في بلادنا، والشواهد على ذلك كثيرة، فالمجتمع العربي لم يستوعب السمات الأساسية للثقافة العقلانية أو ثقافة التنوير، بمنطلقاتها العلمية وروحها النقدية التغييرية، وإبداعها واستكشافها المتواصل في مناخ من الحرية والديمقراطية، ففي غياب هذه السمات يصعب إدراك الوجود المادي والوجود الاجتماعي والاخلاقي والدور التاريخي الموضوعي للنهوض الحداثي وللثورة الوطنية الديمقراطية وللمشروع القومي التقدمي أو الذات العربية في وحدة شعوبها، ووحدة مسارها ومصيرها، إدراكاً ذاتياً جمعياً يلبي احتياجات التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي ، والسبب في كل ذلك يتجلى عند رؤيتنا للفرق الزمني الذي يفصلنا كمجتمعات عربية عن شكل ومضمون مفاهيم الحداثة والنهضة والتنوير العقلاني والتقدم ، التي نشأت في اوروبا منذ اكثر من مائتي عام ، والسؤال هنا : ما هو -يا ترى- الفرق الزمني الذي يفصلنا اليوم في عصر العولمة ، وثورة العلم والاتصالات والمعلومات عن مفاهيم وقيم الحداثة والنهوض والثورة؟؟ ألسنا بحاجة الى ثورة شعبية تغييرية شاملة تقتلع الطبقات الاستغلالية من جذورها و تطال كل جوانب البنية المادية والمجتمعية العربية الكفيلة وحدها بازاحة التبعية وكل مفاهيم واليات وادوات الاستبداد والاستغلال والتخلف الاجتماعي والاخلاقي في بلادنا ؟.