الأربعاء 08 شباط/فبراير، 2012

وثيقة "وقفة حق": قراءة في الأبعاد الفكرية – السياسية ثورة الوعي

 

 

mount-of-olives-07

  لم يكن إطلاق وثيقة "وقفة حق" أو الكايروس الفلسطيني، وفي هذا الوقت بالذات، مجرد صدفة عابرة، كما لم يكن مجرد عملية تفريغ نفسي لمجموعة من الشخصيات الدينية والاجتماعية الفلسطينية تجاه الواقع الصعب الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، بل هو حدث منطقي إذا ما وضع في سياقاته الفكرية،السياسية والتاريخية.


  بهذا المعنى يعبر إطلاق الوثيقة بأبعاده المختلفة عن صيرورة كانت تتفاعل وتنضج في المجال الثقافي المسيحي، ولهذا فإنها مشحونة بجملة من التفاعلات غاية في التعقيد والحساسية، لكنها بمجموعها تؤشر إلى تحرك الوعي وتمرده إن جاز التعبير على حالة الالتباس في علاقة المسيحية مع الصهيونية ومشاريعها السياسية وما شكلته معظم دول وأنظمة الحكم في المجتمعات الغربية المسيحية من حاضنة لتلك المشاريع، الأمر الذي بدأ يثير القلق المتزايد تجاه استخدام اللاهوت المسيحي لتبرير وتغطية الممارسات العدوانية والكولونيالية الإسرائيلية وصولا إلى ما يشبه حالة التماهي معها باعتبارها الترجمة العملية والأخلاقية للإرادة والوعد الإلهي كما ورد في الكتاب المقدس بما يتجاوز كثيرا بديهيات ومباديء ومنطلقات المسيحية ويضربها في عقدة أعصابها الحساسة.


  هذا الاختلال نتج عن تفاعل عاملين:

الأول: انشغال المسيحيين العرب في إثبات حضورهم عبر التركيز على فاعليتهم الاجتماعية الداخلية، بما في ذلك حجمهم وحصصهم، أي التمركز على الذات بصورة ما،  وصولا في بعض الأحيان وفي بعض المراحل التاريخية إلى الانشغال بالدفاع عن انتمائهم وهويتهم القومية التي تعرضت للتشكيك المعلن أو المضمر، كرد فعل على السياسات الكولونيالية الغربية، عزز من هذا الانشغال رد فعل بيئة الأغلبية المسلمة المحيطة (بكل تعبيراتها وأطيافها السياسية والثقافية) التي، وإن احترمت الوجود المسيحي، لكنها بوعي أو بدون وعي تعاملت معه باعتباره أقلية هامشية مقارنة بالأغلبية السائدة، وبالتالي حصرت أو حاصرت دورها بحدود سقف عددها، الأمر الذي  أبقى هذا القطاع الحيوي وفق هذه المقاربة محكوما بمعادلة الأرقام الصماء التي لا تعبر عن الأبعاد النوعية لأدوار الجماعات.


  هذا الانشغال ( التمركز على الذات من جانب والتهميش من جانب آخر) أخلى ساحة الاشتباك السياسي والثقافي والثيولوجي في المجتمعات المسيحية وتركها هدفا لفعل وتبرير أو تمرير الرواية الصهيونية دون مقاومة، الأمر الذي حوّل الدول الغربية إلى حاضنة عاطفية وسياسية وداعم اقتصادي وعسكري حاسم لدولة إسرائيل، هكذا بدت المسيحية وكأنها امتداد ميكانيكي لليهودية، والصهيونية باعتبارها الترجمة العملية للوعد الإلهي، وفي هذا السياق يصبح دعم إسرائيل وتغطية ممارساتها سياسيا وأخلاقيا وكأنه دفاعا عن إرادة إلهية... كيف سمحنا بحدوث ذلك، كيف لم ننتبه مسيحيين ومسلمين وعلمانيين وماركسيين لخطورة هذه الإزاحات المهلكة؟


الثاني: صمت أو تواطؤ أو عجز معظم منظومة المؤسسات المسيحية في المجتمعات الغربية، وبالتالي انحنائها تحت ضغط المصالح السياسية لأنظمة الحكم الاستعمارية واستراتيجياتها في الهيمنة والسيطرة، الأمر الذي أتاح لتلك الأنظمة السياسية الهبوط براية المسيح الكونية بكل أبعادها الإنسانية إلى مجرد راية للغزوات الاستعمارية والهيمنة والنهب بما في ذلك احتضان ودعم المشروع الصهيوني. هذا السلوك لم يواجه بمقاومة جدية متواصلة من قبل معظم اللاهوتيين والمفكرين المسيحيين بحيث تحول إلى ما يشبه حقيقة لاهوتية ثابتة.

  لهذا، لو لم تكن وثيقة "وقفة حق" في هذه المرحلة لكانت. والسبب أن حركة تناقضات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وما ترتب عليها من نتائج متراكمة على مدار مئة عام وصلت إلى المستوى الذي لم يعد معه  بالإمكان الاستمرار في الصمت تجاه الممارسات الفكرية والسياسية والثقافية للدول الغربية التي تسود فيها الديانة المسيحية وما تقدمه من دعم وما توفره من غطاء سياسي وتواطؤ مع سياسات وممارسات إسرائيل العدوانية حتى أصبحت تتصرف وكأنها دولة فوق العالم وفوق القانون الوضعي والإلهي، الأمر الذي يتناقض مع قيم ومبادئ المسيحية ويضربها في العمق.


  تأسيسا على ما تقدم، يمكن القول أن الوثيقة  وبكل معنى الكلمة تؤشر أو تبشر بانعطافة تاريخية على صعيد الوعي الجمعي، انعطافة تعيد صياغة الوعي وتأصيله بما ينسجم مع تعاليم ومبادئ وقيم المسيحية. إنها بصورة ما تمهد لعملية قطع ثقافي – سياسي – معرفي وعملي مع المنظومة الفكرية والسياسية اللاهوتية للمسيحية الصهيونية.


  بالاستناد لهذا الفهم من الضروري عند التعامل مع الوثيقة حمايتها من المقاربات العاطفية والإسقاطات الضيقة أو الاستخدام العابر لها وكأنها مجرد ردة فعل لحظية، أو حشرها في زوايا ضيقة وكأنها مجرد بيان سياسي يعالج حدث سياسي يومي في لحظة سياسية خاصة، بإضافة أو تعديل كلمة هنا وكلمة هناك. وبكلمة، يجب حماية الوثيقة من النقاش السياسي أو اللاهوتي الضيق.


  وبالتالي ضرورة رؤيتها والتعامل معها باعتبارها بداية أو شرارة ثورة في الوعي على الوعي المزيف والمغلوط، ولهذا فإن أهم ما تعكسه الوثيقة، من وجهة نظري، ليست الإشارات والمواقف السياسية التي جاءت في سياقاتها، مع كل أهميتها وأبعادها كإشارات ومواقف محددة، ذلك لأنها تبقى في مطلق الأحوال عناوين قابلة للاتفاق أو الافتراق ارتباطا بالتحالفات والتقاطعات والمصالح المباشرة أو الإستراتيجية التي تحكم كل طرف من طرفي الصراع، وكل ذلك محكوم بحركة موازين القوى التي تحدد معادلات ذلك الصراع، بهذا المعنى تشكل الوثيقة اغناء استراتجيا للفكر السياسي  الفلسطيني، أما مستويات وحدود هذا الإغناء فهذا أيضا أمر قابل للنقاش.


  البعد الأهم والأكثر حسما وخطورة في الوثيقة هو أنها هزّت المياه الراكدة، وتعرضت مباشرة للبديهيات والمسلمات التي جاهدت الصهيونية و"الصهيونية المسيحية" لفرضها على الوعي العام المسيحي الغربي على مدار قرن أو يزيد في أكبر عملية تزوير وتشويه واستخدام للدين لتمرير وتبرير مشروع استعماري بهذا العنف والقسوة في التاريخ الحديث.


  لقد قامت الوثيقة بهزّة عنيفة للفكر الثيوسياسي المهيمن في الدول الغربية بما يتعلق بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، هنا قوة الوثيقة وهنا التحدي الذي وضعت الجميع أمامه، لقد قامت بعملية قطع "ثيوسياسية" مسيحية معرفية ومنهجية مع الثقافة والممارسة السياسية المهيمنة في المجتمعات المسيحية الغربية والمؤسسات الرسمية تجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، الأمر يعكس سذاجة وتخلف فكري عند الجانب الفلسطيني والعربي في مواجهة أخذت كل هذه الأبعاد السياسية والاجتماعية انطلاقا من مقاربة ثيولوجية في غاية الخطورة.


  الاختلال المشار إليه لا يعني بطبيعة الحال المساس بمواقف المسيحيين الفلسطينيين والعرب أو افتراقهم عن مجمل البنية الاجتماعية والسياسية والكفاحية الفلسطينية أو العربية، غير أن المستوى والهامش الذي حُشر فيه دور هذا القطاع الحيوي يؤشر في بعض أبعاده إلى إخفاق الحركة الوطنية والتحررية الفلسطينية والعربية في المراحل السابقة في توظيف الصوت والموقف المسيحي العربي ( بكل قوته)  في مواجهة فكر "الصهيونية – المسيحية" الذي مثل الركيزة الأيديولوجية والمعرفية لتبرير وتغطية المشروع الكولونيالي لاحتلال فلسطين باعتباره تنفيذا للوعد الإلهي، وتحويل ذلك إلى مسلمة في الوعي  المسيحي العالمي. بالتأكيد بقيت مواقع وشخصيات ومفكرين وجماعات تقاوم وتمانع، سواء على الصعيد العربي أو العالمي، لكنها كانت تتعرض مباشرة لهجوم منظم ومركز لوأدها أو على أقل تقدير حصارها ومنعها من الامتداد والتأثير.


  لقد اقتحمت الوثيقة بهذا المعنى مسرح الأحداث وأمنت مساحة حيوية بالمعنى الثيولوجي والسياسي والأخلاقي لخوض الصراع والاشتباك في الوعي وعلى الوعي والقيم، وأين في مجال اجتماعي وجغرافي يشمل مئات ملايين البشر. هنا قيمة وأهمية الوثيقة.


  ما تقدم  يجب أن يعني وبكل وضوح: أن هدف الوثيقة واتجاه فعلها وضربتها الرئيس ليس المسيحيين الفلسطينيين أو العرب، كما قد يعتقد البعض أي بهدف استجلاء مواقفهم، وذلك لسبب بسيط وحاسم، وهو أنهم من حيث المبدأ ليسوا عنوانا للإقناع كما ليسوا في موقف التبرير أو الدفاع، ذلك لأنهم خارج النقاش شأنهم شأن أي جزء عضوي من المجتمع الفلسطيني أو العربي، إنهم ليسوا جماعات مهاجرة أو وافدة أو موالي لا بالمعنى الديني (فهم الأصل) ولا بالمعنى الحضاري، الإثني، التاريخي، الاجتماعي والثقافي. إنها تستهدفهم فقط بالقدر الذي يستجيبون فيه لتلبية الدور المناط بهم في سياق حمل راية المواجهة، وهي مهمة في غاية الخطورة.


  هذه البديهة بطبيعة الحال ليس لها علاقة بالعواطف الساذجة أو المناشدات الأخلاقية حول الأخوة أو التعايش بين المسلمين العرب والمسيحيين العرب، التي من كثرة التشديد عليها باتت تؤشر وكأن هناك مشكلة في انتماء هؤلاء المسيحيين، ولأكن أكثر وضوحا: نحن هنا قبل اليهودية وقبل المسيحية وقبل الإسلام دون أن يعني هذا أي مساس بحرمة أي دين  أو أهميته الروحية والثقافية والحضارية.


  مع هذه الوثيقة يجب أن تتغير النظرة لدور ومكانة المسيحيين الفلسطينيين والعرب، فبقدر ما حاول الفكر الاستعماري الغربي استخدامهم (عبر محاولات فصلهم عن تاريخهم ومحيطهم وجذورهم)  كجسر عبور لمصالح الدول الاستعمارية ومشاريعها في المنطقة بما في ذلك احتضان المشروع الصهيوني، بقدر ما علينا جميعا (من المحيط إلى الخليج وبكل أطياف أمتنا السياسية والدينية والعرقية والثقافية) أن نشكل الحاضنة الشاملة لهم وهم يدفعون بالمواجهة على الوعي إلى مستوى شديد الخطورة والحساسية سيوفر في حال أُحسن استخدامه وتوظيفه الفرصة لإعادة صياغة الوعي والمواقف والعلاقات والتوازنات على المستوى الشامل ( بما في ذلك ما بات يعرف اليوم بالإسلاموفوبيا في الغرب أو التبشيروفوبيا المسيحية أو الحرب الصليبية في المجتمعات الإسلامية).


  إذن الوثيقة جاءت لتملاْ مساحة حاسمة في مسرح الأحداث، مساحة بقيت فارغة أو مهملة طيلة الفترة الماضية وهي إطلاق الصوت المسيحي الفلسطيني والعربي ليرد ويساجل ويقاتل ويكشف التشويهات والتوظيفات التي نجحت الحركة الصهيونية في نشرها بين ما يقارب من مليار ونصف مسيحي في العالم، هنا ميدان وساحة فعل المسيحيين الفلسطينيين والعرب، وهنا بالضبط تكمن قيمة الوثيقة، إنها صرخة مدوية أربكت بالتأكيد من كان مطمئنا إلى أنه قد أحكم السيطرة على الرأي العام لمئات الملايين من المسيحيين على امتداد الكرة الأرضية.


  بهذا المعنى تضع الوثيقة أمام المسيحيين الفلسطينيين والعرب مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة، مهمة تملك كل مبرراتها الدينية والأخلاقية والسياسية، مهمة تعيد صياغة معادلات الصراع، من على قاعدة أن المسيحية لا يمكن أن تكون غطاء للقهر والاستعمار واضطهاد الأمم والشعوب، إنها تعيد تحديد التخوم بين القيم والمسلمات المسيحية وبين الصهيونية بكل سلوكها وأيديولوجيتها، وهي في هذا السياق تعطي لليهودية واليهود الفرصة للتحرك والفكاك من هيمنة الفكر الصهيوني الذي يجاهد لاحتكار تمثيل اليهود واليهودية.


  هذه المقاربة تشمل مختلف ساحات ومستويات الفعل (اللاهوتية، الثقافية، السياسية، الأكاديمية، الاجتماعية، الإعلامية، والسلوكية) في المجتمعات المسيحية والرأي العام المسيحي الذي تأثر بالدعاية الصهيونية، وعندما أقول الرأي العام المسيحي فإنني لا أقف عند حدود السجالات والمقاربات الثيولوجية، فهذه لها رجالها ونساؤها، ولكنني أقصد الأبعاد العملية والسياسية التي تتخذها الأيديولوجيا عندما تهيمن في واقع اجتماعي ما.


  تأسيسا على ما تقدم، فإن أحد أبعاد الوثيقة الأكثر أهمية يتجلى في كونها وفرت أساس الانطلاق للبدء في عملية استعادة للمبادرة والفعالية الفكرية الجريئة لتحريك ديناميات المواجهة على امتداد المسرح السياسي العالمي مسلحة بمقاربة إيمانية وأخلاقية وسياسية تنزع الغطاء الديني والأخلاقي عن الصهيونية ومنتوجها دولة إسرائيل، وبهذا المعنى فإنها تشكل قوة لتحرير العقل والمقاربات، وتاليا إطلاق ديناميات الفعل السياسي والاجتماعي والفكري على مصراعيها، هل في هذا مبالغة؟ يكفي إذن أن ننظر ونراقب ردود الفعل من اليمين واليسار لندرك حجم المفاجئة والدهشة.


  إذن التحدي الآن هو الارتقاء بالفعل الفكري والسياسي من قبل الجميع إلى مستوى الأبعاد التي ذهبت إليها الوثيقة أوالأبعاد التي ستدفع إليها ديناميات النقاش والتناقض والسجال بالاستناد لوظيفة الوثيقة الكبرى: إعادة تحديد التخوم والنواظم مابين المسيحية والصهيونية.


  بالتأكيد الوثيقة شأنها شأن أي منتوج فكري وسياسي ليست كاملة ومطلقة، وفي نفس الوقت هي ليست وثيقة سياسية محدودة بسقف وتوازنات اللحظة أو شخوصها.   لقد أطلقت الوثيقة عنان التفاعل والفعل كما فتحت النوافذ والأبواب للمبادرات بكل أطيافها، لكن الخطورة  هي أن يعتقد أو يتوهم البعض أن عبء متابعة الوثيقة وتداعياتها هي مسؤولية لجنة أو مجموعة من الأفراد الذين أطلقوا المبادرة، في هذه الحالة نكون من جديد قد فقدنا الاتجاه وأبقينا الوثيقة حبيسة محددات ضيقة وكأنها وثيقة خاصة بأفراد أو طائفة أو مهمة المسيحيين فقط وهذا إن حدث سيعيدنا جميعا من حيث بدأنا أي إلى مأزق الوعي لذاته.

ما أريد قوله في ضوء هذا الفهم هو أن وثيقة "وقفة حق" هي:


-  وثيقة وطنية فلسطينية؛


-  كما هي وثيقة قومية عربية؛


-  وأيضا وثيقة مسيحية عالمية؛


-  وفي ذات السياق هي ثيقة إسلامية من حيث قدرتها على إعادة رسم الدور الحيوي للمسيحيين العرب  في فضائهم الحضاري والتاريخي بعيدا عن حساب الأرقام السطحي، وعبر التأكيد على أن الهجوم الأحمق على الإسلام من منطلقات عنصرية وسياسية واستعمارية ووصفه بالإرهاب هو هجوم على المسيحية ذاتها، كما أن وضع علامة مساواة بين المسيحية والممارسات العدوانية وإرهاب الدولة هو في الجوهر مساس بالإسلام وقيمه.


- كما أنها وثيقة تقدمية بالمعنى الإنساني والسياسي والأخلاقي؛


-  وهي في ذات الوقت وثيقة تحمل أبعادا فكرية وسياسية.


  بالاستناد لكل هذا وسواه تشكل الوثيقة قوة دافعة للفعل السياسي والفكري والثقافي، الأمر الذي يستدعي التعامل معها باعتبارها أحد الأولويات الوطنية والقومية وإدراجها على جدول أعمال القوى السياسية والأهلية والمثقفين واللاهوتيين ورجال الدين والأكاديميين لخوض غمار المواجهة التي سوف تحتدم في قادم الأيام، على شكل اشتباك يعكس خطورة المواجهة التي ستجري في تلك المساحة التي كانت غائبة أو مغيبة عن الفعل والتي بقيت بصورة عامة حكرا على هيمنة التنظير الصهيوني.


  بهذا المعنى تضع الوثيقة الجميع أمام مهام كبرى وفي ذات الوقت تثير أسئلة معقدة وحيوية، وعبر التعامل معها فإنها تغتني كما تغني والممارسة في آن. المهم إطلاق ديناميات الفعل التي ستشكل في حال أحسن استثمارها قوة للمساهمة في إعادة رسم معالم وتموضعات القوى والجماعات، الأمر الذي سيقود بالتدريج وعبر المواجهات وجدلية الفعل والحركة إلى تغيير موازين القوى، هذا لا يعني أن الوثيقة ستغير كل شيء، بمعنى لا يجب تحميلها أكثر مما تحتمل، فهي ليست بديلا عن أحد ولا بديلا عن أي شكل من أشكال المقاومة، إنها بصورة ما تعيد تفعيل حقل نوعي واستراتيجي، وتستعيد مساحة كانت مهملة وتضعها تحت دائرة الضوء مباشرة، لهذا يجب مقاربتها كجزء من ديناميات الفعل الفكري والسياسي والثقافي والاجتماعي الداخلي البنيوي للصراع وليس من خارجه.


  وبكلمة: "وقفة حق" هي حركة وعي تمهد الطريق لإعادة تفعيل قوى مغيبة أو صامتة أو مربكة  تقف في مجال دائرة الاشتباك الأخلاقي،الإنساني، السياسي، الثقافي، والعملي، وهذا لا يستثني أحدا؛ المسيحيين، المسلمين، العلمانيين والماركسيين، والهدف استعادة التوازن القيمي والأخلاقي والسياسي كرد على نهاية التاريخ أو تزويره أو تشويهه، وكرد على صراع الحضارات والأديان والثقافات، وهذا غير ممكن بدون ثورة في الوعي بالاتجاه الصحيح وبالشكل الصحيح في حقل، كان يبدو للوهلة الأولى وتحت ضغط الفكر السائد، وكأنه مسلمة خارج النقاش.