الخميس 17 أيار/مايو، 2012

مراجعة كتاب ( من اجل وطننا – تاريخ، استراتيجيات وممارسات المقاومة الفلسطينية الشعبية)

 

th_book



صدر عن مركز المعلومات البديلة باللغة الاجليزية كتاب : ( من اجل وطننا – تاريخ، استراتيجيات  وممارسة المقاومة الفلسطينية الشعبية )، من تأليف   أحمد جرادات  وماريا شايرا رويلي، وذلك خلال شهر شباط 2011، فيما يلي قراءة للكتاب قدمتها شيارا كروسياتي وهي باحثة إيطالية متطوعة في مركز المعلومات البديلة.

 مقدمة

إن الهدف الذي تم من اجله إصدار هذا الكتاب  هو تقديم تحليل سياسي وتاريخي للأشكال المقاومة الفلسطينية الشعبية المتعددة ضد الاحتلال الإسرائيلي من خلال ممارسة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنشطاء الفلسطينيين لهذا الشكل من المقاومة في اطار النضال الوطني الفلسطيني المستمر على طريق انجاز المشروع الوطني الفلسطيني في التحرر من الاحتلال الاسرائيلي.

يتكون الكتاب من خمسة فصول والتي بمجملها تشكل محاولة لدراسة عميقة لظاهرة المقاومة الشعبية الفلسطينية في واقع الصراع المعقد والمتشابك والطويل الذي خاضه ويخوضه الفلسطينيون ضد المشروع الاستعماري الصهيوني.

دراسة المقاومة الفلسطينية الشعبية هي أداة لتحليل المجتمع الفلسطيني ككل، مجزأ و مركب،  لكونها قضية شاملة تمس مجمل حالة النضال الفلسطيني لاكثر من قرن من الزمان، فهي لم تبدأ مع التصدي الشعبي لجدار العزل العنصري كما يبدو للوهلة الأولى وكأن المقاومة الشعبية الفلسطينية هي رد عليه فقط كما اتضح في العديد من الادبيات المرتبطة بالمقاومة ضد الجدار. ذلك أن المقاومة الشعبية لها جذور عميقة بالمعنى الزماني حيث انطلقت منذ اللحظة الأولى عندما وطأت اقدام المهاجرين الصهاينة الى فلسطين وبداية عملية السيطرة على الارض الفلسطينية جوهر الصراع وما تبعه من تغيرات وتحولات ادت الى سيطرة اسرائيل على كل فلسطين وعلى مراحل 1948، 1967.  بهذا المعنى لا يمكن اختزال المقاومة الشعبية فقط بالنضال ضد الجدار , وكما يقول الكاتبان انها ليست "  مجرد معارضة لبناء الجدار الفاصل " فقط.

يؤكد الكاتبان بأن المقاومة الشعبية الفلسطينية وجدت بعضا من تجلياتها في العقود الأخيرة من حكم الإمبراطورية العثمانية فقد برز آنذاك العديد من النماذج للمقاومة الشعبية ضد الاضطهاد خلال تلك الحقبة، والتي شهدت العديد من محاولات التمرد والمقاومة خاصة في ضد نظام الإقطاع المدعوم من العثمانيين في فلسطين، بل وحملت تلك المحاولات والنماذج  بعدا قوميا.

هذا ويبرز في الكتاب التوازي والعلاقة ما بين اشكال المقاومة المسلحة والسلمية ذلك أن التجربة النضالية الفلسطينية قامت على تفاعل خلاق بينهما، وأن لا شكل ينفي الآخر، حيث يمكن تلمس هذه الميزة من خلال تحليل ظاهرة المقاومة الشعبية في الكتاب. وكون الاحتلال الاسرائيلي وطبيعته الفريدة كمشروع احلالي – استيطاني قائم على تشريد الشعب الفلسطيني في واحدة من ابشع صور الاحلال والتشريد في تاريخ البشرية المبني على المجازر والقهر واستغلال الدين، وهو ما  أدى بالمقابل الى حالة من المقاومة الفريدة ايضا والمستمرة من قرن من الزمان.

يصف نصار إبراهيم سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي أدت لمسيرة النضال الفلسطيني الطويلة بقوله " سياسة  تشريد الشعب الفلسطيني " و" توظيف السرد الديني لتبرير مشروع سياسي لاستعمار فلسطين " و احتلال الارض و التاريخ على حد سواء " ( ص. 11) .

 

تحليل المكونات

في الفصل الاول المعنون ب  " لماذا دراسة المقاومة الفلسطينية " :

يبدأ الكاتبان  من تحليل خصائص طبيعة اسرائيل و شرح طبيعة المقاومة الفلسطينية . ذاهبا إلى أن الخطأ الأكثر شيوعا والذي يقترفه المؤرخون هو اعتبار الصراع الفلسطيني _ الاسرائيلي كصراع قومي مثل الصراع بين الصرب و الكوارتس في يوغسلافيا السابقة : " الصراع الاسرائيلي الفلسطيني هو صراع بين  ايدولوجية استعمارية و الجهود لبناء دولة يهودية دينية هو اطار عملها في الممارسات الاستعمارية وهي مشروع استعماري بامتياز. ونضال تحرري بابعاده القومية والانسانية من قبل الشعب الفلسطيني.

المشروع الاستعماري الذي تتضح معالمه من خلال  بناء المستوطنات و التوسع و الاستمرار في عملية تهويد القدس و الجرح المفتوح للاجئين ونظام  السيطرة  المنتشرة و التقسيم الاقتصادي و الاجتماعي داخل المجتمع الإسرائيلي،  و التقديم العام لوسائل الاعلام الاسرائيلية باعتبارها الركيزة الغربية في العالم الشرقي المتوحش , كل هذا يؤكد  التشخيص للدولة الاسرائيلية باعتبارها نظام استعماري" ( ص . 13).

يضيف الكاتبان عنصر آخر في وصف الكيان الاستعماري وهي: العنصرية . فمن خلال الطبيعة العنصرية لدولة اسرائيل يمكن فهم الخصائص الاساسية  للطوارئ و الاستثنائية في هذا النظام . طوال السنين، هذه السمة سمحت للمجتمع الدولي تبرير الممارسات الإسرائيلية  الغير قانونية التي هي ضد القوانين الدولية  و احترام حقوق الانسان للشعب الفلسطيني .

يتابع الكاتبان  تحليلهما لطبيعة المقاومة الفلسطينية، باعتبارها حركة شعبية، بأشكالها  المختلفة . من خلال التحليل السوسيولوجي والسياسي في اوقات و اقطار مختلفة ( ابتداء بمفهوم  ادوارد سعيد و انطونيو قرامشي للهيمنة وصولا الى  نظرية مايكل  في  السلطة المجهرية  و دراسات أعداد الشريط الحدودي، حيث يقيم الكاتبان توازياُ شديدً بين المقاومة و الثقافة: النضال الفلسطينيي التراثي  منقوع بالثقافة الشعبية. لذلك، تعتبر الثقافة سمة مركزية للمقاومة وهي السمة  الواضحة في الأشكال المختلفة للنضال والمظاهرات ( مثل المسيرات التراثية في بلعين كل جمعة ) . ان المقاومة الشعبية الفلسطينية متجذرة في الثقافة الشعبية الفلسطينية الرافضة للهيمنة والاستغلال والانتهاكات الاسرائيلية، وهي تتجلى في الحياة اليومية للفلسطينيين.

 

في الفصل الثاني المعنون ب  " الاستراتيجيات في تاريخ المقاومة الفلسطينية ":

يقوم الكتاب برحلة في تاريخ المقاومة الفلسطينية الشعبية منذ فترة الإمبراطورية العثمانية إلى الانتداب البريطاني وصولا غلى العصور الأخيرة، حيث ينصب التركيز الأكبر، أما العودة إلى الماضي فهي تأتي من باب وضع المقاومة الشعبية الفلسطينية في سياقها التاريخي  . ذلك أن المقاومة الفلسطينية لديها جذور متأصلة في تاريخ العالم العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر 19. حركات الاستقلال العربي والنضال ضد الاستعمار الغربي وبعدها النضال العربي ضد المشروع الصهيوني، والهدف من هذه الإشارة هو وضع المقاومة الشعبية في سياقها العربي فهي ليست فقط حالة فلسطينية بل هي تجلي لواقع اوسع في عمقه العربي.

يشرح الكتاب هذا العنصر من خلال كلمات البروفسور مازن قمصية : برنامج  الصهيونية هدف على الفور لإقامة الدولة اليهودية في الأراضي الفلسطينية،  وهو هدف جديد تماما في بانوراما الهجرات. لذلك، كانت الأشكال السابقة للمقاومة للدفاع عن البلد من الاستعمار اليهودي في بداية اعوام القرن العشرين . مثال آخر الثورة الفلسطينية الكبرى في 1936-1939 ضد قوة الانتداب  البريطاني : ايضا في تلك الحالة كان قمع الثوار عنيفا و قاسيا و كان ضروريا لدعم المنظمات الصهيونية في فلسطين  من قبل الانتداب البريطاني.

في العام 1948 "شكلت النكبة نقطة تحول في التاريخ الفلسطيني وفي حياة الآلاف من الناس . حوالي 700,000 فلسطيني – ثلثي الشعب الفلسطيني- تم طردهم من ارضهم و اصبحوا لاجئين . مئات القرى دمرت لتقام دولة إسرائيل على مساحة  78% من اراضي فلسطين التاريخية، بينما كان "الشعب اليهودي" يمثل حوالي 33% من عدد السكان الكلي في المنطقة . ومثلما كان الصراع في ثورة  الثلاثينات، كانت الأرض القضية المركزية، وهذا استمر بعد النكبة،  ( ص.22) .

منذ 1948 العام أصبح الصراع على فلسطين قضية عربية بامتياز : القومية العربية اتخذت من القضية الفلسطينية عنوانا لصراعها مع المشروع الصهعيوني. لذلك السبب أصبح الصراع مع الحركة  الصهيونية  قضية العرب المركزية.

فقد شخص المشروع العروبي مع بدايات الخمسينات بقيادة نظام جمال عبد الناصر في مصر، القضية الفلسطينية كمشروع قومي فلسطيني وعربي، وهذا البعد القومي  تجلى في عمل وشعار القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية  لاحقا – مع التأكيد أن هذه القوى قد لعبت رأس الحربة في المقامة ضد المشروع الصهيوني. ولقد تشكلت هذه القوى واخذت دورها في هذه المقاومة بشكل اقوى واوسع بعد هزيمة حزيران وهي هزيمة للمشروع القومي العربي كما تم النظر لها حيث تشكلت قوى وفصائل مثل :

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "الحركة الماركسية" وقوى أخرى . وقبلها بزمن قصير كانت حركة فتح، مجموع هذه القوى سواء التي كانت موجودة قبل 67 او بعدها  تمكنت من تحقيق الهدف المتمثل في التعبئة الجماهيرية حتى اندلاع الانتفاضة الأولى في عام  1987  و هو ايضا تاريخ تأسيس حماس الذي شكل بداية انخراط الإسلام السياسي الفعلي  في الصراع والمقاومة، و باستخدام كلمات بومغارتن، يشرح الكتاب بشكل جيد للغاية تنوع  المقاومة الفلسطينية فقد أضاف الإسلام السياسي عنصرا جديدا متباينا مع ما كان قائما على مستوى الشعار القومي . وكما ارتفع نهر من ثلاثة خلجان "  بدلا من القومية العربية التي اقترحها ناصر، و بدلا من القومية الفلسطينية المقترحة من فتح ، قدمت حماس في بيانها الأول في ديسيمبر 1987 شعار "الإسلام هو الحل " ( ص. 24) . إلا أن هذا الشعار الإسلامي لم يستطع التاثير السلبي على البعد القومي المذكور ولاحقا تبين بانه حتى الاسلام السياسي دار في فلك البعد القومي العربي رغم الشعار الديني.

بعد انتهاء الانتفاضة الأولى، بدأت فترة ما سمي بعملية  السلام لحل الصراع في فلسطين، والتي  توجت العملية  باتفاقية اوسلو ليتم تأسيس السلطة الفلسطينية، غير أن هذه العملية سرعان ما تبين ضعفها، لتندلع بعد سنين قليلة الانتفاضة الثانية وحدوث تغيرات عميقة على الخارطة السياسية الفلسطينية، وتجلى ذلك التغير في انتخابات 1996 وخسارة  فتح لمكانتها واشتداد قوة حماس .

 

في الفصل الثالث المعنون ب  " المقاومة الحالية في القرى ":

يتعامل الكتاب في هذا الفصل مع المقاومة الشعبية المعاصرة، التي تعتبر اعادة تطوير وتجاوز لبعض الاشكاليات التي رافقت  الانتفاضة الثانية . فقد تميزت هذه الحقبة بكثير من الحركات الشعبية في القرى. بناء الجدار الفاصل و زيادة توسع الاستيطان و خنق القرى الفلسطينية، مما أدى إلى ظهور أشكال جديدة من المعاناة المنتشرة في جميع ارجاء الضفة الغربية. وقد حدد الكتاب التغير في المقاومة الفلسطينية من خلال انتقال أشكال المعاناة من المدن الى القرى باستثناء شرق القدس و الخليل، بعد الانتفاضة الثانية تجذرت الحركة الشعبية الفلسطينية في القرى، مغيرة بذلك سمة الشعبية الى القروية . وهو الأمر الذي ارتبط بالهجمة الاستيطانية على الارض في مناطق (ج) حسب اتفاقية أوسلو وهي مناطق قروية بالاجمال وكذلك الجدار العازل .

وقد أصبح يوم الجمعة رمز الحركة الشعبية القروية الجديدة  مثل مسيرات بعلين ( التي بدأت في ديسمبر 2004) و مشاريع ونماذج المقاومة السلمية في القرى مثل قرية  ليتواني في جنوب الخليل و المعصرة  شرق شمال بيت لحم و النبي صالح شمال رام الله :" واضاف "اذا كانت تتركز معظم المعاناة خلال الانتفاضة الثانية في منطقتي جنين ونابلس وطولكرم، فقد انتشر مركز المقاومة الجديد في مختلف المناطق في الضفة الغربية . المقاومة الجغرافية ضد جغرافيا الجنون – التي تبدو انها تتبع مسار الجدار و المناطق الحساسة التي يتوسع فيها الاستيطان "(ص.28).

وقد شكل الجدار الفاصل واتساع الاستيطان حول القرى عوامل  دافعة  لولادة الحركة السلمية . كما حدد الكاتبان  هذا العنصر مكن من  انتشار الشعارات  للاعمال و المشاريع السلمية، ومن ناحية أخرى  فإن هناك العديد  من  القيود على المقاومة الشعبية :"يمكن أن نفترض النضال الفلسطيني هو حركة موضعية، والمشاركة في معركة تهدف فقط لنقل الجدار الفاصل على بعد بضعة كيلومترات، الجدار العازل الذي يكشف مدى الفساد  في انحاء العالم من خلال عدم التعامل معه كسياسة لا يمكن القبول بها والضغط على إسرائيل لوقفه وإزالته. حيث النموذج  الشمولي الاكثر  وضوحا و انتشارا ( ص.29).

كم يوضح الكتاب السلوك الأول لنموذج هذه المقاومة الجديدة السلمية، من خلال الأمثلة على نشاطات المقاومة الشعبية في قرى الضفة الغربية : بيت ساحور، ضواحي بيت لحم أحد مراكز النضال الشعبي الفلسطيني في الانتفاضة الأولى، فقد عرفت بيت ساحور بين 1987 , 1990  ظاهرة العصيان المدني  بواسطة اداة سلمية " لا ضرائب بدون تمثيل ّ، مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، والإضراب العام وإتلاف ورمي  بطاقة الهوية الإسرائيلية.

 

هذا المثال يوضح الاختلاف بين الانتفاضة الاولى و الثانية : في عام 2000 النضال كان مشخص ( كما  يقول عدنان رمضان، المدير التنفيذي لمبادرة الدفاع عن فلسطين المحتلة و مرتفعات الجولان ( اوبغاي)  " بسبب عدم وجود قيادة سياسية وبنية جادة، هذا الانعدام ادى الى تهميش  العمل الشعبي  :"  هناك عناصر حيوية  عندما نتكلم عن المقاومة مثل الرفض والإجراءات، استعداد الناس لأتخاذ الأجراءات والعصيان المدني ورسالة سياسية واضحة و مطالب واضحة و نحن ايضا بحاجة الى مجموعات لتنظيم هذه الإجراءات،  لتكون في كل الاماكن عندما يحدث شئ، لينخرط اناس جدد . هذه هي العناصر الحيوية للمقاومة ".(ص.32).

 

في الفصل الرابع " القضايا الحاسمة ":

يتعامل الكتاب في هذا الفصل مع معضلة الاختيار بين المقاومة العنيفة وغير العنيفة .

حيث يتطرق الكتاب إلى النقاش المفتوح والحيوي الجاري داخل المجتمع المدني الفلسطيني بين أولئك الذين يعتبرون خيار العنف انتحاراً سياسياً، وأولئك الذين يعتقدون انها حق ويجب ممارسته، وبين اللذين  يعتبرون الخيار السلمي هو البديل الوحيد الممكن لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي و يعتقدون بأنه شكل خفيف للمقاومة .

 

يشرح الكاتب " فلسطين، كبلد محتلة لديها الحق في اختيار النضال المسلح ضد الاحتلال ". (ص.33) المقاومة الفلسطينية الشعبية كانت بشكل كبير سلمية. اللجان الشعبية ولدت خلال هذا الوقت في القرى هي خير مثال : أول 50 سنة من النضال الفلسطيني كان  بشكل كبير غير مسلح .

الصعوبات المترتبة ايضا شرحت من خلال ما قاله مبارك عوض، مؤسس المركز الفلسطيني لدراسة الحركة السلمية :" أولا: النضال السلمي هو مجموع نضال جدي، ليس هناك شئ قصير في حرب حقيقية . النضال السلمي هو حرب حقيقية، وهو ليس بديلا سهلا . ثانيا , النضال السلمي ليس سلبيا  أوالسلبي  هو نشط جيدا , وهو نشط وإيجابي في هذه العملية، وهو شكل من أشكال الحرب المتنقلة. فهي تتطلب تدريبا خاصا ودرجة عالية من التنظيم والانضباط "( ص. 35).

لذلك المقاومة تنفذ بأشكال مختلفة : المقاطعة، الإضرابات، زيارة مناطق،  اختيار البقاء في الخليل كمدينة مستهدفة بالاستيطان داخل أحيائها، الزواج أمام الاسوار المكهربة و الجنود الاسرائيلين، لذلك فأن الابداع يصبح الآلة السلمية للمقاومة، وتصبح قادرة على توعية المجتمع الدولي :" الصمود والإبداع، هي عناصر أساسية في كل المقاومة الشعبية، في القدرة على اختراع أشكال جديدة للأحتجاج و التفاعل و النضال . النضال الفلسطيني هو مثال ذو صلة بذلك . صور المظاهرات التي يلبس فيها المتظاهرون ملابس الشخصيات البارزة في فلم افاتار، أو احتفال بالزواج أمام الأسوار و الجنود،  السفر والتنقل  في كل مكان ".( ص. 40)

وقد شكلت الانتفاضة الأولى حتى الآن نموذجا نظم بإستراتيجية  سلمية بعيدة المدى . الأمر الذي لا يمكن تعقبه كثيرا في الانتفاضة الثانية . العديد من المفكرين اعتبروا انتفاضة 2000 كانت محدودة لمجموعات قليلة ولا تندرج تحت تعريف الانتفاضة،  وبالنسبة لاخرين المشاركة كانت مهمة واستخدام السلاح كان واجبا بارتفاع وتيرة عنف الجيش الإسرائيلي. على الرغم من أن العنف بين الجانبين لم يكن متناسبا .

بعد أحداث 11 سيبتمبر وقف العالم كله إلى جانب الحرب على الارهاب التي أطلقها الرئيس بوش، حيث قدمت الانتفاضة الفلسطينية على انها ارهاب . وهو ما سمح يتصاعد العنف  الإسرائيلي تحت الغطاء الغربي .

تميزت الانتفاضة الأولى أيضا بعنصر آخر : المشاركة الجماعية، ذلك أن وحدة الجهود المشتركة والاستراتيجيات عوامل  ضرورية  لتعريف النضال الشعبي كمقاومة :" الانتفاضة في 1987 الى 1990 تستذكر على أنها حركة شعبية تميزت بالدافع المشترك القوي في المجتمع الفلسطيني "(ص.43). لكن الوحدة المكتسبة خلال الانتفاضة الاولى سريعا ما تفككت خلال سنوات  عصر  المفاوضات و عمليات السلام.   حيث فسرت اتفاقية أوسلو على الفور بكونها استسلام القيادة الفلسطينية للمطالب الاسرائيلية  : هذا الاتفاق مهد الطريق لاندلاع انتفاضة ثانية، ويؤكد الكاتبان على أن محاولة تطبيع الصراع يجب ان يكون العقبة الاولى امام المقاومة الشعبية :" الموقف المضاد للتطبيع هو واحد من العناصر الموحدة للمقاومة السلمية القروية "(ص.46), تطبيع الصراع يعني تحويل قوة الاحتلال إلى شريك .

لكن الوحدة السياسية والجغرافية هي أيضا ضرورية ليكون هناك مشاركة جماعية، لذلك يحدد الكتاب عوائق أخرى أمام المقاومة الشعبية : عدم وجود تواصل جغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وغياب قيادة  سياسية قوية  وغياب اجندة واحدة جامعة للكل الفلسطيني كما كان في الانتفاضة الاولى. خاصة، العلاقة بين الأحزاب السياسية وانعدام المقاومة القروية تقريبا. السلطة الفلسطينية في الضفة و حماس في غزة غالبا قاطعت المظاهرات السلمية الشعبية . كما يؤكد الكاتبان " هذه الايام في فلسطين من المستحيل ان تخلق لاعبا سياسيا قويا وجامعا كما كان حزب المؤتمر الوطني الافريقي في جنوب افريقيا". (ص.52).

 

الفصل الخامس ," أشخاص المقاومة":

يقوم الكتاب  بتحليل أشخاص المقاومة الشعبية، فمن خلال التعريف، يجب على حركة المقاومة أن تضم من فئات اجتماعية مختلفة من المجتمع : رجال، نساء، عمال, مثقفين، طلاب، الأحزاب السياسية، والنقابات . في الحالة الفلسطينية، منظمات ومتطوعين  اسرائيلين ودوليين انضموا الى هذه الفئات التقليدية .

هذا وشهدت المقاومة الشعبية الفلسطينية قوة وتجذر دور المرأة فيها ايضا  . منذ الانتفاضة الاولى و الحركة النسوية تحملت  وظائف مهمة، خاصة الرمزية ووظائف سياسية . الكاتبان يؤكدان على ان هذه المشاركة سمحت للمراة بالانخراط وتحمل مهام وطنية جديرة بالإشارة،  ورغم هذا النضال الطويل، ألا انه  لم يكن مدعوما من السياسيين الرسميين :" بنية السلطة الفلسطينية لم تدعم حضور المرأة في الحياة  السياسية والشعبية . بعد اندثار آمال السلام العادل في المنطقة، تنامى دور العشائرية والدين  ( خصوصا في قطاع غزة بعد سيطرة حماس في 2006 ) اعادة  تأكيد الدور الأبوي في الأسرة والمجتمع و تهميش مساهمة المرأة.") (ص.54).

في الوقت نفسه، لا يجب التقليل من أهمية دور المرأة خلال الانتفاضة الثانية، لأن هذا الدور سمح للمجتمع بأن يستمر بشكل طبيعي: فبينما كان الرجال الذين انخرطوا في الجماعات المسلحة يقبعون في السجون الاسرائيلية  سيرت المرأة الاقتصاد الأسري والقروي . أكثر من ذلك، قادت النساء الفلسطينيات إضرابات ومظاهرات وخاطبت مجاميع الناس من المسارح و ادارت اللجان الشعبية .

وإلى جانب النساء كان هناك الأطفال والشباب في الصفوف الأولى في العديد من  المظاهرات الشعبية في الضفة الغربية . فخلال الانتفاضة الثانية  كان الاطفال في الكثير من الاحيان مناصرين للعمليات الاستشهادية :" هؤلاء الاطفال ترعرعوا في ظل الهيمنة و السيطرة الإسرائيلية  عندما بدأت الانتفاضة الثانية، اختاروا هذا النوع من المقاومة للانتقام بسبب ما عانوه . يجب النظر إلى  التفجيرات الاستشهادية من عدة عدسات (الدين، السياسة، المجتمع)، ومع هذا يبقى سياق العنف الذي عاش فيه هؤلاء الاطفال هو الاساس في تصميمهم على التضحية بأنفسهم في تلك العمليات . (ص.55).

بعد الانتفاضة الثانية بدا دور الشباب وكأنه  تغير و اصبحنا نسمع شعارات  اللاعنف وتم تشكيل  حركات ضد الاستيطان و الجدار العازل .  و تميزت هذه الحركات السلمية بالمشاريع الملموسة  و المظاهرات الاسبوعية.

من بين العناصر الفاعلة في المقاومة الفلسطينية  خلال السنوات، برز دور المتطوعين الدوليين وقد تجذر بشكل أكبر  حتى وان ألغي في كثير من الاحيان  بفعل الاحتلال الاسرائيلي:" المقاومة الشعبية الفلسطينية قد استفادت من المشاركة الدولية المتنامية منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، وأصبح النضال مشتركاً بين الفلسطينيين والكثير من الناس في انحاء العالم.

ولاحقا أضيفت  مشاركة المواطنين الاسرائيلين في المقاومة الشعبية ." (ص.57). مثال جيد على ذلك العديد من الجمعيات المشتركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي تأسست منذ ثمانينات القرن الماضي، مثل مركز المعلومات البديلة الذي أصبح نموذج يحتذى به في مفهوم  المشاركة . مثال آخر هو حركة التضامن الدولية، التي ولدت في عام 2001 و تتواجد في غزة والضفة الغربية، حيث أصبحت في وقت قصير المنارة للمشاركة الدولية ليتعرض متطوعيها في كثير من الاحيان للاعتداءات  الاسرائيلية و الترحيل .

وقد تم تأمين الوجود الدولي  من قبل جمعيات مثل حركة التضامن الدولية . وهو ضروري في بعض القرى خلال نشاطات المقاومة الشعبية، فمثلا وجودهم للعمل على  المراقبة و مرافقة السكان الفلسطينيين أصبحت وسائل مهمة لنقل معلومات مباشرة عن اعتداءات الجيش الاسرائيلي و لجلب انتباه المجتمع  الدولي للعواقب المأساوية للأحتلال .

وقد تم تحليل السبب في الاهتمام الدولي بالصراع الفلسطيني- الاسرائيلي من خلال المِؤلفين على اساس خصوصية الوضع : كمركز توازن واستقرار في جميع انحاء الشرق الاوسط  " لذلك , فأن فلسطين و اسرائيل تعتبر كأكثر جغرافيا مكثفة ومختبر لديناميكا الانفصال، الاستعمار، الاضطهاد والظلم والطرد الذي يمكن مشاهدته من خلال تأثيره على أجزاء أخرى من العالم.") (ص.58).

في النهاية، يؤكد الكاتبان على أهمية المشاركة الجديدة للمنظمات الاسرائيلية المعارضة للصهيونية : جمعيات مثل الشيخ جراح وحركة فوضويون ضد الجدار قررت ان تملك القضية الفلسطينية، وتناضل داخل إسرائيل ضد الاعتداءات والاعتقالات .

 

نقد:

كتاب " من اجل وطننا" هو اداة ممتازة لمواجهة الميل لتطبيع الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وكذلك لتحليل الرواية الفلسطينية الغير معترف بها والمنفية  لدى الجانب الإسرائيلي والمعزولة  إلى زاوية من قبل المجتمع الدولي، إن تحليل الاشكال المختلفة للمقاومة الشعبية يضع النضال المسلح والمقاومة السلمية في نفس المستوى،  وكأدوات للهدف نفسه، ذلك أن إنكار حق الشعب الفلسطيني في الكفاح المسلح  ليست أكثر من فكرة نمطية فرضها "المجتمع الدولي"، وهو ما يناقض وثيقة جينيف  خاصة قرار  رقم 1977 الذي يعترف بالحق بالمقاومة واستخدام السلاح ضد الاحتلال العسكري.

 

كما يعد الكتاب جزءاً من خطاب  لمواجهة السلوك الدولي الذي يعتبر المقاومة الفلسطينية المسلحة إرهابا، ويتجاهل التمييز بين العنف الإسرائيلي والفلسطيني .

فكما يوضح الكتاب المجتمع الدولي يعترف بحق اسرائيلي في العنف العسكري للحفاظ على الامن . وفي الجانب الاخر يعتبر المقاومة الفلسطينية بكل بساطة إرهابا، في نهاية المطاف.:" العنف الصهيوني (من قبل  الأفراد أو الجماعات الشبه عسكرية مثل الهاغانا, الاراغون  ,و البالماخ ...الخ)  طوال التاريخ الاسرائيلي المعاصر منذ الانتداب البريطاني، وحتى اليوم، هجمات المستوطنون اليومية، عادة ما يتم تجاهلها أو تنسى خلال النقاشات العامة."(ص.12).

يهدف الكاتب إلى تقديم تحلي عميق للخيار الفلسطيني السلمي. خاصة في التجربة القروية في الضفة الغربية، حيث يقوم بمراجعة نموذج الانتفاضة الأولى  بشكل جيد محاولا أن يقود القارئ إلى فهم الاثار الحالية للمقاومة الشعبية . الأمثلة العديدة للنضال القروي تؤكد على معوقات و صعوبات  المقاومة الشعبية لمواجهة الاحتلال : " نقص في الوحدة والقيادة  القادرة على فهم الحاجات الاساسية والضرورية للشعب الفلسطيني ونقص الاستجابة للتفكير بصوت واحد. أكثر من ذلك، يؤكد الكاتبان  على الطبيعة  العالمية للصراع  الفلسطيني – الإسرائيلي الذي يعتمد بطبيعته على التواجد الدولي بشكل كبير ومشاركة المنظمات المناهضة للصهيونية في داخل إسرائيل. ففي كل الاوقات  بعد عام 1948 تميز الصراع بالقومية الوطنية واتسمت المقاومة الفلسطينية بالوطنية  أما بعد فشل ما يسمى عمليات السلام، فقد لفتت القضية الفلسطينية انتباه واهتمام  المجتمع والرأي العام الدولي  هذا التحول كان جزء من التغير العالمي : التأكيد على العولمة وصعود الليبرالية الاقتصادية الجديدة، والتقدم الاستثنائي في تكنولوجيا المعلومات وسرعة  انتشار الاخبار و تنامي اللامساواة بين الشمال والجنوب، وظاهرة الهجرة الجماعية،  وهجمات 11 سيبتمبر والحرب التابعة " الحرب على الارهاب" والربط بين الاسلام والإرهاب "(ص.62).

لذلك، بين الكتاب  الرابط الكبير بين الأزمات العالمية والليبرالية الجديدة، من خلال الحركات العالمية والقضية الفلسطينية التي اتخذت نموذجا و رمزا للنضال ضد الاستعمار الاحتلالي والاقتصاد الليبرالي الجديد، فمثلا تشكل الحملة العالمية لمقاطعة وسحب الاستثمارات مثالا واضحا لمحاولات توعية المجتمع الدولي من خلال النشاطات اليومية، وتوعية الأفراد والمجموعات ضد دولة اسرائيل.

إن كتاب " لوطننا" يوفر الادوات الضرورية  لتحليل الجغرافيا السياسية الفلسطينية الحالية، المغلقة بين الاحتلال وعدم القدرة السياسية للوصول إلى إستراتيجية موحدة و فعالة . حيث يلقي الكتاب  الضوء على  أهمية الصمود من اجل تحرير الشعب الفلسطيني : الطريق طويلة لأنهاء الاحتلال الإسرائيلي، لكن الفلسطينيين اثبتوا دائما أنهم يعرفون كيف يقاومون بكرامة وإبداع ووحدة ."  كل سرد للمقاومة هو " تاريخ تعاقدي" و " علاقة تاريخية"  بالتأكيد هي علاقة مكونة من غضب وعنف و اضطهاد، لكنها أيضا علاقة أنصار، تضامن و تكاتف  مشترك.

 بالنسبة للكثير من الفلسطينيين والإسرائيليين, قرى مثل بلعين،  نعلين، ليتواني، النبي صالح، بيت امر  والمعصرة  هي الاماكن الوحيدة التي فيها املهم. (ص.66).