الخميس 17 أيار/مايو، 2012

مقالات كتاب مركز المعلومات

نوري المالكي أحد مفاجآت سوريا

 

 

 

ziad_h

 

من محاسن الأزمة السورية التي تتدحرج الان مربكة كل خصوم سوريا، أنها أكدت على بديهيات من قبيل أصالة وصلابة معدن الشعب السوري الذي كشف بصموده عن وعيه الوطني والقومي الرفيع حين وقف لجانب القيادة السياسية والجيش العربي السوري وملئ الساحات بالملايين، وبالمقابل أكدت الدولة والقيادة السورية وجيشها أن الحديث يدور عن نظام عربي وطني وقومي يجيد السياسة ولعبة النفس الطويل وأن له يد قوية وطولى في المنطقة لا يجب اللعب معها بالنار.

غير أن آخر ما كشفت عنه الأزمة في سوريا..  مفاجأة بديهية أخرى.. هي العراق ورئيس وزرائه نوري المالكي، الذي بدأ في إعادة رسم الخط السياسي الوطني والقومي للعراق..، كيف لا وفن الخط العربي اختراع عراقي صّرف، ولهذا قلنا أنها بديهية من حيث كون منطق العراق لا يقبل أن يكون في معادلات المنطقة إلا وطنياً وعربياً  بغض النظر عن ماهية  قيادته.

نوري المالكي الان يموضع العراق في مكانه الذي أريد له أن ينحرف عنه عبر الحرب التي استمرت أكثر من عشرين عاماً تخللها حصار وتجويع واحتلال وحل لأحد أشهر الجيوش في المنطقة وتدمير للانسان العراقي وريث أقدم حضارات البشر، أريد للعراق أن ينضم لمعسكر الرجعية التابع لذيل الاستعمار في المنطقة، لكنه ينهض الان أمام استحقاق فرضته دمشق عليه، فما كان منه إلا أن لبى.. كيف لا والعراق لا يدير ظهره ابداً مهما استبدت به الجراح..

لقد قال العراق كلمته منذ اللحظة الاولى لانسحاب الاحتلال الامريكي التي راهن كثيرون على عدم مبدئيتها وعدم صدقها، غير أن نوري المالكي شدد على موقف العراق ووضع هذا الموقف في كفة والقمة العربية في كفة رغم ما يعنيه انعقادها في بغداد للعراق، وهو الان يعلن صراحة رفض العراق للمؤامرة على سوريا، بل وينتقد سياسات السعودية وقطر.. ويرفض إسقاط النظام في سوريا بالقوة، هكذا كان الرد على مؤتمر "أعداء سوريا" في اسطنبول.

قد يحاجج البعض أن هذا من باب التكتيك لا أكثر لرجل سياسة براغماتي، غير أن الصحيح هو أن الرجل يناور  ضمن حقل ألغام، ومع هذا لم يمنعه من أن يقف وسط تلك الالغام ويقول كلمة العراق، لعلنا لو تتبعنا سياسات المالكي لوجدنا أنها تسير بانسجام كبير مع مصالح العراق الوطنية والقومية، بل أجزم أنها لا تنحرف عن سيرة من سبقوه من حكام العراق في الكثير منها، فمع الانسحاب الامريكي بدأ المالكي يطارد أدوات السعودية وقطر والاسلام السياسي التابع لهما في العراق، ومنها كمثال تشدد المالكي في ملف قضية طارق الهاشمي، فيما نذكر احتفال العراق بذكري تأسيس الجيش العراقي الواحدة والتسعين وهو الامر الذي يحمل رمزية هائلة ورسالة مهمة يرسلها المالكي، كما نرى كيف يتعامل بحذق مع ملف العلاقة مع الكويت التي طالما مثلت شوكة في خاصرة العراق نتيجة انجرار الاسرة الحاكمة الكويتية في كثير من الاحيان وراء سياسيات السعودية والقوى الاستعمارية الغربية.

عليه؛ نرى كيف يسير المالكي على خطى من سبقوه وان اختلف تكتيكه وشعاراته ومبادئه، لنتذكر كيف حاول عبد الكريم قاسم إعادة الكويت للعراق، وكيف قام صدام حسين بضم الكويت بالقوة للعراق متكبداً خسائر فادحة نتيجة ذلك، أما المالكي وبرغم كل اختلافه مع هذين الرجلين فقد وقف أمام بناء الحكومة الكويتية لميناء مبارك بحساسية عالية وبعين الريبة، فيما يرى الرجل أن تشدد ومبالغة الحكومة الكويتية في ملف التعويضات ما هو إلا ابتزاز للعراق .

ما نريد قوله أن العراق بدأ بإنتاج وقولبة قيادته السياسية بالطريقة التي تلبي فيها تلك القيادة متطلبات واستحقاقات مكانة العراق في المنطقة وليس العكس، وهذا بفعل توسطه لايران وسوريا بدرجة ما، كعاملين يسرعان استنهاض العراق الحتمي، ووجود قيادة عراقية من أمثال نوري المالكي تؤمن بمصير العراق ودوره وتعمل جاهدة على استعادة الدور والمكانة والفعل، ناهيك عن المخيال الهائل للشعب العراقي الذي لن يرضى بعراق إلا ذلك الرابض على قوة حضارة آلاف السنين.

نوري المالكي .. مفاجأة سارة نراهن على استمرارها بفعل قوة ومنعة معسكر المقاومة في المنطقة الذي مد يده لانتشال العراق من وحل الضياع، كما وننتظر من سوريا مفاجآت أخرى على درب الانتصار على المؤامرة وتغيير المنطقة عبر ثورات حقيقية... تقوم على التغيير عبر الاصلاح الديمقراطي والتنموي الجاد والنابع من داخل الشعوب نفسها والذي بدأته سوريا وسوف تستمر فيه.

 

العدوان المباغت ليس مفاجئاً

 

ali_jradat

من دون سابق إنذار، وتعبيراً عن تأصلِ سياسة عقلية العدوان والتطرف، أوعزت حكومة نتنياهو، (العائد لتوه من لقاء أوباما)، لذراعها العسكري بتنفيذ جريمة اغتيال أمين عام لجان المقاومة الشعبية زهير القيسي وقائد آخر من قادتها وعشرة من كوادر الجهاد الإسلامي، ما أدى إلى استجلاب الرد الدفاعي الطبيعي والمشروع لفصائل المقاومة الفلسطينية، تلاه إمطار غزة بموجة غارات جوية وبحرية مبيتة، فتحت الباب على تصعيد عسكري موضعي محسوب، دام أربعة أيام، وأسفر عن سقوط عشرات الفلسطينيين بين شهيد وجريح، وتدمير عشرات الحقول الزراعية والمباني السكنية والعامة، أضيفت إلى آلاف أخرى كان دمرها عدوان عام 2008 وحال الحصار دون إعادة إعمار أكثرها حتى الآن .

هنا ينبغي التأكيد على أن هذا العدوان هو، وإن جاء مباغتاً، إلا أنه ليس مفاجئاً من حيث:

إن دافِع هذا العدوان واضح، بحسبان أنه الدافع السياسي ذاته لكل ما يقترفه الجانب الإسرائيلي من عمليات استباحة وتهويد واستيطان بحق كامل الشعب الفلسطيني، وحقوقه، وأرضه، ومصادر رزقه، ومقدساته، وأسراه، وإن هذه الحرب الشاملة هي نتيجة محتومة لسياسة إسرائيل، النظام والحكومات، ما دامت ترفض التسويات السياسية للصراع، ما يعني أن وقْفَ هذا العدوان هو ليس أكثر من وقْفٍ مؤقت مرشح للخرق الإسرائيلي، بمعزل عن متى وكيف، وبصرف النظر عن الذريعة والشكل والسعة .

إن المستوى المحدود والمحسوب لهذا العدوان مفهوم، باعتبار أنه يرتبط أول، وأكثر، ما يرتبط بمانع سياسي، اسمه مأزق قيادة إسرائيل، بمستوييها السياسي والعسكري، في التعامل مع غزة، بوصفها كرة لهب سياسية لا تريد العودة إلى احتلالها المباشر من جهة، ولا تستطيع حذفها إلى حضن مصر كما تتمنى من جهة ثانية، ولا تستطيع الإقدام على إسقاط سلطة حماس بسبب عدم توفر بديل مقبول يملأ الفراغ بعدها من جهة ثالثة .

إن الذريعة السياسية لهذا العدوان أكثر من مكشوفة ذلك حتى قبل، ومن دون، اتخاذها غطاء لشنه، وهي المتمثلة في ما أعلنه نتنياهو بالقول: إن قطاع غزة قاعدة إيرانية سيتم اجتثاثها عاجلاً أم آجلاً، وإن لجان المقاومة الشعبية والجهاد الإسلامي هي مجرد أدوات مملوكة بيد إيران . بل، وأكثر من ذلك، فإن المرء لم يكن بحاجة لذكاء اكتشاف النار كي يكتشف حقيقة أن تهميش قضية فلسطين، وتغييبِ الاهتمام بالحقوق المسلوبة لشعبها، وصرْفِ الأنظار عما يُرتكب بحقه من انتهاكات حرب موصوفة، وعما تتعرض له أرضه من عمليات سلبٍ وتهويد واستيطان متصاعدة، هو هدفٌ استراتيجي مُضمر في تركيز قادة إسرائيل.

إن الأغراض السياسية المباشرة لهذا العدوان جلية، إذ رغم تجنب التصريحات العلنية للقيادات الإسرائيلية، (السياسية والعسكرية)، صياغتها بصورة محددة وواضحة، إلا أن بالمقدور تلمسها بالقول إن هذا العدوان قد جاء بمثابة:

1- مناورة عسكرية مدروسة، إنما بالذخيرة الحية لاختبار نجاعة القبة الحديدية، ومدى قدرتها على اعتراض الصواريخ قصيرة المدى أولاً، ولاختبار جهوزية الجبهة الإسرائيلية الداخلية ومدى وقدرتها على الصمود في وجه الرشقات الصاروخية ثانياً، ما يعني أن هذا العدوان جاء بمثابة بروفة لجولات أخرى قادمة من التصعيد العسكري الإسرائيلي المتوقع .

2- اختبار عملي محسوب لاستكشاف كيفية تصرفِ قيادة حماس التي تقف على مفترق طرق جراء ما يجري داخلها من تباينات، خلقتها التغيرات العاصفة في الحالة العربية بعامة، وفي الحالتين المصرية والسورية بخاصة، من جهة، ولفحص كيفية تصرف حركة قيادة الإخوان المسلمين القادمة للسلطة في أكثر من قُطر عربي، وفي مصر بخاصة، من جهة ثانية، ما يعني أيضاً أن هذا العدوان يشي بعربدات عسكرية إسرائيلية أخرى قادمة ومتوقعة .

هنا تثور ثلاثة أسئلة: هل كانت حكومة نتنياهو، برغم فائض تطرفها، لتجرؤ على هذا التصعيد الاستكشافي المحسوب، إنما المحفوف بمخاطر انقلاب السحر على الساحر، لولا اطمئنانها إلى أنها لن تواجهَ بردٍ فلسطيني ميداني موحد، ذلك بسبب أنها لم تواجهُ هكذا رد ضد استباحاتها في الضفة والقدس والسجون؟ وهل كانت لتجرؤ على هذا التصعيد لولا اطمئنانها إلى أن حماس ليست معنية بالزج بطاقتها الميدانية في المعركة؟ وهل كانت لتجرؤ على تصعيدها هذا لولا اطمئنانها إلى أن حركة الإخوان المسلمين المصرية تحديداً ليس في وارد تحريك حركة شعبية ضد هذا التصعيد؟

كلا، أظن أن حكومة نتنياهو لم تكن لتجرؤ على هذا التصعيد الاستكشافي الخطر لولا يقينها أن استباحة غزة ستمر من دون أن تفضي إلى قَلْبِ السحر على الساحر، أي إلى تحقيق مكسب سياسي وطني فلسطيني، أقله إحداث تعديل فعلي ومضمون على شروط التهدئة، كان يكفي لإحرازه توافر الوحدة الفلسطينية، ولو بمعناها الميداني، وفي حدود غزة فقط، مع قليل من التحرك الشعبي العربي.

 

الاختصار في أزمة الماركسية وأحزاب اليسار

 

gazy_sorany

(1)
إن جذور أزمة الماركسية في الوطن العربي تكمن في هذا التراجع الفكري والضعف النظري لدى أحزاب وفصائل اليسار، إلى جانب حالة الاغتراب عن الواقع، ومن ثم فشل هذه الأحزاب في وعي الواقع واستيعاب جوانبه ومكوناته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية...الخ ، حيث استمرت طوال العقود الماضية في رفع شعارات أو مبادئ لا تجسد الواقع أو تعكسه بصورة جدلية وموضوعية صحيحة، ما يعني بوضوح أن الحركات اليسارية لم تدرك أن المبادئ لا تصلح نقطة انطلاق للبحث والتحليل والتنقيب، بل هي نتيجتها الختامية. فالمبادئ لا تطبّق على المجتمع والطبيعة والتاريخ بل تُشْتَقْ منها، فليس على الواقع والتاريخ أن يتطابقا مع أفكارنا, بل على أفكارنا أن تتوافق وتتطابق مع قوانين حركة الواقع ومنطق التاريخ، هذا هو الدرس الرئيسي الذي يتوجب على أحزاب وفصائل اليسار العربي أن تستوعبه في وعيها وممارستها، دون أن يعني ذلك تجاوزاً للتطور الاجتماعي والطبقي المشوه ، لمجتمعاتنا العربية ، طوال التاريخ الحديث والمعاصر ، وبالتالي فإنني أرى أنه ليس من المغالاة في شيء، إذا قلنا بأن ما يسمى بأزمة الماركسية في بلادنا ، هي انعكاس –بهذا القدر أو ذاك- ليس لأزمة وتخلف المجتمع والفكر السياسي العربي ارتباطاً بالمسار التطوري التاريخي المشوه فحسب ، بل أيضا – وبالدرجة الأساسية – إلى قصور وعجز أحزاب وفصائل اليسار عن صياغة وممارسة قضايا الصراع التناحري ضد العدو الامبريالي الصهيوني من جهة وقضايا الصراع الاجتماعي الطبقي الديمقراطي الداخلي من جهة ثانية ، الأمر الذي كان – ومازال – من الطبيعي أن تكبر وتتسع العزلة والفجوات بين قوى اليسار العربي وجماهيرها الشعبية الفقيرة .


(2)
 
أرى أن أزمة الماركسية عندنا، تتجلى في كونها تعيش حالة قطيعة أو إرباك مع تراثها، ارتباطاً بالأزمة الفكرية لدى أحزاب اليسار العربي، وهذه الأزمة أسهمت في ضياع بوصلة تلك الأحزاب، الفكرية والسياسية، ليس بسبب التبعية الميكانيكية تاريخياً للمركز في موسكو، أو بسبب الوعي المسطح أو البسيط على مستوى الأعضاء فحسب، بل أيضاً بسبب هشاشة وضعف الوعي في معظم الهيئات القيادية ، التي عاشت نوعاً من غياب الوعي الماركسي أو اللامبالاة – والرفض العلني أو المبطن- للفكر الماركسي، إلى جانب الاغتراب أو العزلة عن قواعدها التنظيمية وجماهيرها، فضلاً عن حالة الجمود الفكري والتنظيمي البيروقراطي و تراكم المصالح الطبقية الانتهازية بتأثير العلاقة مع هذه السلطة أو هذا النظام أو ذاك.
كما تجلت الأزمة أيضاً ، في المنتسبين إلى هذه الأحزاب وهيئاتها القيادية، لاسيما ضعف وعيهم للدور الذي على الماركسية أن تقوم به في مجتمع متأخر تابع ومستباح، وبالتالي الضعف الشديد لتأثيرهم أو غيابه في أوساط الجماهير ، بدليل اشتعال الانتفاضات العربية دونما أي دور ملموس لأحزاب وقوى اليسار فيها ، التي غيبت نفسها بسبب تفاقم أزماتها ، وعجزها وقصورها الذاتي على الرغم من نضج الظروف الموضوعية المتمثلة في الاستلاب الوطني الناجم عن وجود القواعد العسكرية والاحتلال الصهيوني من جهة وفي الاستلاب والاستبداد الطبقي الناجم عن شدة بشاعة استغلال الطبقة الحاكمة وحلفائها لجماهير الفقراء اللذين خرجوا بالملايين مشاركين في الانتفاضة بصورة عفوية ، سرعان ما احتضنتها قوى الإسلام السياسي والقوى الليبرالية ، إلى جانب قوى الثورة المضادة ، في ظل غياب محزن للطليعة اليسارية المدافعة عن أماني وأهداف الجماهير .

(3)
أزمة قوى وأحزاب وفصائل اليسار العربي وسبل النهوض :
إن ما ينقص قوى اليسار هو الدافعية الذاتية او الشغف والايمان العميق بمبادئه عبر امتلاك الوعي العلمي الثوري في صفوف قواعده وكوادره ، فبينما تتوفر الهمم في أوساط الجماهير الشعبية واستعدادها دوما للمشاركة في النضال بكل اشكاله ضد العدو الامبريالي والصهيوني ، وضد العدو الطبقي المتمثل في انظمة التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد والقمع ، الا ان احزاب وفصائل اليسار لم تستثمر كل ذلك كما ينبغي ولا في حدوده الدنيا ، لأنها عجزت – بسبب ازماتها وتفككهاورخاوتها الفكرية والتنظيمية - عن إنجاز القضايا الأهم في نضالها الثوري ، وهي على سبيل المثال وليس الحصر: اولا – عجزت عن بلورة وتفعيل الافكار المركزية التوحيدية لاعضاءها وكوادرها وقياداتها واقصد بذلك الفكر الماركسي وصيرورته المتطورة المتجددة.ثانيا-عجزت بالتالي عن تشخيص واقع بلدانها ( الاقتصادي السياسي الاجتماعي الثقافي ) ومن ثم عجزت عن ايجاد الحلول اوصياغة البديل الوطني والقومي في الصراع مع العدو الامبريالي الصهيوني من ناحية وعن صياغة البديل الديمقراطي الاشتراكي التوحيدي الجامع لجماهير الفقراء وكل المضطهدين من ناحية ثانية .ثالثا - عجزت عن بناء ومراكمة عملية الوعي الثوري في صفوف اعضاءها وكوادرها وقياداتها ليس بهويتهم الفكرية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي فحسب بل ايضا عجزت عن توعيتهم بتفاصيل واقعهم الطبقي ( الاقتصاد، الصناعة ، الزراعة ، المياه ، البترودولار ، الفقر والبطالة والقوى العاملة، الكومبرادور وبقية الشرائح الراسمالية الرثة والطفيلية ، قضايا المرأة والشباب ، قضايا ومفاهيم الصراع الطبقي والتنوير والحداثة والديمقراطية والتخلف والتبعية والتقدم والثورة ...الخ ) فالوعي والايمان الثوري ( العاطفي والعقلاني معا ) لدى كل رفيقة ورفيق، بالهوية الفكرية وبضرورة تغيير الواقع المهزوم والثورة عليه ، هما القوة الدافعة لاي حزب او فصيل يساري ، وهما ايضا الشرط الوحيد صوب خروج هذه الاحزاب من ازماتها ،وصوب تقدمها وتوسعها وانتشارها في اوساط جماهيرها على طريق نضالها وانتصارها .

(4)
على الرغم من أن الماركسية حققت إنجازات ضخمة في الماضي ، إلا أن تواصل العملية التطورية التجديدية المرتبطة بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعاصرة ، مسألة في غاية الأهمية بالنسبة لسيرورة الماركسية واستعادة دورها وتأثيرها في المرحلة الراهنة والمستقبل ، خاصة في مشهد الانتفاضة أو الحالة الثورية العربية الراهنة الذي يتوجب أن يكون حافزاً لكل قوى اليسار الماركسي العربي، لتكثيف النضال في آن واحد ، ضد كل من أنظمة الاستبداد والتبعية والتخلف من جهة وضد التحالف الامبريالي الصهيوني من جهة ثانية، عبر منهجية ورؤية تنبثق من الوعي بكل جوانب المسار التطوري الحديث والمتجدد للماركسية من ناحية ، وتتلاءم تماماً مع مقتضيات ومتطلبات الواقع الاجتماعي العربي المعاش من ناحية ثانية، وهذا يعني أن تنأى بنفسها بعيداً عن كل مظاهر الجمود الفكري أو المذهبي ، إلى جانب تلافي أخطاء وخطايا التجربة الاشتراكية المنهارة ، خاصة مظاهر عبادة الفرد والبيروقراطية المقيتة وانعدام الحوار الديمقراطي الداخلي في أوضاعها الداخلية.
وفي هذا الجانب ، فإن تبني فصائل أحزاب اليسار للماركسية منهجاً، يفرض عليها ان تتعاطى مع الماركسية انطلاقا من كونها نظرية علمية معرفية ، هي جزء من صيرورة حركة الحياة ومتغيراتها التي لا تعرف الجمود أو التوقف، ما يعني بوضوح شديد ان تتخلى هذه الفصائل والاحزاب ، وترفض التعاطي مع الماركسية في إطار منهج أو بنية فكرية جامدة او مغلقة أو نهائية التكوين والمحتوى، إذ أن الماركسية تكف عن أن تكون نظرية علمية جدلية، إذا ما تم حصرها في إطار منهجي منغلق أو في ظروف تاريخية محددة، فالانغلاق أو الجمود هو نقيض لجدل الماركسية التطوري ، الهادف إلى بلوغ الحرية الحقيقية التي تتجسد في الاشتراكية والتحرر الشامل للإنسان من كل مظاهر الاستبداد والاستغلال والاضطهاد والتخلف والتبعية.


(5)
إن قراءتنا لبعض مؤشرات ومكونات المسار التطوري للماركسية كنظرية علمية، تعزز لدينا القناعة الراسخة أنها لم تندثر، بل من المستحيل تجاوزها ، وبالتالي نقول لكل من يعتبر أن الماركسية قد كفت عن كونها نظرية ثورية، انت مخطئ كل الخطأ، وكذلك الأمر بالنسبة لكل من يحكم على مستقبل الاشتراكية على ضوء حاضرها المأزوم، فلا زالت شعوب ما يسمى بالعالم الثالث او الرابع تعاني من: السيطرة الامبريالية والتبعية والتخلف، و التفاوت الطبقي, والاستغلال والقهر الطبقي, ولم يحدث في تاريخ البشرية أن بلغ استغلال فائض القيمة للشعوب الفقيرة والتابعة ، والقهر الاجتماعي والإفقار، المستوى الذي وصل إليه اليوم، إلى جانب كل أشكال العدوان والحروب التي تمارس لحماية مصالح النظام الرأسمالي كما هو الحال في بلادنا. ما يعني أن الاشتراكية اليوم باتت ضرورة حتمية كتتويج للديمقراطية والحداثة وتخليص مجتمعاتنا من كل مظاهر التخلف والتبعية والاستغلال والاستبداد، إذ ليس ثمة خيار آخر –خاصة لبلداننا العربية وبقية بلدان الاطراف- فإما الاشتراكية أو مزيد من التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد.
ولهذا أرى أن من واجب قوى اليسار الماركسي العربي، ان تكون معنية بتحديد الموضوعات الأساسية التي يشكل وعيها، مدخلاً أساسياً لوعي حركة وتناقضات النظام الرأسمالي من جهة، وحركة واقع بلدانها بكل مكوناته وآفاق صيرورته التطورية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة ثانية، انطلاقاً من إدراكها الموضوعي، بان التعاطي مع الماركسية ومنهجها بعيداً عن كل أشكال الجمود وتقديس النصوص ، كفيل بتجاوز أزمتها الراهنة ، ومن امتلاكها لمقومات القوة التنظيمية والجماهيرية الكفيلة بإسقاط أنظمة العمالة ومقاومة وطرد الوجود الامبريالي الصهيوني إذا ما أدركت بوعي عميق طبيعة ومتطلبات واقع ومستقبل بلدانها .


(6)
إن ما يوصف بأنه " أزمة الفكر" لدى أحزاب اليسار العربي هو في الحقيقة أزمة الممارسة بسفحيها : النظري والعملي ، فثمة بون شاسع بين الممارسة النظرية، مثلاً، وبين انتقاء وجمع وتوليف مجموعة من الأفكار والمبادئ والتصورات، قُطعت عن منظومتها الفكرية، وانتُزعت من سياقها التاريخي ، عبر مسميات خجولة أزاحت النص الصريح بالالتزام بالماركسية ، لحساب نصوص تلفيقية أو توفيقية أو تحريفية، أو عناوين استرشادية جاءت انسجاماً مع مواقف العديد من الأحزاب الشيوعية التي تخلت عن اسمها أو بعض الفصائل والحركات الأخرى التي اتجهت صوب الخلط الفكري بين الليبرالية والماركسية ، أو حتى شطب الماركسية من أدبياتها، ذلك الخلط أو الشطب، سيعزز تراجعها المتصل، وتهميشها وسيعجل بنهايتها.
على أي حال، إن التخلي عن الماركسية أو الارتداد عنها والتنكر لها ، ليس موقفاً جديداً مرتبطاً بانهيار الاتحاد السوفيتي أو بالواقع العربي المهزوم ، بل هو ظاهرة نشأت منذ نشوء الماركسية، من خلال العناصر والقوى اليمينية التي وجدت في الماركسية خطراً شديداً على مصالحها ووجودها ، لكن " الماركسية" بمضمونها السياسي والاجتماعي ودلالاتها ومؤشراتها المستقبلية بالنسبة لتحرر وانعتاق العمال والفلاحين وكل الفقراء والكادحين في هذا الكوكب ، خاصة في البلدان المستعمرة والتابعة ، كما هو حال بلداننا العربية، الذين لن يجدوا خلاصهم إلا من خلالها ، لذلك ، فإن البحث في "أزمة الماركسية" –ولا نقول فشلها- هو بحث في الماركسية ذاتها، -كما يقول " الصديق سلامة كيله- وإذا كان من حق أي كان، أن يتخلى عن أفكار ويعتنق أفكار أخرى نقيضه، فانه ليس من حق احد إصدار حكم بالتجاوز أو النفي على تيار فكري من اجل تبرير هذا التخلي، خصوصاً إذا كان الحكم بلا حيثيات سوى البعد الذاتي ومبرراته الانتهازية الأنانية الصريحة.

 

الشعب السوري: هو البطل الملحمي وقوة الحسم ..شيئ من السياسة وبعض العاطفة

 

nassar 

أحد عشر شهرا ثقيلا مرت كانت أكثر من كافية لكي نلمس لمس اليد معالم وأبعاد المواجهة التي تتوالى فصولها تباعا في سورية، فسالت الكثير من الدماء السورية الغالية، وفي ذات اللحظة سقط الكثير من الأوهام والرهانات، كما تحددت الفواصل والتخوم بدقة بين حلف الصمود والمقاومة والكرامة والإنسانية وحلف الفجار من استعماريين قدامى وجدد ومعهم أدواتهم المحلية والإقليمية مثقلة بالجهل والتخلف والصفاقة والموت. وهنا لنترك الدين الإسلامي الحنيف جانبا فليس له أي علاقة بما يقال وينفذ باسمه من قبل قوى وجماعات وافراد، وأيضا لنترك الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان جانبا فليس لكل هذا علاقة بما يجري ويدور.

لقد قالت سورية قولتها وصالت صولتها، فأجبرت الجميع على الوقوف، هكذا كما هم، فقد أضاء الدم السوري والصلابة السياسية والأداء البارع كامل المساحات الرمادية والزوايا المظلمة، وبهذا أجبرت سورية الجميع على الاختيار وإنهاء لعبة الرقص على الحبال وبين التناقضات، فتجلت الاصطفافات على المستوى الدولي بأبهى وأوضح ما يكون، كما تجلت الاصطفافات على مستوى القوى والأفراد بلا رتوش أو مناورات أو مراوغات، وأيضا دفعت اللغة والخطاب والثقافة إلى أقصى درجات الوضوح، فكنست اللغة الضبابية والثقافة المائعة وأشباه المثقفين، وبهذا أعادت لمفردات الوعي القومي اصالتها بعد أن أعادت تعميدها في نيران المواجهة الشاملة مع مشاريع الهيمنة والجهل والتخلف.

في غمرة المواجهة الطاحنة التي احتلت  سورية  في سياقاتها مساحة الكون سقطت استراتيجيات وتهيأت أخرى للصعود والتقدم ومعها تحركت موازين القوى على أكثر من مستوى وصعيد بما يبشر بمعادلات كونية وإقليمية جديدة، كما سقطت "الديمقراطية الاستعمارية" بعد أن استبدلت جماعة مجلس اسطنبول علم الاستقلال السوري بعلم الانتداب الفرنسي دون أن يكلفوا أنفسهم الانتظار ليسألوا الشعب السوري رأية في ذلك، كما سقطت حقوق الإنسان عندما تركت" الثورة، وجيشها الحر!" عنان قيادتهما لأكثر الأنظمة العربية تخلفا وجهلا، وعندما راحا يدمران برعونة وخفة مؤسسات الدولة  ومقدراتها ومكتسبات الشعب السوري على مر التاريخ، كما سقطت راية الحرية في الوحل عندما أصبح هاجس "قيادة الثورة" المزعومة تمريغ جبين سورية العالي في وحول التبعية والمهانة، حين راحت تلك العصابة توزع الوعود برهن سورية وتاريخها لصالح الحلف الأمريكي - الإسرائيلي ولصالح تهويمات مشايخ النفط.

إذن، لقد قالت دمشق قولها الفصل: لن يمروا! ولكن كيف كان ذلك؟

يمكن أن يقال الكثير عن العوامل والقوى التي جعلت هجمات المشروع الإمبريالي الرجعي تتكسر الواحدة تلو الأخرى على أبواب دمشق، سواء كانت هجمات سياسية أو حربا إعلامية أو حربا نفسية طاحنة، أو كانت حربا ذات طبيعة ديبلوماسية أو حصار اقتصادي أو – وهو الأخطر – تشريع التدخل الخارجي، أو اتخذت شكل الهجمات الإرهابية المسلحة واسعة النطاق بكل ما يرافقها من تدفق للمقاتلين والأسلحة من كل حدب وصوب.

قد يقال بأن السبب يعود إلى الدعم الروسي – الصيني بما شكله من إسناد وقاعدة ارتكاز راسخة.  بالتأكيد إن هذا العامل في غاية الأهمية، غير أن دوره تمثل أساسا في حالة  التوازن التي فرضها على صعيد الصراع الديبلوماسي الذي دارت رحاه في المؤسسات الدولية وخاصة مجلس الأمن، وقد يقال بأن السبب يعود إلى تماسك المؤسسة العسكرية أي الجيش العربي السوري، إلى جانب تماسك المؤسسة السياسية للدولة والنظام في سورية.. كل هذا صحيح ومنطقي، غير أن جميع هذه العوامل على أهميتها وما تمثله من ثقل لا تفسر جوهر الحالة السورية، فهي تبقى في جميع الأحوال عوامل قابلة للحراك والانزياح لو لم يتوفر عامل العوامل الذي بدونه لا تستطيع كل العناصر المشار إليها التماسك والصمود، إنه بمثابة الأرض التي تتحرك عليها جميع العوامل الأخرى، والمقصود بذلك الشعب العربي السوري بأغلبيته الساحقة، ذلك الشعب الذي أخطأ الجميع في قراءته، وخاصة قوى الرجعية والإمبريالية وأدواتهما في الداخل السوري أو أولئك الذين يجوسون الحدود.

الشعب السوري هو البطل الملحمي الحقيقي الذي تمكن بوعيه العميق وذاكرته الممتدة في الزمان والمكان من حماية سورية، وبالتالي حماية ذاته الوطنية والقومية، وفي السياق حماية دوره الذي تأسس في تاريخ المنطقة والإقليم عبر آلاف السنين.

بعد مرور ما يقارب السنة على انفتاح جحيم التآمر على سورية بكل الأشكال ومن مختلف الأوزان والعيارات، تقف وكالات الاستخبارات في مختلف العواصم البعيدة والقريبة مدهوشة ومحبطة، أمام عجزها عن إدراك جوهر وشيفرة المعادلة السورية، ذلك لأنها تعودت أن تحقق انتصارات سهلة بمجرد خوض مواجهات افتراضية إعلامية وسياسية ونفسية، كانت تنجح في إسقاط الأنظمة بدون كلفة تذكر، مشكلتها مع سورية أنها لم تأخذ في الحسبان ذاكرة ووعي هذا الشعب العربي العملاق، كما لم تأخذ بعين الاعتبار قدرته على التمييز المذهل والرهيف ما بين نضالاته المحقة لتحسين وتغيير واقعه على كل المستويات وتحقيق طموحاته المشروعة دائما في الحرية والعدالة والكرامة الفردية والجمعية وبين خطوطه الحمراء تجاه وطنه وأرضه وتاريخه ووحدته الوطنية، تلك الخطوط التي تتخطى في قيمتها ومكانتها حسابات الأفراد والطوائف لترتقي إلى المقدس الذي يدفع ملايين السوريين إلى الميادين والشوارع بكل عناد وعنفوان لصد الهجمات القاتلة والبائسة التي تستهدف اليوطوبيا السورية المقدسة المشبعة بذاتها ولذاتها، ذلك لأنها تتكئ على مخزون هائل من الاعتداد بالذات والدور والكرامة على مر التاريخ وصراع الحضارات أو تفاعلها، بحيث نجحت سورية دائما في فرض ذاتها ودورها كرقم مركزي صعب في الإقليم وفي العالم القديم والمعاصر، عدم رؤية أو إدراك هذه المعادلة تحديدا، من قبل مختلف دوائر التآمر على سورية هي التي دفعت بهم وبسياساتهم وبملياراتهم وبأتباعهم وزعرانهم للوقوف عاجزين محبطين ومربكين أمام اصالة الوعي والإحساس القومي النبيل لشعب سورية المذهل في عمقه وقدرته على التحمل،  وصلابته وتماسكه وإبداعه في فن إدارة الصراع واستنزاف الخصم الذي تعود على الانتصارات السهلة وتمرير أجنداته المعلنة والمضمرة بلا حسابات معقدة.

هو الشعب السوري إذن  من حسم المواجهة وحدد نتائجها ضد "حلف الفجار المعاصر"، ولو كانت الأمور غير ذلك، أي لو سقط الشعب السوري في مصيدة الإعلام المضلل وداعبت خياله الشعارات البراقة والساذجة التي حمل لواءها عتاة المتخلفين العرب وعتاة القوى الاستعمارية، لو كان الشعب السوري هشا وسطحيا لاكتسحت الهجمة سورية وجعلتها قاعا صفصفا، وحينها ما كان للجيش العربي السوري بكل وعيه وتماسكه ليصمد أمام الملايين، وما كان لروسيا ومعها الصين بكل جبروتهما أن يغامرا بالرهان على معركة خاسرة من بداياتها، إذن الشعب السوري هو عامل العوامل وفرس الرهان الأول الذي لم يخذل ذاته ولا تاريخه ولا كل من اختار الوقوف إلى جانبه مهما اشتدت الزلازل من حوله وأمامه وخلفه.

لهذا، نصل إلى خلاصة القول وهي: شعب كهذا لا خوف منه على ذاته ولا خوف عليه، شعب كهذا هو الذي يحمى النظام والجيش والرؤية والسياسة والدور والمكتسبات، شعب كهذا لا يخون ماءه وهواءه وذاكرته ووعيه. إذن شعب كهذا من حقه الحرية كاملة  وبما يفوق منسوب كل الحريات الممنوحة في مختلف بقاع الأرض، شعب كهذا من حقه أن لا يهان أي فرد فيه لأي سبب كان، سواء كان سياسيا أو طائفيا أو جنسيا أو  اقتصاديا، إنه الشعب الذي من يمنح من يقوده الكرامة والحماية والشرعية وليس العكس.

ولهذا من حق هذا الشعب أن ينال كل ما يشاء، فإذا لم يكن الشعب السوري العظيم هو من يستحق كل الحقوق والاحترام والحريات والعدالة والديمقراطية الأصيلة التي يريدها بما أبداه من روعة وبسالة ووعي، ومع كل ما سال من دماء وما تعرض له من غدر وقتل فمن يستحق إذن الحقوق والاحترام والحريات والعدالة والديمقراطية على وجه هذه الأرض!

أيها السوريون لقد وجدنا ذاتنا فيكم، فبدونكم عروبتنا منقوصة وبدونكم لن يكون لها العمق الذي نريده أو نتمناه، وسيكون حالنا كما هو حال الجامعة العربية اليوم ليس لها طعم أو لون أو دور بعد أن توهم صغار القوم أن بمقدورهم اختطاف دورها، ليكتشفوا سريعا بأنهم يثيرون السخرية، فحملوا راية الجامعة الباهتة والممزقة  وحاولوا تسويقها في مجلس الأمن عله يعيد لهم بعضا من ماء الوجه، فتلقوا صفعة أكثر هولا، فراحوا يتلفتون حولهم، يهيمون هنا وهناك في محاولة البحث عن مخرج يدارون به غباءهم ورهاناتهم الخاسرة والمهينة.

أيها السوريون أينما كنتم، جرحكم جرحنا، وكرامتكم كرامتنا، ودمكم دمنا، وانتصاركم انتصارنا، لكم الوفاء والموقف الذي لا يساوم على قطرة من دمكم أو دمعكم، لكم الوفاء ووقفة العز في  سهول درعا وحوران وقمحها الذي يطعم جياع العرب، في جبل العرب الأشم الذي رفع راية الثورة، في جبال إدلب وزيتونها الذي يضئ ليلنا، في الرقة ودير الزور والحسكة حيث الكرامة والكرم، الأصالة والأصل والخيل التي في نواصيها الخير، في حلب الشهباء مهد ذاكرتنا وأشعارنا، في اللاذقية وطرطوس وهما تغسلان أقدامهما على  شواطئ المتوسط لتقلع السفن وهي محملة بمعاني الحضارة وأبجدية الكلام، في حمص العدية بخفة روحها وصلابتها، في حماة وهي تغفو على هدهدة النواعير، في تدمر التي قالت في التاريخ قولتها كي لا تنحني أمام غاز عابر بعد أن مهد له غدر الأقربين فشمخت وهتفت " بيدي لا بيد عمرو"..

وأخيرا أم البدايات وأم النهايات دمشق الشآم، أم العواصم والحضارات، دمشق العروبة الشقيقة الوفية دوما لقاهرة المعز وبغداد الرشيد.

أيها القادم إلى دمشق قف عند بواباتها وانحن تأدبا واحتراما لتمر، قف إجلالا في حضرة التاريخ والمواقف، قف وتأمل ما شئت رسالة ميسلون وهي تجدد اليوم ذاتها، قف بأدب فأنت في حضرة دمشق الشآم التي تواصل منذ الأزل مهمتها، تحمل سيفها الدمشقي لتذب به عن كل العرب حتى وهي تراهم يتكالبون عليها، لكنها دمشق هكذا هي، تسمو وعينها على التاريخ الذي مضى والتاريخ الذي سيأتي، حساباتها دائما كبيرة وبعيدة.

أيها القادم إرفع رأسك حيث يطير الحمام على سفوح قاسيون يهدل في السلم حنينا للياسمين وفي الحرب يحمل حجارة من سجيل، هي دمشق التي تسكننا ونسكنها حتى وإن تعثر أو تعذر الوصول إليها.

لسورية سلام، لسيفها العزة، ولشعبها كل السلام.

 

 

 

 
المزيد من المقالات...