بحوث ودراسات
سيميولوجيا ساحات الثورة ميدان التحرير فضاءً لثورة 25 يناير أنموذجا
مقدمة فضاءً لكثير من الثورات في التاريخ كانت الساحات والميادين والشوارع، وقد كانت كذلك للثورات العربية العارمة كما جرى في تونس ومصر واليمن والبحرين في العام 2011، فكان ميدان التحرير وساحة القصبة وساحة التغيير في صنعاء وميدان اللؤلؤة فضاءً ومسرحاً سريالياً يحتشد فيه الواقع والفانتازيا بكثافة، كما وتتوالد فيه العلامات والرموز والدلالات والمعاني، بكلمات أخرى كانت الميادين نصاً وخطاباً بمكن قراءته وتحليله. ستعمل هذه المحاولة على دراسة وتحليل سيميولوجيا* ميدان التحرير من حيث هو فضاء لنسق علامات ورموز لها دلالات ومعاني، أيّ تحديد نسق سيميولوجيا ميدان التحرير، عبر رصد وتحديد وتحليل العلامات والرموز ومعانيها ودلالاتها، سواء كانت تتجلى عبر التعبيرات اللسانية (اللغوية) أو غير اللسانية في الميدان، وصولاً لفهم وتفسير ظاهرة ميدان التحرير من حيث كونه فضاءً ثورياً ببعده الرمزي ومعانيه الكامنة. هذا وستعتمد الورقة في تمشيها المنهجي على سيميولوجيا الدلالة* والتي تعنى بالبعد الرمزي للظواهر الاجتماعية، فمن خلال الرموز تكتشف الدلالة وصولاً إلى المعنى من حيث كونه المادة التي تشتق منها الدلالات، المعنى باعتباره مادة تكون الدلالة شكلا لها ومشتقة منها، بمعنى آخر إن الدلالة " صيرورة لإنتاج المعنى"(بنكراد،2010). كذلك ستعتمد الورقة على سيميولوجيا التواصل* والتي تدرس وسائل التأثير والتواصل مع الغير، والتي تكون معترفا بها من قبل المستقبل، كما ويكون قصد التواصل من قبل المتكلم أو المرسل معترفاً به من طرف المستقبل أو متلقي الرسالة، كما وتنظر سيميولوجيا التواصل للغة على أنها نظام تواصل، يتضمن قدراً كبيراً من الانسجام، والاهم هو في انها ترى أن وسائل التواصل ببعدها الإخباري تبلغ معلومة وتخفي أخرى. ولأن السيميولوجيا تفترض إقامة علاقات وروابط بين علامات مختلفة قد لا يستطيع الإمساك بها إلا من كان بن التجربة التي ساهمت في صياغتها( بوعزيزي، 2010: 14)، فان الورقة حاولت جاهدة التغلب على عقبة عدم انخراطها في فضاء ميدان التحرير مادياً، من خلال متابعة وتسجيل ما قدمته الفضائيات والانترنت والصحافة بشكل متواصل ويومي منذ 25 يناير 2011 وحتى انتصار الثورة في ميدان التحرير. التمشي النظري والمنهجي بقدر ما ستستند هذه المحاولة إلى السيميولوجيا كأداة منهجية في تعاطيها مع فضاء ميدان التحرير، إلا إنها ستتعامل مع ميدان التحرير أيضاً من حيث كونه فضاءً سوسيولوجياً بامتياز، حيث لا يمكن فصل سيميولوجيا ميدان التحرير عن البنية السوسيولوجية الأكبر، يقول كاستورياديس: "إن ما يبقي المجتمع متماسكا هو تماسك عالم دلالاته"(كاستورياديس،2003: 504)، فبرغم تشظي الواقع المصري ما قبل الثورة، إلا أنه أظهر تماسكا مهولاً مع أول لحظة للثورة، وهو ما يطرح تساؤلا حول كيفية حدوث ذلك بهذه السرعة. وإذا كانت السيميولوجيا منهجا ودرسا في تحليل النصوص، فان هذه المحاولة ستذهب مفترضة أن فضاء ميدان التحرير شكل نصاً وخطاباً قابلاً للقراءة والتحليل تفكيكاً وتركيباً، وهو ما يجعل إمكانية الاعتماد على منهجية التحليل السيميولوجي أمرا مقبولا. حيث سيرتكز التحليل السيميولوجي باعتبار الميدان نصاً وخطاباً على ثلاثة أسس هي: التحليل المحايث: ويقصد به البحث عن الشروط الداخلية المتحكمة في تكوين الدلالة وإقصاء كل ما هو خارجي كظروف النص والمؤلف وإفرازات الواقع الجدلية، وعليه فالمعنى يجب أن ينظر إليه على أنه أثر ناتج عن شبكة من العلاقات الرابطة بين العناصر(بنكراد،2011) وهنا نرى بأن عملية الفصل هذه ستكون في المرحلة الأولى في تحليل جسد النص، يليها ربط هذا النص بسياقه السوسيولوجي والتاريخي. التحليل البنيوي: إن إدراك معنى الأقوال والنصوص يفترض وجود نظام مبني على مجموعة من العلاقات، وهذا بدوره يؤدي بنا إلى التسليم بأن عناصر النص لا دلالة لها إلا عبر شبكة من العلاقات القائمة بينها، (بنكراد،2011)، ان معرفة العلاقات القائمة ما بين علامات ودلالات ومعاني فضاء الميدان هو المرحلة الثانية في تحليل هذه المحاولة. تحليل الخطاب: حيث تتجاوز السيميويولوجيا اللسانيات البنيوية التي تهتم بدراسة الجملة انطلاقا من مجموعة من المستويات المنهجية حيث تبدأ بأصغر وحدة وهي الصوت لتنتقل إلى أكبر وحدة لغوية وهي الجملة، منطلقة إلى تحليل الخطاب . نحن هنا أمام مقاربة منهجية تستند في تمشيها المنهجي لسيميولوجيا التواصل والدلالة، وهي ترجع إلى التحليل البنيوي في تعاطيها مع ميدان التحرير كنص وخطاب سيميوسوسيولجي يمكن تحليله استناداً لأدوات سيميولوجية ولسانية. ميدان التحرير..فضاء مديني.. نص وخطاب ميدان التحرير أو ميدان الاسماعيلية أو ميدان السادات أو أيضاً ميدان الشهداء، كلها أسماء أطلقت على ميدان التحرير على مر العصور منذ إنشائه منذحوالى قرن ونصف القرن، حيث يعد أحد أكبر ميادين العاصمة المصرية شهرةً وأيضاً من أهمها من حيث الحركة والموقع، ولكن الأهم من كل هذا هي رمزية هذا الميدان عبر تاريخه منذ إنشائه وحتى يومنا هذا. لقد كان اعجاب الخديوي اسماعيل بالحضارة الاوربية خاصة الفرنسيه سببا في كونه عمل منذ توليه الحكم في تخطيط وبناء القاهره الجديده وفق الطراز السائد فى باريس، ولهذا كلف المعمارى الفرنسى(باريل دى شامب ) الذى قام بدوره بإنشاء المبانى والميادين الجديد على الطراز الفرنسى، وكان من بينها ميدان التحرير الذى انشىء عام 1865(على نمط ميدان شارل ديجول فى فرنسا) تحت اسم (ميدان الاسماعيليه ) نسبه إلى الخديوى اسماعيل. ومنذ انشاء الميدان وهو يشهد العديد من الأحداث الهامه فى تاريخ مصر، ففي العام 1881 خرج الزعيم الراحل احمد عاربى من الميدان بقياده وحده عسكريه متجهاً إلى قصر عابدين حين قال جملته الشهيره "لقد ولدتنا أمهاتنا أحرار" . وحضر الميدان مرة اخرى اثناء ثوره 1919 حيث تجمع الآلاف من المصرين أمام ثكنات الجيش الانجليزى التى كانت معسكره فى الميدان وأجبرته على الموافقه على عودة الزعيم سعد زغــلول هذا وبقي أسم الميدان "ميدان الاسماعيليه" حتى قيام ثوره 1952 التى غيرت اسم الميدان إلى ميدان التحرير تيمناً بتحرير مصر من حكم أسره محمد على والأحتلال الانجليزى . لتظهر أهميه الميدان من جديد فى العهد الحديث اثناء العدوان الثلاثى على مصر، حيث تجمع آلاف المصريين فى الميدان للتطوع ضد الاحتلال فى بورسعيد، وكذلك وفى 9 يونيو 1967 عندما قرر الزعيم الراحل جمال عبدالناصر التنحى عن منصبه كرئيس للجمهوريه بعد الهرزيمة، لتنطلقحشود هائله من الشعب المصري إلى الميدان مطالبة عبد الناصر بالبقاء والتراجع عن قراره، وبعد سنة تقريباً وفى سبتمبر 1968 شهد الميدان مظاهرات جديده من الشباب والطلاب تطالب بمزيد من الحريه والديمقراطيه. وفى يناير 1972 شهد الميدان واحدةً من أكبر المظاهرات الطلابيه ضد أنور السادات ليعبروا عن غضبهم واستيائهم بسبب تأخر الرئيس انور السادات فى الرد على الهزيمة وأعلان الموعد النهائى للحرب، وفى أكتوبر 1973 احتشدت الجماهير فى الميدان لتحيه السادات عندما كان قادماً لالقاء خطاب النصر فى مجلس الشعب، ثم ليتجمع الناس فى عام1977 (عام الانفتاح الاقتصادى) فى الميدان ليعبروا عن غضبهم بسبب رفع العديد من السلع الاساسيه(عالم الابداع، 2010) . وعندما أندلعت الحرب ضد العراق وتم غزو بغداد في ابريل 2003 أشتعلت المظاهرات وكان ميدان التحرير هو أكبر تجمع لأكبر مظاهرة فى مصر، إلى أن جاءت ثورة 25 يناير 2011 حين أحتشد ملايين المصريين في ميدان التحرير مطالبين برحيل الرئيس محمد حسني مبارك من رئاسة الجمهورية واصبح الميدان فضاءً للثورة المستمرة رغم تخلي مبارك عن سلطاته، فكان زال فضاء الاحتفال بالنصر وما زال فضاءً لحماية الثورة وصويب مسارها وحمايتها من حكم العسكر. يقول بارت "المدينة خطاب.. تتحدث المدينة إلى سكانها ونحن نتحدث إلى مدينتنا"(بوعزيزي،2010: 194) فكيف إذن بميدان التحرير في القاهرة وخاصة خلال الثورة، حيث شخص فضاءً ولغةً ونصاً وخطاباً، نسق وبنية لها رمزية ودلالات ومعاني تبوح بما تختزنه قاهرة مصر وشعبها. والمدينة أيضا ليست لا مكان مشترك ولا مكان نهائيّ، بل هي تتوسّط تجارب الفاعلين، أي ممارستهم اليومية لفضائهم والصورة الشخصية للمدينة، بعبارة كابال والصورة المتحفيّة بتعبير بيار جودي، وتحتمل هذه الصورة الرمزية للفضاء المديني باعتبار اقترانها بالممارسة الفضائية للفاعلين عناصر فعليّة متأتية من العلاقة المباشرة واليومية بالفضاء وعناصر خياليّة تتّصل في الغالب بالمعلومة حول المدينة لا بالاستعمال، وهو ما يؤكّد الطبيعة المعقّدة لجدلية الصلة بين الذات الاجتماعية وفضائها الخاص مثلما العام (اليحياوي،2010). لذلك فإن ميدان التحرير ليس مجرد ميدان مديني فسيح له هندسته المعمارية بكل ما فيه من مباني وتقاطع مع ميادين وشوارع يحوي حشداً من الناس فحسب، يقول مشاري النعيم: "ومن يعتقد أن الفضاءات العامة هي مجرد "أمكنة" وفراغات عمرانية مجردة، فهو واهم ولا يعي القيمة الكبيرة التي تعبر عنها الفضاءات الحضرية"(النعيم، جريدة الرياض، 2011)، وعليه مثل ميدان التحرير خطابا يحتل مكانة كبرى في الوعي الجمعي المصري، لما حمله في الماضي من ورمزية كبيرة، ليحمل بعد 25 يناير دلالة ورمزية أكبر ومختلفة عكسها نسق العلامات في فضاء ميدان التحرير خلال الثورة. ولهذا كان الميدان موضوعاً لصراع محتدم ما بين الثوار والسلطة، ليس لمجرد كونه فضاءً مدينياً واسعاً في قلب القاهرة، بل لكونه شكل نسق علامات لمجال الفعل السياسي، ففي الاصل تدلل هندسة الساحات الفسيحة على اتساع المجال السياسي بين الشعب والدولة أو السلطة، لكن تلك الساحات في ظل الأنظمة التسلطية التي تبقي مواطنيها على هامش الفعل السياسي، تبقى حكراً على السلطة، ولهذا كان من أهداف الثورة استرداد ميدان التحرير الذي أصبح مجالاً للشعب الذي يناضل من أجل كنس النظام المتغول منه، كدلالالة على نزع الشرعية عن النظام، ولهذا انطلقت "غزوة ذات الجمال" كما أسماها المصريون في محاولة يائسة من قبل النظام وأنصاره لاسترداد ميدان التحرير كمجال سياسي يملكه النظام الذي اختزل الشعب والدولة في ذات الرئيس وبطانته المستفيدة من الوجود في سدة السلطة. قبل 25 يناير شكل ميدان التحرير كمكان مركز وقلب مدينة القاهرة، ليصبح خلال الثورة دلتا ومصباً لشوارع القاهرة بما فيها من جماهير، وأضحى الزمكان الذي يتم فيه الكشف عن المكبوت، واستحضار الغائب وتغييب الحاضر. كما وأضحى الزمان المسترجع بما يختزنه من رمزية عالية تعكس هابيتوس الشعب المصري وخاصة شبابه الذي مُنعته السلطة لعقود من تجسيد وعيه مادياً وعلانيةً، فذهب إلى العوالم الافتراضية في رحاب الانترنت والفيس بوك، ليتحول إلى شبح بعيد عن الأيقونة، فإذا به يعلن عن نفسه في رحاب الميدان علانيةً ومادياً ويشكل أيقونة حية طوال أيام الثورة في الميدان، بحيث أعيدت موضعة الميدان ليحتضن أجساد الملايين التي تقوم بالغناء، الرقص، إلقاء الشعر، تقديم أعمال مسرحية، تردد الشعارات والهتافات، ترفع اللافتات، تلقي بالنكات وتستلذ سخرية بالرئيس ونظامه، تقوم بالمواجهة والاشتباك، تتخذ الميدان ارض صلاة مقدسة، ساحة عزاء بالشهداء، تجعله فضاءً لاحتفالية بالغد المنتزع بالثورة، وساحة ربما لأكبر حفل زواج في التاريخ المعاصر يحضره ما يناهز مليونيّ مدعو ليباركوا عقد قران زوجين شابين، محط الأنظار والفضائيات، منبر المواقف، ومرجل صهر وفرز للسياسي والطبقي. جاء في البلاغة للزمخشري أن اصل "ميدان" هو من " و د ن" ودنه بالعصا أيّ ضربه، ومنه: الميدان لأن الخيل تودن فيه، أيّ تضرب فيه، فهل من قبيل الصدفة أن تضرب الخيول والجمال أرض ميدان التحرير، لتقدم هذه"الغزوة" مشهداً سريالياً قد يعبر في أحد تأويلاته عن لاوعي نخبة السلطة الرجعي في قلب المدينة. يفترض الجابري في بنية العقل العربي فيما يخض العقل المُكَون والعقل المُكّوِن، ان العقل العربي المُكَون قد تشكل في الصحراء فضاء العرب الاول، ومع الانتباه الى أن حواضر مصر ونيلها تتوسط قلب صحراء كبرى، يمكن الافتراض أن رمزية تصدي شباب مصر الثائر أو كما يصفهم البعض "بشباب الفيسبوك" مع التحفظ الشديد على هذه التسمية هم الذين حسموا المواجهة بصورة دراماتيكية مع وعي السلطة القادم من الصحراء، وبمغامرة تأويلية نذهب الى ان هذا المشهد بكل علاماته ورموزه قد يشكل دلاله على قطع مع جزء مهم من لا وعي جمعي حافظت عليه الانظمة التسلطية طوال عقود ما يسمى بالنهضة العربية. الميدان فضاء الرمزي والمتخيل على الرغم من الرمزية المغيبة تحت وطأة السلطة القمعية لميدان التحرير قبل الثورة، إلا أن الميدان مع ثورة 25 يناير استعاد مكانته كفضاء رمزي استحضر فيه المخيال المصري حتى حدوده القصوى، لا لشيء إلا لإعادة إنتاج الواقع عبر المتخيل من خلال إعادة إنتاج الواقع الرمزي الثوري بديلا عن الواقع الرمزي الذي بثته السلطة، ولعل فضاء ميدان التحرير خالف بذلك ما ذهب له بورديار حول الشبح الذي يحتل مكان الأيقونة والواقع، يقول هاشم صالح:" المخيال يتشكل تاريخياً في الذاكرة الجماعية أو في الذهن، ويمكن استغلاله سياسياً وإيديولوجياً في اللحظات التاريخية العصيبة فهو يضرب بجذوره في أعماق اللاوعي عبر تشكله خلال مختلف المراحل التاريخية، فالمخيال هنا هو ” عبارة عن شبكة من الصور التي تستثار في أية لحظة بشكل لاواعي وكنوع من رد الفعل(صالح، أركون،1993: 12). أما التخيل هو الابتكار وذلك بالانفصال عن الواقعي سواء بالزعم والكذب أو بالقص والحكي الروائي عنه والعلاقة بين المتخيل والرمزي هي علاقة غامضة وملتبسة وتتراوح بين السيطرة والتقاطع ،إذ "ينبغي للمتخيل أن يستخدم الرمزي من أجل التعبير عن وجوده، كما أن الرمزية تفترض القدرة التخييلية. غير أن الجديد عند كاستورياديس هو "التحدث عن متخيل نهائي أو راديكالي بوصفه جذرا مشتركا للمتخيل الفعلي وللرمزي" (الخويلدي،2010)
ميدان التحرير مكانا وزمانا ينقسم المكان إلى مكان خاص وهو الحيز الذي يشغله الجسم؛ والمكان المشترك وهو الحيز الذي تشغله جملة أجسام، حيث يتصف المكان بأنه متجانس ومتصل وغير محدود، كما يتصف بأنة ذو ثلاثة إبعاد، كما يميز ايمانويل كانت أهم صفات المكان بأنه: " تصور ضروري قبلي يشكل أساساً لجميع الحدوس الخارجية ولا يمكن ألبته إن نتصور إن ليس هناك مكان رغم انه يمكننا أن نفكر إن ليس ثمة من موضوع في المكان، ولا يمكن أيضا أن نتصور سوى مكان واحد "(زيد، الحوار المتمدن،2007)، أي أن المكان هو مقولة عقلية قائمة في تأمل العلاقات بين الأشياء الخارجية، وهو قد جاء أيضا بفعل تأمل عقلي ابستمولوجي، لكن هناك مكان أخر هو أبداع عقلي ذو طابع عاطفي انه المكان المتخيل، أي المكان المرتبط بالخيال وقدرته الإبداعية على خلق عوالم بديله يحاول من خلالها التعبير عن وجدانه وعواطفه ورغباته (المصدر السابق،2007)، إن وجود ميدان التحرير فضاءً ماديا بموازاة كونه بالنسبة للثوار الماضي والمستقبل المتخيل أنتجا استمرارية فعل الثورة بهذه الصلابة. يقول ميرسيا إلياد حول زمن الأسطورة:" إن زمن الأسطورة هو "الزمن القوي"، "الزمن المقدس" ، الزمن العجائبي الذي يخلق منه الشيء جديداً قوياً، وبكل امتلائه إن نعيش ذلك الزمان ثانية، إن نستعيده في أكثر ما يمكن من الأحيان"( إلياد، 1990: 13)، قد نسحب هذا على زمن الثورة كذلك حيث كان الثوار في الميدان يعيدون الزمن الجميل بالغناء والشعر والموسيقى والنشيد الوطني..ألخ، إن الثورة ما هي إلا أسطورة يعيد الشعب بها بناء ذاته وعلاقته بهذا العالم. انه زمن متخيل يصنع في فضاء الميدان. رغم أن ميدان التحرير أكبر ميادين القاهرة، إلا أن أن هناك ميادين قد تنافسه من حيث اهميتها مثل ميدان رمسيس لوجود محطة قطارات مصر فيه، وكذلك لوجود الموقف الأكثر اتساعا في العاصمة ولتفرع وسائل المواصلات منه، كذلك قد يأتي ميدان العتبة في الأهمية قبل ميدان التحرير وذلك لان ميدان العتبة المركز التجاري الأول في القاهرة، وسواء صح هذا الافتراض أم لا فإن ميدان التحرير يكتسب اليوم دلالة لن ينازعه فيها أي ميدان أو شارع مصري بعد اليوم. فبالقرب من الميدان يقبع المتحف المصري وتاريخ السبعة آلاف سنة، مجمع المصالح الحكومية المعروف اختصاراً بمجمع التحرير رمز بيروقراطية الدولة المصرية العريقة، مقر جامعة الدول العربية، القصر القديم لوزارة الخارجية المصرية، كذلك فندق النيل هيلتون، مسجد عمر مكرم، تمثال عمر مكرم، أكبر محطات مترو القاهرة الكبرى وهي محطة السادات والتي تضم الخط الأول والثاني معا، الجامعة الأمريكية بالقاهرة. كما ويتفرع عن ميدان التحرير أهم شوارع القاهرة ومنها: شارع البستان وفيه وكالة الشرق الأوسط، شارع محمد محمود البسيوني، شارع طلعت حرب، شارع التحرير، شارع الفلكي، شارع شامبليون، شارع قصر النيل، شارع القصر العيني والذي يضم مقر لتسع وزارات مصريه ويضم أيضا مجلسي الشعب والشورى، ميدان طلعت حرب، ميدان الشهيد عبد المنعم رياض، ميدان محمد فريد. وهو على اتصال بجسر 6 أكتوبر. إن التسمية لها رمزية من حيث كون ميدان التحرير يعبر عن القومية العربية التي نهضت بها ثورة 52، على الرغم من أن فرعونية مصر تشكل ركيزة مهمة في الوعي المصري، ومع هذا لم يكن ميدان رمسيس هو الفضاء بل كان ميدان التحرير، لان الثورة لا تطالب إلا بالتحرير، ولهذا فان ميدان التحرير كان المكان الأنسب ليكون علامة ورموز وساحة سوق لغوية ورمزية تعبر عنها الجماهير من اجل الحرية والتحرر من استبداد "الفرعون". لنرجع قليلا لتونس مع مشاري النعيم الذي يقول:" المظاهرة في شارع الحبيب بورقيبة وسط تونس أمام مقر وزارة الداخلية، فهذا الشارع ظل المكان الرمز في تونس، فهو مكون حضري نشأ مع الاستعمار الفرنسي وتحول مع الأيام إلى المجال الحضري/السياسي الرمزي الذي يربط المدينة القديمة (التاريخ) بمكونات تونس المعاصرة، من هذا المكان حدثت كل التحولات المعاصرة في المجتمع التونسي ليؤكد مرة أخرى أن المكان له رمزيته السياسية العميقة التي تجعلنا نقرأ المدينة وعمرانها قراءة أخرى"( النعيم، 2011). استحضر الميدان خطابات الزمن الجميل من عالم الغيب أو التغييب ، فقد بناه الخديوي إسماعيل واسماه ميدان الإسماعيلية كرمز حداثي لمصر، بعد أن أعجب بميدان قوس نصر(شارل ديغول)، ثم أصبح اسمه ميدان التحرير بعد ثورة 1952. الشعارات وهتافات الثورة يقول لوسركل: هناك نوعان من الثوريين، الآدمي(نسبة لأدم) والبروميثي(نسبة لبروميثيوس)، فالثوري الأول يريد الحقوق القديمة التي حرم منها المواطنون الذين ولدوا أحرار، وميدان معركته القضاء أو القانون، أما الثوري الآخر فيتطلع إلى قلب نظام المجتمع رأسا على عقب، و ميدان معركة هؤلاء السياسة بدلا من المحاكم، فهم لا يستوحون الحقوق القديمة بل يتطلعون إلى حقوق جديدة، أما موقفهم من اللغة فهو معتمد على الاستعارة: يخترعون شعارات ويطلقون أسماء ذات طابع جدلي، وهم يتطلعون إلى لغة متمردة مستقبلية(لوسركل، 2005: 354). منصة الخطابات وإطلاق الهتافات الميدان سوق لغوية أصبح فضاء ميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير فضاءً لسوق لغوية يثمن فيها كل شيئ، فما كان يقال في ميدان التحرير حمل دلالات أكبر في حال قيل من نفس ملقي الخطاب في مكان آخر، يقول بورديو أن السوق اللغوية تقام حين يوجه شخص ما خطابا لمتلقين لهم القدرة على تقييمه وإعطاؤه سعراً ما( بورديو،1982: 30) ولهذا طرد كثيرون عن المنصة في ميدان التحرير حين أدلوا بتصريحات تعارض مطالب المعتصمين الثائرين. يقول بورديو أن الخطاب يستمد سلطته من مؤسسات خارجه أو من السوق اللغوية التي تعطيه صفة الإقناع أو القبول من قبل المتلقين، لقد كان المصريون يستمعون لكل خطاب يلقيه "الرئيس المخلوع" حسني مبارك وهم معتصمون في الميدان، وكان الهدوء يخيم على الميدان خلال إلقائه للخطاب وبمجرد أن ينهي الخطاب كان الحشود الغاضبة التي لم ترى تعطي خطابه قيمه لكونه لا يلبي مطالبها تهتف ضده، حيث ترافق الخطاب الأخير بقذف الشاشات التي بث عليها الخطاب بالأحذية أو رفعها من قبل الحشود لدرجة ان الخطاب الاخير وصف من قبل الحشود بخطاب" الجزمة" في تورية ماكره يلتبس فيها المقصد أهو الخطاب من يوصف بالجزمة لان الشعب رفع له الجزمة بكل دلالاتها، أم أن الرئيس نفسه هو الجزمة بدلالاتها؟ هنا يجب التوقف عن حشد من خطابات وشعارات ميدان التحرير مثل: الشعب يريد إسقاط النظام، ارحل،حسني مبارك.. باطل، عمر سليمان.. باطل، جمال مبارك..باطل، الحزب الوطني..باطل، الجيش والشعب إيد واحدة، Game over، go out، يسقط مبارك، يا سوزان قولي للبيه... ربع قرن كفاية عليه، يا سوزان قولي للبيه... كيلو العدس بعشرة جنيه، ويا جمال قل لبوك ... شعب مصر بيكرهوك، وحسني بيه يا حسني بيه قولي محاصر غزه ليه، غلو السكر غلو الزيت... بكرة نبيع عفش البيت، آه يا حكومة هشك بشك ... بكرة الشعب المصري يكشك، وباعوا الدولة وباعوا الغاز ...دول عاوزين الولعة بجاز، وهما بياكلوا حمام وبط ... وكل الشعب جاله الضغط، امن الدولة..كلاب الدولة، يا ضباط عيشوا بشرف جالكوا القرف، يا مبارك يا طيار..من فين جبت سبعين مليار. لقد كتبت الشعارات باللغة العربية والانجليزية والفرنسية، حملها الرجال النساء والأطفال، وكانت تكتب على الورق، الأكياس البلاستيكية، الجدران، الجسد، ارض الميدان، دبابات الجيش، كما تميزت ببساطتها واختصارها وعفويتها وكانت غير مكلفة لكنها تهدف للإطاحة بالنظام الذي يملك مكنة أمنية وإعلامية عملاقة مقارنة بالميدان. تتصف الشعارات بكونها قصيرة، بسيطة ومباشرة، واهم صفاتها أنها متمردة، تربطها علاقة رفض الواقع القائم والتصميم القاطع على الإطاحة به، وهو ما يشير إلى شعبية تلك الشعارات التي أنتجتها الجماهير الشعبية بعفوية محضة لكنها تحمل رؤى سياسية غاية في الوضوح. كما وتميزت الهتافات بالجرأة والحط من قدر النظام، كما وتتقاطع مع النكتة والصورة في الطرافة والسخرية والاستهزاء بالنظام.
النكتة شكل فضاء ميدان التحرير احتفالية عارمة للنكات سواء النصية أو الكاريكاتورية أو المونولوج، التي استهدفت النظام المصري، فكانت مباشرة صريحة وحادة، في حين غابت النكتة السياسية المعهودة المبنية على التورية، يعرف أستاذ علم الاجتماع في جامعة فلادلفيا سالم ساري النكتة بأنها:" نتاج اجتماعي ثقافي، شأنها شأن الإنتاجات الثقافية الأخرى"، ويؤكد ساري أن النكات: " تنتشر تبعًا لموجات صعود وهبوط ذات صلة بمواسم مرتبطة بالليبرالية والحرية والانفتاح السياسي من جهة، وبالكبت والتضييق من جهة أخرى"، ورغم التناقض والاختلاف بين الحرية والقمع، إلا أن كلا الحالتين تفرز موجات لا تنتهي من النكات". هذا ويري فرويد أن النكتة ما هي إلا تعبير عن دوافع جنسية أو عدوانية مكبوتة، أما لوسركل فيرى أن المتلاعب بالكلمات أو راوي النكات يمارس العنف ضد اللغة(لوسركل،2005: 127)، بدوره المفكر المصري "حسن حنفي" يشير إلى النكتة السياسية؛ باعتبارها دليلا على حيوية الشعب واهتمامه، ورغبته في تجاوز الأمر الواقع، وعدم الاستسلام له، لهذا يمكن القول أن العنف المكبوت قد تفجر علناً نحو النظام محملاً في اللغة خلال الثورة في ميدان التحرير. كما وأن النكتة تلعب دور وظيفة اجتماعية من حيث كونها ألية للتواصل والتفاعل بين الأفراد والجماعات، فهي أداة لتوجيه والتحكم في سلوك الآخرين بالسخرية أو إزالة الخوف، وكذلك لمهاجمة السلطة السياسية أو الدينية والاجتماعية، كما وتلعب دوراً مهما في نقل المعلومات لسهولة تناقلها سواء كان الآمر متعلقا بالتحذير أو تعزيز التماسك الاجتماعي، حيث يعمل النقد والسخرية على تعديل السلوك وتحديد المقبول وغير القبول والكشف عن العيوب الاجتماعية. وإذا كانت النكتة بما هي مراوغة لسلطة مستبدة، فقد تم تجاوزها في ميدان التحرير بصراحة وجرأة من فيه، لتعبر الشعارات والهتافات الساخرة والنكتة هنا عن حالة التمرد وعدم الخوف، إنها عملية وضع لقواعد اللعبة السياسية القادمة على حكام مصر الجدد القبول بها. نورد هنا مجموعة من النكات التي تداولها الشباب المصري في ميدان التحرير وعبر الفيس بوك و عبر رسائل الجوال : 2. الشرطة في خدمة الشعب، سخنت الماية قبل ما ترشها على المتظاهرين 3. مجموعة دكاترة جراحين راحو لمصر ليعملوا عملية فصل تؤم غريب من نوعه حسني مبارك والكرسي 4. قائد الجيش راح لحسني مبارك، وقال له: خلاص يا ريّس.. انتهى كل شيء.. لازم تكتب خطاب الوداع.. هنا أجابه حسني مبارك: ألله.. هو الشعب رايح فين. 5 . حسني مبارك اتصل على زين العابدين بن عليّ في جدة.. وقال له: لو حتنام بدري أبقى والنبي سيبلي المفتاح تحت الباب . 6. ردا على يوم جمعة الغضب ويوم أحد الشهداء وأسبوع الصمود أعلن الرئيس حسني مبارك انه قرر التنحي يوم القيامة. 7. مبارك مات والتقى عقب موته بالرئيسين الراحلين أنور السادات وجمال عبد الناصر فسألاه: سم أو اغتيال على المنصة، فأجاب: لأ.. فيسبوك.(القدس العربي 8-2-2011) 8. طالب بيدرس تاريخ بيقلهم إخواني الأعزاء المعتصمين في ميدان التحرير إحنا اللي بنحفظ التاريخ الرجاء الانجاز في الثورة علشان مانحفظش كل ده. 9. مبارك: إخبرني بصراحة يا نظيف ولا داعي للمجاملة أو النفاق، نظيف: أمرك يا ريس. الريس: أنا الأفضل ولا عبد الناصر؟ نظيف: أنت طبعا يا ريس .. جمال مين دا اللي كان بيخاف من الروس، الريس: طيب أنا الأفضل ولا السادات؟ نظيف: سادات مين دا يا ريس اللي كان بيخاف من الأمريكان. الريس: طيب أنا الأفضل ولا عمر بن الخطاب؟ نظيف: أنت طبعا يا ريس.. عمر بن الخطاب دا كان بيخاف من ربنا.. إنما إنت لأ. 10. ونكتة أخرى حول الاحتفالات التي عمت عواصم عربية وعالمية بتنحي مبارك: التلفزيون الرسمي المصري: كل الناس السعيدة بتنحي الرئيس مبارك في العالم مدفوعة من جهات أجنبية، وبينهم عناصر مندسة من حماس والقاعدة وحزب الله وإسرائيل وأمريكا، ولديهم أجندات، وبالطبع هناك وجبات كنتاكي توزع على المحتفلين بتنحي الرئيس مبارك في هذه الدول. كانت النكتة تعبير عن حيوية الشعب المصري الذي أخذ زمام المبادرة، فيما لم تأتي النكتة كتعبير سياسي يتحايل على تغول السلطة الاستبدادية، بل جاءت صريحة مباشرة قاسية لتسخر ممن سخر من الشعب طوال عقود وتذيقه من نفس الكأس. تشي تلك النكات بعلاقة التأثر والتأثير ما بين الثورة التونسية والمصرية، كما تشير للروح المصرية الطريفة، وأيضا المعتدة بذاتها والتي ترى أن مصر وشعبها يجب أن يكون لهم السبق على بقية الشعوب العربية في كل شيء حتى الثورة، ولهذا حاولت تجاوز ثورة تونس التي أعطت النموذج لمصر.
أما فيما يخص خطاب اللافتات المكتوبة فيمكن التوقف عند بعض منها: كلموه بالعبري يمكن يفهم/ ارحل ماتورطش الجيش/ ارحل عاوز اتجوز/ ارحل بقى يدي وجعتني/ ارحل عاوز استحمى، ارحل يعني امشي يا اللي ما بتفهمش/ ارجع يا ريس احنا كنا بنهزر معاك..الكاميرا الخفية/ معلش يا بلدي اتاخرت عليكي، آخر طلعة جوية هتكون للسعودية/ محاكمة مبارك مطلب قومي/ ارحل اشتقت لمراتي/ لو كان عفريت كان انصرف/ كيس من البلاستيك كتب عليه: 'ارحل .. أرحل .. الورق خلص' رجل الذي يحمل زيرا بين ذراعيه، قال إن مبارك يستحق أن نكسر خلفه زيرا وليس قلة/ يا مبارك يا طيار من فين لك سبعين مليار"عفوا مبارك.. لقد نفذ رصيدكم.. تيت.. تيت / "طير انت"، وهو عنوان أحد الأفلام السينمائية المصرية الحديثة. "مش هنرحل من الميدان.. حتى لو طلقت سوزان"، بينما كتب آخر "عيد الحب قرب يا حسني.. سوزان مستنياك"، في إشارة إلى أن زوجة الرئيس تنتظره في بريطانيا للحاق بها قبل حلول عيد الحب الذي يوافق 14 من الشهر ، وكتب أحد الشباب لافتة قسمها قسمين، يخرج في أحدهما أحمد عز لسانه إلى الشعب ويتحدث بثقة متناهية قائلا: "الفلوس معايا.. والحديد كمان معايا"، ويرد الشعب: "الفلوس هترجع.. والحديد في ايديك"، في إشارة إلى التحفظ على أمواله من ناحية، واقتراب الحكم عليه بالسجن ووضعه خلف القضبان ووضع الحديد في يده، "لو كان مبارك أبويا.. إذن فأنا ابن حرام. توجيه الإهانة والاستهزاء بالنظام على مستواه الرسمي أو الشخصي، روح النكتة تبرز من هذه الشعارات المكتوبة، والتي تثبت أن الشعب لم يعد يشعر بالخوف. لافتات تقوم بالإعلان عن مكنون الصدور بما فيها من كبت، حالة من جلب المغيب قهرا ليحضر صاعقا بكل ما فيه من تشفي ساخر، تقدم النكات عمليه جرد حساب لحكم رئيس دام أكثر من ثلاثين عاما، يتم خلالها مساءلة النظام ورئيسه عن الحال الذي وصل إليه الشعب المصري ومصر.
الصورة يقول بارت:" إن الصورة ليست فنتازيا فردية أو حتى جماعية فقط، بل هي عن رمزية جماعية طبقية وغيرها وتعبر عن مزاج جماعي كذلك"( محسن،2010: 106)، وقد شكلت الصور التي تداعت في ميدان التحرير وعياً ومزاجاً جماعياً بحق. كما شكلت الحشود بفعلها صوراً حية ودائمة الحركة، حالة من خلق أيقونة ملهمة للذات والاخرين، وهو ما جعل كم الصور المتداعية عبر وسائل الاعلام هائلا وخلاقا، بحيث تعيد خلق وتكوين واعادة انتاج دائم للدلالات والمعاني في فضاء الميدان. في الصورة أعلاه لم يجد صاحبها ليحمي رأسه من حجارة "البلطجية" إلا وعاء" طنجرة أو حلة" كتب عليها "يسقط مبارك" ورغم أنها تعكس مشهدا طريفا لكنها ترمز للطبخ والطعام، بشكل مباشر تشير إلى الطعام واكل العيش وعميقا إلى السياسة، فيما كانت صور عبدالناصر الزعيم الراحل واعلام فلسطين وتونس أيقونات تعبر عن وعي قومي جماعي. الجسد قامت الحشود باستخدام الجسد حتى الحدود القصوى، بدءً بالتجمهر والهتاف والضحط والبكاء والغناء والرقص، وصولاً إلى المواجهة عاريا وأعزلا امام الرصاص والغاز وآليات الشرطة، وكذلك النوم تحت الدبابات. فيما كان الجسد أداة للتعبير والدعاية والتحريض من خلال إبراز الإصابات والجروح، الصلاة بالملايين، الكتابة على الجسد. يمكن القول ان الجسد بعلاماته ودلالالاته ومعانية قدم نسقا متحدياً بجرأته الذات قبل السلطة، ولهذا تميز بالانتقامية من خلال سلمية مادية لكنها غاية في العنف من خلال سخريتها الحادة وتشفيها بالنظام الذي هاجمته بكل ما تستطيع. الجسد يستحضر بعد أن كان مادة تهيمن عليها أدوات السلطة القمعية مشارطها، ها هو الجسد يعيد موضعة ذاته في الرد على كل القمع، انه يعلن عن نفسه بقوة ليسطر على آلات القمع. كما ويشكل أيقونة ليحتذى بها. نسق العلامات "اذكر في نقاش حصل امامي بين طالبة مصرية واستاذ علم اجتماع عربي حول مصر..حيث قالت الطالبة أن مصر أم الدنيا فرد الاستاذ لقد كانت في الماضي اما الان فهي ليست كذلك ولا حتى خالتها او عمتها".. لقد جاء نسق الميدان ليستحضر الغائب ويغيب الحاضر، جاء ليعيد مصر وهوية الشعب المصري التي غيبت وشوهت، ويكنس الحاضر المرفوض، فكان التشديد على الثورة والجراة ومكارم الأخلاق الرفيعة لتكون دليلا على ان مصر أم الدنيا.. من العلامات التي تم رصدها خلال الثورة في ميدان التحرير:
شروط إنتاج الدلالة: عفوية الاندماج في فضاء الميدان، وتبني موقف ضد النظام، لصالح الوطن، يشكلان أهم ما يمكن أن ينتج دلالات فضاء الميدان بعلاماته، يمكن الادعاء أن ميدان التحرير كمكان للتجمهر والتعبير عن الرأي، لم يكن يقدر له أن يحوز على هذه الأهمية التي يكون يتمتع بها الآن لو كان مكانا وزمانا وفضاء رمزيا في ظل نظام ديمقراطي، حيث بالإمكان التعبير عن الرأي في أي طرف من أطراف المدينة، أما وكونه موجود في ظل نظام سلطوي إن جاز التعبير فهو قبلة التجمهر ليس للتعبير عن الرأي بل طلبا للتغيير والإطاحة بنظام غير ديمقراطي. إن رمزية الفضاء تشير إلى انتماء الفرد للجماعة، من خلال ما يمثله من رموز في هذا الفضاء. خلاصة: نسق علامات ورموز ميدان التحرير هو نسق من العنف الرمزي وان قدمت الثورة نفسها سلمية، مقابل عنف السلطة يستحضر الماضي البعيد نسبيا ليكنس الماضي القريب فالحاضر زمن الثورة، كما ويتصف نسق علامات ميدان التحرير بكونه نسق علامات مبني على الطرافة، السخرية، الاعتزاز والجرأة، الوطنية، حيث لا مجال امام الشعب الاعزل أدوات عنف اخرى. لقد عبر الوعي الجمعي المصري عن ذاته عبر تلك العلامات والرموز والايقونات، ليقدم نفسه متماسكاً فتياً عبر دلالات ومعاني اختزنها الوعي طويلا ليعبر عنها في اللحظة المناسبة رمزاً ولغة، ولهذا عكس ميدان التحرير السيميولوجي فضاءً دلالياً مختلفاً، بفضل عالم الدلالات في وعي المجتمع المصري، وهو ما عبر عنه كاستورياديس بقوله: "هذا العالم من الدلالات هو الذي يسمح بتصور المجتمع في هويته الذاتية" (كاستورياديس، 2003: 503-504)، بمعنى إن استبطان الوعي الجمعي لتلك الدلالات والمعاني عن ذاته هو ما يعمل على تماسك المجتمع، بحيث إذا اتيح لهذا الوعي التعبير عن ذاته عبر اللغة والرموز تبين مقدار تماسكه نظرا لتماسك عالم دلالاته عن ذاته. ولهذا قدم فضاء الميدان عالما من الدلالات والمعاني المتماسكة امام تشظي الواقع المصري، وكانت هذه أحد أهم السمات التي تميز بها نسق فضاء الميدان. ومن أهم ما ميز هذا النسق أمتداده الكبير ليتخطي حدود الشعب المصري إلى ربوع الامة العربية، ولهذا كانت صور عبد الناصر أيقونات حاضرة ولهذا كانت فلسطين تقف في خلفية مشهد الميدان كما كان الحال في تونس آبان ثورتها، فلسطين وبالمقابل إسرائيل ك"عدو للمصريين" وبرغم البساطة البادية على فضاء العلامات والرموز إلا انه تميز بكونه مركبا كرنفالياً من خلال استخدام الكل الممكن بل والذهاب إلى ما بعده، فمثلا إن مشهد الصلاة في الميدان( مسيحين ومسلمين بمئات الالوف في الميدان) هو مشهد رمزي هائل، يشير إلى المقاومة والصمود بقوة ورهبة الصلاة، ذلك أن التوظيف لهذا المشهد يذهب إلى ما بعده من خلال استحضار المعاني المرتبطة بالصلاة وخاصة تلك المتعلقة بأوقات النضال والجهاد والسلام، حيث كان المسلمون في معاركهم الكبرى يقيمون الصلاة كأحد أدوات الانتصار لرص الصفوف وتقوية العزائم واستنهاض الهمم، وكذلك لبث الرعب في نفوس العدو، ولهذا فإن استحضار الصلاة في الميدان يأتي لتقوية العزائم وارعاب الخصم، ولهذا يمكن القول ان النسق لم يكن مجرد عناصر مجتمعة فقط بل كان الاهم هو الوظيفة التي لعبتها رموزه والعلاقات التي بنتها مع منتجها( الشعب) وبينها كرموز، دون ان نغفل اعتماد النسق على التأويل من حيث كونه أداة تتمتع بهامش واسع لارسال الرسائل وتكيفها بطلاقة لتقع حسنا لدى متلقيها ولدى خصمها. هذا ويلحظ ان نسق الميدان كان مرتبطا بالمكان بمعنى كونه ظاهرة مكانية، فهو المكان الذى تحول إلى رمز وهو الامر غير الجديد فهناك على سبيل المثال لا الحصر ميدان "تيان أن مين" فى بكين والذى يرمز للمطالبة بالحرية والقمع البوليسى فى آن واحد، سور برلين فى ألمانيا الذى أصبح سقوطه يرمز لسقوط الشيوعية ونهاية عصر وبداية عصر جديد، وهناك أماكن مماثلة من ساحات وميادين فى برشلونة ومدريد واثينا وباريس وميلانو وروما، واخيرا فإن حركة احتلوا وول ستريت انطلق من ساحة زوكوتي في نييورك، والملفت للنظر أن أوغندا نفسها قد شهدت مؤخرا مسيرات لقوى المعارضة التى أطلقت عليها "مظاهرات على الطريقة المصرية"(الغمري،2011)، ولهذا نتساءل هل كان نسق العلامات والرموز سيكون نفسه لو كان فضاؤها ميدانا آخر في مصر؟
المراجع: 1. يورديو، بيير،1982. الرمز والسلطة، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، الدار البيضاء، دار توبقال .
الانترنت 1. بن عبد الله النعيم، مشاري،2011. المكان والرمز والمعنى السياسي، جريدة الرياض، www.alriyadh.com ، استرجعت في 5 فبراير 2011 . 2. اليحياوي، شهاب، 2010. الدلالات الرمزية والاندماجية للذوات الاجتماعية في الفضاء المديني قراءة سوسيو-مورفولوجية للتغير الاجتماعي، www.swmsa.com ، استرجعت في 5 فبراير2011 . 3. زيد، عامر،2007. المتخيل السياسي في العراق القديم، الحوار المتمدن، عدد1879،www.ahewar.org، استرجع في 3-6-2010. 4. الخويلدي، زهير،2010. دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس، عدد 183. استرجعت في7-6-2010. www.mutawassetonline.com 5. حميداوي،جميل،2007. سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة، ديوان العرب، فبراير . 6. بنكراد، سعيد،2010. معجم السيميائيات، مجلة علامات، www.saidbengrad.com 7. الموجي، احمد،2011. أفكار تحولت إلى رموز: من ساعة بج بن إلى ميدان التحرير، www.ibda3world.com ، عالم الابداع (استرجعت 20 ديسمبر 2011). 8. الغمري، شريف،2011. ميدان التحرير.. الرمز والإلهام، موقع بوابة25 يناير، 7/12/2011.
الهوامش
* يُعرف فرديناند دو سوسير F.De.Saussure السيميولوجيا بأنها:" العلم الذي يدرس حياة العلامات في صلب الحياة الاجتماعية"، حيث ترى السيميولوجيا ان العلامة تتميز بكونها ثنائية العناصر، أيّ تتكون من من دليل و مدلول أو دلالة، بحيث تكون اتفاق قصدي ذو خصوصية اجتماعية نفعية خاصة وهي "تشكُلٌ لا يستمد قيمته ولا دلالته من ذاته، وإنما يستمدها من طبيعة العلاقات القائمة بينه وبين سائر العلامات الأخرى. * ترى سيميولوجيا الدلالة الظواهر الدلالية؛ باعتبارها نسقاً مكوناً من علامات أو رموز، على اعتبار أن اللغة هي الشرط الضروري لنقل المعرفة، ويرى رولان بارت ان عناصر سيمياء الدلالة هي: اللغة والكلام، والدال والمدلول، والمركب والنسق، والتقرير والإيحاء (الدلالة الذاتية والدلالة الإيحائية)، وبحسب سيميولوجيا الدلالة فإن كل إشارة ترتبط بدلالة معينة، وكل رمز بمرجعية، وكل إيقون بمماثلة صارخة، وكل علامة بسمة بعيدة أو قريبة.
* يرى عدد كبير من منظري سيميولوجيا التواصل مثل برييطو Prieto وجورج مونان Mounin وبويسنس Buyssens ومارتينيهبرون Martinet أن العلامة تتشكل من وحدة ثلاثية وهي: الدال والمدلول والقصد، مركزين في أعمالهم على الوظيفة التواصلية والقصدية، والتي تختص بالرسالة اللسانية والأخرى الموجودة في الأنظمة غير لسانية كالإعلانات والشعارات والخرائط واللافتات والمجلات والنصوص المكتوبة وكل البيانات التي أنتجت لهدف التواصل، حيث تهدف سميولوجيا التواصل عبر علاماتها وأماراتها وإشاراتها إلى الإبلاغ والتأثير على الغير عن وعي أو غير وعي، بدوره يقول إرفنج جوفمان ErvingGoffman (1922-1982) أن التفاعل هو سلسةٌ متبادلةٌ ومستمرةٌ من الاتصالات بين فرد وفرد، أو فرد مع جماعة، أو جماعةٍ مع جماعة، معرفا الرموز بأنها مجموعةٌ من الإشارات المصطَنعة، يستخدمها الناسُ فيما بينهم لتسهيل عمليةِ التواصل.
|
مراجعة كتاب ( من اجل وطننا – تاريخ، استراتيجيات وممارسات المقاومة الفلسطينية الشعبية)
صدر عن مركز المعلومات البديلة باللغة الاجليزية كتاب : ( من اجل وطننا – تاريخ، استراتيجيات وممارسة المقاومة الفلسطينية الشعبية )، من تأليف أحمد جرادات وماريا شايرا رويلي، وذلك خلال شهر شباط 2011، فيما يلي قراءة للكتاب قدمتها شيارا كروسياتي وهي باحثة إيطالية متطوعة في مركز المعلومات البديلة. مقدمة إن الهدف الذي تم من اجله إصدار هذا الكتاب هو تقديم تحليل سياسي وتاريخي للأشكال المقاومة الفلسطينية الشعبية المتعددة ضد الاحتلال الإسرائيلي من خلال ممارسة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنشطاء الفلسطينيين لهذا الشكل من المقاومة في اطار النضال الوطني الفلسطيني المستمر على طريق انجاز المشروع الوطني الفلسطيني في التحرر من الاحتلال الاسرائيلي. يتكون الكتاب من خمسة فصول والتي بمجملها تشكل محاولة لدراسة عميقة لظاهرة المقاومة الشعبية الفلسطينية في واقع الصراع المعقد والمتشابك والطويل الذي خاضه ويخوضه الفلسطينيون ضد المشروع الاستعماري الصهيوني. دراسة المقاومة الفلسطينية الشعبية هي أداة لتحليل المجتمع الفلسطيني ككل، مجزأ و مركب، لكونها قضية شاملة تمس مجمل حالة النضال الفلسطيني لاكثر من قرن من الزمان، فهي لم تبدأ مع التصدي الشعبي لجدار العزل العنصري كما يبدو للوهلة الأولى وكأن المقاومة الشعبية الفلسطينية هي رد عليه فقط كما اتضح في العديد من الادبيات المرتبطة بالمقاومة ضد الجدار. ذلك أن المقاومة الشعبية لها جذور عميقة بالمعنى الزماني حيث انطلقت منذ اللحظة الأولى عندما وطأت اقدام المهاجرين الصهاينة الى فلسطين وبداية عملية السيطرة على الارض الفلسطينية جوهر الصراع وما تبعه من تغيرات وتحولات ادت الى سيطرة اسرائيل على كل فلسطين وعلى مراحل 1948، 1967. بهذا المعنى لا يمكن اختزال المقاومة الشعبية فقط بالنضال ضد الجدار , وكما يقول الكاتبان انها ليست " مجرد معارضة لبناء الجدار الفاصل " فقط. يؤكد الكاتبان بأن المقاومة الشعبية الفلسطينية وجدت بعضا من تجلياتها في العقود الأخيرة من حكم الإمبراطورية العثمانية فقد برز آنذاك العديد من النماذج للمقاومة الشعبية ضد الاضطهاد خلال تلك الحقبة، والتي شهدت العديد من محاولات التمرد والمقاومة خاصة في ضد نظام الإقطاع المدعوم من العثمانيين في فلسطين، بل وحملت تلك المحاولات والنماذج بعدا قوميا. هذا ويبرز في الكتاب التوازي والعلاقة ما بين اشكال المقاومة المسلحة والسلمية ذلك أن التجربة النضالية الفلسطينية قامت على تفاعل خلاق بينهما، وأن لا شكل ينفي الآخر، حيث يمكن تلمس هذه الميزة من خلال تحليل ظاهرة المقاومة الشعبية في الكتاب. وكون الاحتلال الاسرائيلي وطبيعته الفريدة كمشروع احلالي – استيطاني قائم على تشريد الشعب الفلسطيني في واحدة من ابشع صور الاحلال والتشريد في تاريخ البشرية المبني على المجازر والقهر واستغلال الدين، وهو ما أدى بالمقابل الى حالة من المقاومة الفريدة ايضا والمستمرة من قرن من الزمان. يصف نصار إبراهيم سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي أدت لمسيرة النضال الفلسطيني الطويلة بقوله " سياسة تشريد الشعب الفلسطيني " و" توظيف السرد الديني لتبرير مشروع سياسي لاستعمار فلسطين " و احتلال الارض و التاريخ على حد سواء " ( ص. 11) .
تحليل المكونات
في الفصل الاول المعنون ب " لماذا دراسة المقاومة الفلسطينية " : يبدأ الكاتبان من تحليل خصائص طبيعة اسرائيل و شرح طبيعة المقاومة الفلسطينية . ذاهبا إلى أن الخطأ الأكثر شيوعا والذي يقترفه المؤرخون هو اعتبار الصراع الفلسطيني _ الاسرائيلي كصراع قومي مثل الصراع بين الصرب و الكوارتس في يوغسلافيا السابقة : " الصراع الاسرائيلي الفلسطيني هو صراع بين ايدولوجية استعمارية و الجهود لبناء دولة يهودية دينية هو اطار عملها في الممارسات الاستعمارية وهي مشروع استعماري بامتياز. ونضال تحرري بابعاده القومية والانسانية من قبل الشعب الفلسطيني. المشروع الاستعماري الذي تتضح معالمه من خلال بناء المستوطنات و التوسع و الاستمرار في عملية تهويد القدس و الجرح المفتوح للاجئين ونظام السيطرة المنتشرة و التقسيم الاقتصادي و الاجتماعي داخل المجتمع الإسرائيلي، و التقديم العام لوسائل الاعلام الاسرائيلية باعتبارها الركيزة الغربية في العالم الشرقي المتوحش , كل هذا يؤكد التشخيص للدولة الاسرائيلية باعتبارها نظام استعماري" ( ص . 13). يضيف الكاتبان عنصر آخر في وصف الكيان الاستعماري وهي: العنصرية . فمن خلال الطبيعة العنصرية لدولة اسرائيل يمكن فهم الخصائص الاساسية للطوارئ و الاستثنائية في هذا النظام . طوال السنين، هذه السمة سمحت للمجتمع الدولي تبرير الممارسات الإسرائيلية الغير قانونية التي هي ضد القوانين الدولية و احترام حقوق الانسان للشعب الفلسطيني . يتابع الكاتبان تحليلهما لطبيعة المقاومة الفلسطينية، باعتبارها حركة شعبية، بأشكالها المختلفة . من خلال التحليل السوسيولوجي والسياسي في اوقات و اقطار مختلفة ( ابتداء بمفهوم ادوارد سعيد و انطونيو قرامشي للهيمنة وصولا الى نظرية مايكل في السلطة المجهرية و دراسات أعداد الشريط الحدودي، حيث يقيم الكاتبان توازياُ شديدً بين المقاومة و الثقافة: النضال الفلسطينيي التراثي منقوع بالثقافة الشعبية. لذلك، تعتبر الثقافة سمة مركزية للمقاومة وهي السمة الواضحة في الأشكال المختلفة للنضال والمظاهرات ( مثل المسيرات التراثية في بلعين كل جمعة ) . ان المقاومة الشعبية الفلسطينية متجذرة في الثقافة الشعبية الفلسطينية الرافضة للهيمنة والاستغلال والانتهاكات الاسرائيلية، وهي تتجلى في الحياة اليومية للفلسطينيين.
في الفصل الثاني المعنون ب " الاستراتيجيات في تاريخ المقاومة الفلسطينية ": يقوم الكتاب برحلة في تاريخ المقاومة الفلسطينية الشعبية منذ فترة الإمبراطورية العثمانية إلى الانتداب البريطاني وصولا غلى العصور الأخيرة، حيث ينصب التركيز الأكبر، أما العودة إلى الماضي فهي تأتي من باب وضع المقاومة الشعبية الفلسطينية في سياقها التاريخي . ذلك أن المقاومة الفلسطينية لديها جذور متأصلة في تاريخ العالم العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر 19. حركات الاستقلال العربي والنضال ضد الاستعمار الغربي وبعدها النضال العربي ضد المشروع الصهيوني، والهدف من هذه الإشارة هو وضع المقاومة الشعبية في سياقها العربي فهي ليست فقط حالة فلسطينية بل هي تجلي لواقع اوسع في عمقه العربي. يشرح الكتاب هذا العنصر من خلال كلمات البروفسور مازن قمصية : برنامج الصهيونية هدف على الفور لإقامة الدولة اليهودية في الأراضي الفلسطينية، وهو هدف جديد تماما في بانوراما الهجرات. لذلك، كانت الأشكال السابقة للمقاومة للدفاع عن البلد من الاستعمار اليهودي في بداية اعوام القرن العشرين . مثال آخر الثورة الفلسطينية الكبرى في 1936-1939 ضد قوة الانتداب البريطاني : ايضا في تلك الحالة كان قمع الثوار عنيفا و قاسيا و كان ضروريا لدعم المنظمات الصهيونية في فلسطين من قبل الانتداب البريطاني. في العام 1948 "شكلت النكبة نقطة تحول في التاريخ الفلسطيني وفي حياة الآلاف من الناس . حوالي 700,000 فلسطيني – ثلثي الشعب الفلسطيني- تم طردهم من ارضهم و اصبحوا لاجئين . مئات القرى دمرت لتقام دولة إسرائيل على مساحة 78% من اراضي فلسطين التاريخية، بينما كان "الشعب اليهودي" يمثل حوالي 33% من عدد السكان الكلي في المنطقة . ومثلما كان الصراع في ثورة الثلاثينات، كانت الأرض القضية المركزية، وهذا استمر بعد النكبة، ( ص.22) . منذ 1948 العام أصبح الصراع على فلسطين قضية عربية بامتياز : القومية العربية اتخذت من القضية الفلسطينية عنوانا لصراعها مع المشروع الصهعيوني. لذلك السبب أصبح الصراع مع الحركة الصهيونية قضية العرب المركزية. فقد شخص المشروع العروبي مع بدايات الخمسينات بقيادة نظام جمال عبد الناصر في مصر، القضية الفلسطينية كمشروع قومي فلسطيني وعربي، وهذا البعد القومي تجلى في عمل وشعار القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية لاحقا – مع التأكيد أن هذه القوى قد لعبت رأس الحربة في المقامة ضد المشروع الصهيوني. ولقد تشكلت هذه القوى واخذت دورها في هذه المقاومة بشكل اقوى واوسع بعد هزيمة حزيران وهي هزيمة للمشروع القومي العربي كما تم النظر لها حيث تشكلت قوى وفصائل مثل : الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "الحركة الماركسية" وقوى أخرى . وقبلها بزمن قصير كانت حركة فتح، مجموع هذه القوى سواء التي كانت موجودة قبل 67 او بعدها تمكنت من تحقيق الهدف المتمثل في التعبئة الجماهيرية حتى اندلاع الانتفاضة الأولى في عام 1987 و هو ايضا تاريخ تأسيس حماس الذي شكل بداية انخراط الإسلام السياسي الفعلي في الصراع والمقاومة، و باستخدام كلمات بومغارتن، يشرح الكتاب بشكل جيد للغاية تنوع المقاومة الفلسطينية فقد أضاف الإسلام السياسي عنصرا جديدا متباينا مع ما كان قائما على مستوى الشعار القومي . وكما ارتفع نهر من ثلاثة خلجان " بدلا من القومية العربية التي اقترحها ناصر، و بدلا من القومية الفلسطينية المقترحة من فتح ، قدمت حماس في بيانها الأول في ديسيمبر 1987 شعار "الإسلام هو الحل " ( ص. 24) . إلا أن هذا الشعار الإسلامي لم يستطع التاثير السلبي على البعد القومي المذكور ولاحقا تبين بانه حتى الاسلام السياسي دار في فلك البعد القومي العربي رغم الشعار الديني. بعد انتهاء الانتفاضة الأولى، بدأت فترة ما سمي بعملية السلام لحل الصراع في فلسطين، والتي توجت العملية باتفاقية اوسلو ليتم تأسيس السلطة الفلسطينية، غير أن هذه العملية سرعان ما تبين ضعفها، لتندلع بعد سنين قليلة الانتفاضة الثانية وحدوث تغيرات عميقة على الخارطة السياسية الفلسطينية، وتجلى ذلك التغير في انتخابات 1996 وخسارة فتح لمكانتها واشتداد قوة حماس .
في الفصل الثالث المعنون ب " المقاومة الحالية في القرى ": يتعامل الكتاب في هذا الفصل مع المقاومة الشعبية المعاصرة، التي تعتبر اعادة تطوير وتجاوز لبعض الاشكاليات التي رافقت الانتفاضة الثانية . فقد تميزت هذه الحقبة بكثير من الحركات الشعبية في القرى. بناء الجدار الفاصل و زيادة توسع الاستيطان و خنق القرى الفلسطينية، مما أدى إلى ظهور أشكال جديدة من المعاناة المنتشرة في جميع ارجاء الضفة الغربية. وقد حدد الكتاب التغير في المقاومة الفلسطينية من خلال انتقال أشكال المعاناة من المدن الى القرى باستثناء شرق القدس و الخليل، بعد الانتفاضة الثانية تجذرت الحركة الشعبية الفلسطينية في القرى، مغيرة بذلك سمة الشعبية الى القروية . وهو الأمر الذي ارتبط بالهجمة الاستيطانية على الارض في مناطق (ج) حسب اتفاقية أوسلو وهي مناطق قروية بالاجمال وكذلك الجدار العازل . وقد أصبح يوم الجمعة رمز الحركة الشعبية القروية الجديدة مثل مسيرات بعلين ( التي بدأت في ديسمبر 2004) و مشاريع ونماذج المقاومة السلمية في القرى مثل قرية ليتواني في جنوب الخليل و المعصرة شرق شمال بيت لحم و النبي صالح شمال رام الله :" واضاف "اذا كانت تتركز معظم المعاناة خلال الانتفاضة الثانية في منطقتي جنين ونابلس وطولكرم، فقد انتشر مركز المقاومة الجديد في مختلف المناطق في الضفة الغربية . المقاومة الجغرافية ضد جغرافيا الجنون – التي تبدو انها تتبع مسار الجدار و المناطق الحساسة التي يتوسع فيها الاستيطان "(ص.28). وقد شكل الجدار الفاصل واتساع الاستيطان حول القرى عوامل دافعة لولادة الحركة السلمية . كما حدد الكاتبان هذا العنصر مكن من انتشار الشعارات للاعمال و المشاريع السلمية، ومن ناحية أخرى فإن هناك العديد من القيود على المقاومة الشعبية :"يمكن أن نفترض النضال الفلسطيني هو حركة موضعية، والمشاركة في معركة تهدف فقط لنقل الجدار الفاصل على بعد بضعة كيلومترات، الجدار العازل الذي يكشف مدى الفساد في انحاء العالم من خلال عدم التعامل معه كسياسة لا يمكن القبول بها والضغط على إسرائيل لوقفه وإزالته. حيث النموذج الشمولي الاكثر وضوحا و انتشارا ( ص.29). كم يوضح الكتاب السلوك الأول لنموذج هذه المقاومة الجديدة السلمية، من خلال الأمثلة على نشاطات المقاومة الشعبية في قرى الضفة الغربية : بيت ساحور، ضواحي بيت لحم أحد مراكز النضال الشعبي الفلسطيني في الانتفاضة الأولى، فقد عرفت بيت ساحور بين 1987 , 1990 ظاهرة العصيان المدني بواسطة اداة سلمية " لا ضرائب بدون تمثيل ّ، مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، والإضراب العام وإتلاف ورمي بطاقة الهوية الإسرائيلية.
هذا المثال يوضح الاختلاف بين الانتفاضة الاولى و الثانية : في عام 2000 النضال كان مشخص ( كما يقول عدنان رمضان، المدير التنفيذي لمبادرة الدفاع عن فلسطين المحتلة و مرتفعات الجولان ( اوبغاي) " بسبب عدم وجود قيادة سياسية وبنية جادة، هذا الانعدام ادى الى تهميش العمل الشعبي :" هناك عناصر حيوية عندما نتكلم عن المقاومة مثل الرفض والإجراءات، استعداد الناس لأتخاذ الأجراءات والعصيان المدني ورسالة سياسية واضحة و مطالب واضحة و نحن ايضا بحاجة الى مجموعات لتنظيم هذه الإجراءات، لتكون في كل الاماكن عندما يحدث شئ، لينخرط اناس جدد . هذه هي العناصر الحيوية للمقاومة ".(ص.32).
في الفصل الرابع " القضايا الحاسمة ": يتعامل الكتاب في هذا الفصل مع معضلة الاختيار بين المقاومة العنيفة وغير العنيفة . حيث يتطرق الكتاب إلى النقاش المفتوح والحيوي الجاري داخل المجتمع المدني الفلسطيني بين أولئك الذين يعتبرون خيار العنف انتحاراً سياسياً، وأولئك الذين يعتقدون انها حق ويجب ممارسته، وبين اللذين يعتبرون الخيار السلمي هو البديل الوحيد الممكن لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي و يعتقدون بأنه شكل خفيف للمقاومة .
يشرح الكاتب " فلسطين، كبلد محتلة لديها الحق في اختيار النضال المسلح ضد الاحتلال ". (ص.33) المقاومة الفلسطينية الشعبية كانت بشكل كبير سلمية. اللجان الشعبية ولدت خلال هذا الوقت في القرى هي خير مثال : أول 50 سنة من النضال الفلسطيني كان بشكل كبير غير مسلح . الصعوبات المترتبة ايضا شرحت من خلال ما قاله مبارك عوض، مؤسس المركز الفلسطيني لدراسة الحركة السلمية :" أولا: النضال السلمي هو مجموع نضال جدي، ليس هناك شئ قصير في حرب حقيقية . النضال السلمي هو حرب حقيقية، وهو ليس بديلا سهلا . ثانيا , النضال السلمي ليس سلبيا أوالسلبي هو نشط جيدا , وهو نشط وإيجابي في هذه العملية، وهو شكل من أشكال الحرب المتنقلة. فهي تتطلب تدريبا خاصا ودرجة عالية من التنظيم والانضباط "( ص. 35). لذلك المقاومة تنفذ بأشكال مختلفة : المقاطعة، الإضرابات، زيارة مناطق، اختيار البقاء في الخليل كمدينة مستهدفة بالاستيطان داخل أحيائها، الزواج أمام الاسوار المكهربة و الجنود الاسرائيلين، لذلك فأن الابداع يصبح الآلة السلمية للمقاومة، وتصبح قادرة على توعية المجتمع الدولي :" الصمود والإبداع، هي عناصر أساسية في كل المقاومة الشعبية، في القدرة على اختراع أشكال جديدة للأحتجاج و التفاعل و النضال . النضال الفلسطيني هو مثال ذو صلة بذلك . صور المظاهرات التي يلبس فيها المتظاهرون ملابس الشخصيات البارزة في فلم افاتار، أو احتفال بالزواج أمام الأسوار و الجنود، السفر والتنقل في كل مكان ".( ص. 40) وقد شكلت الانتفاضة الأولى حتى الآن نموذجا نظم بإستراتيجية سلمية بعيدة المدى . الأمر الذي لا يمكن تعقبه كثيرا في الانتفاضة الثانية . العديد من المفكرين اعتبروا انتفاضة 2000 كانت محدودة لمجموعات قليلة ولا تندرج تحت تعريف الانتفاضة، وبالنسبة لاخرين المشاركة كانت مهمة واستخدام السلاح كان واجبا بارتفاع وتيرة عنف الجيش الإسرائيلي. على الرغم من أن العنف بين الجانبين لم يكن متناسبا . بعد أحداث 11 سيبتمبر وقف العالم كله إلى جانب الحرب على الارهاب التي أطلقها الرئيس بوش، حيث قدمت الانتفاضة الفلسطينية على انها ارهاب . وهو ما سمح يتصاعد العنف الإسرائيلي تحت الغطاء الغربي . تميزت الانتفاضة الأولى أيضا بعنصر آخر : المشاركة الجماعية، ذلك أن وحدة الجهود المشتركة والاستراتيجيات عوامل ضرورية لتعريف النضال الشعبي كمقاومة :" الانتفاضة في 1987 الى 1990 تستذكر على أنها حركة شعبية تميزت بالدافع المشترك القوي في المجتمع الفلسطيني "(ص.43). لكن الوحدة المكتسبة خلال الانتفاضة الاولى سريعا ما تفككت خلال سنوات عصر المفاوضات و عمليات السلام. حيث فسرت اتفاقية أوسلو على الفور بكونها استسلام القيادة الفلسطينية للمطالب الاسرائيلية : هذا الاتفاق مهد الطريق لاندلاع انتفاضة ثانية، ويؤكد الكاتبان على أن محاولة تطبيع الصراع يجب ان يكون العقبة الاولى امام المقاومة الشعبية :" الموقف المضاد للتطبيع هو واحد من العناصر الموحدة للمقاومة السلمية القروية "(ص.46), تطبيع الصراع يعني تحويل قوة الاحتلال إلى شريك . لكن الوحدة السياسية والجغرافية هي أيضا ضرورية ليكون هناك مشاركة جماعية، لذلك يحدد الكتاب عوائق أخرى أمام المقاومة الشعبية : عدم وجود تواصل جغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وغياب قيادة سياسية قوية وغياب اجندة واحدة جامعة للكل الفلسطيني كما كان في الانتفاضة الاولى. خاصة، العلاقة بين الأحزاب السياسية وانعدام المقاومة القروية تقريبا. السلطة الفلسطينية في الضفة و حماس في غزة غالبا قاطعت المظاهرات السلمية الشعبية . كما يؤكد الكاتبان " هذه الايام في فلسطين من المستحيل ان تخلق لاعبا سياسيا قويا وجامعا كما كان حزب المؤتمر الوطني الافريقي في جنوب افريقيا". (ص.52).
الفصل الخامس ," أشخاص المقاومة": يقوم الكتاب بتحليل أشخاص المقاومة الشعبية، فمن خلال التعريف، يجب على حركة المقاومة أن تضم من فئات اجتماعية مختلفة من المجتمع : رجال، نساء، عمال, مثقفين، طلاب، الأحزاب السياسية، والنقابات . في الحالة الفلسطينية، منظمات ومتطوعين اسرائيلين ودوليين انضموا الى هذه الفئات التقليدية . هذا وشهدت المقاومة الشعبية الفلسطينية قوة وتجذر دور المرأة فيها ايضا . منذ الانتفاضة الاولى و الحركة النسوية تحملت وظائف مهمة، خاصة الرمزية ووظائف سياسية . الكاتبان يؤكدان على ان هذه المشاركة سمحت للمراة بالانخراط وتحمل مهام وطنية جديرة بالإشارة، ورغم هذا النضال الطويل، ألا انه لم يكن مدعوما من السياسيين الرسميين :" بنية السلطة الفلسطينية لم تدعم حضور المرأة في الحياة السياسية والشعبية . بعد اندثار آمال السلام العادل في المنطقة، تنامى دور العشائرية والدين ( خصوصا في قطاع غزة بعد سيطرة حماس في 2006 ) اعادة تأكيد الدور الأبوي في الأسرة والمجتمع و تهميش مساهمة المرأة.") (ص.54). في الوقت نفسه، لا يجب التقليل من أهمية دور المرأة خلال الانتفاضة الثانية، لأن هذا الدور سمح للمجتمع بأن يستمر بشكل طبيعي: فبينما كان الرجال الذين انخرطوا في الجماعات المسلحة يقبعون في السجون الاسرائيلية سيرت المرأة الاقتصاد الأسري والقروي . أكثر من ذلك، قادت النساء الفلسطينيات إضرابات ومظاهرات وخاطبت مجاميع الناس من المسارح و ادارت اللجان الشعبية . وإلى جانب النساء كان هناك الأطفال والشباب في الصفوف الأولى في العديد من المظاهرات الشعبية في الضفة الغربية . فخلال الانتفاضة الثانية كان الاطفال في الكثير من الاحيان مناصرين للعمليات الاستشهادية :" هؤلاء الاطفال ترعرعوا في ظل الهيمنة و السيطرة الإسرائيلية عندما بدأت الانتفاضة الثانية، اختاروا هذا النوع من المقاومة للانتقام بسبب ما عانوه . يجب النظر إلى التفجيرات الاستشهادية من عدة عدسات (الدين، السياسة، المجتمع)، ومع هذا يبقى سياق العنف الذي عاش فيه هؤلاء الاطفال هو الاساس في تصميمهم على التضحية بأنفسهم في تلك العمليات . (ص.55). بعد الانتفاضة الثانية بدا دور الشباب وكأنه تغير و اصبحنا نسمع شعارات اللاعنف وتم تشكيل حركات ضد الاستيطان و الجدار العازل . و تميزت هذه الحركات السلمية بالمشاريع الملموسة و المظاهرات الاسبوعية. من بين العناصر الفاعلة في المقاومة الفلسطينية خلال السنوات، برز دور المتطوعين الدوليين وقد تجذر بشكل أكبر حتى وان ألغي في كثير من الاحيان بفعل الاحتلال الاسرائيلي:" المقاومة الشعبية الفلسطينية قد استفادت من المشاركة الدولية المتنامية منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، وأصبح النضال مشتركاً بين الفلسطينيين والكثير من الناس في انحاء العالم. ولاحقا أضيفت مشاركة المواطنين الاسرائيلين في المقاومة الشعبية ." (ص.57). مثال جيد على ذلك العديد من الجمعيات المشتركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي تأسست منذ ثمانينات القرن الماضي، مثل مركز المعلومات البديلة الذي أصبح نموذج يحتذى به في مفهوم المشاركة . مثال آخر هو حركة التضامن الدولية، التي ولدت في عام 2001 و تتواجد في غزة والضفة الغربية، حيث أصبحت في وقت قصير المنارة للمشاركة الدولية ليتعرض متطوعيها في كثير من الاحيان للاعتداءات الاسرائيلية و الترحيل . وقد تم تأمين الوجود الدولي من قبل جمعيات مثل حركة التضامن الدولية . وهو ضروري في بعض القرى خلال نشاطات المقاومة الشعبية، فمثلا وجودهم للعمل على المراقبة و مرافقة السكان الفلسطينيين أصبحت وسائل مهمة لنقل معلومات مباشرة عن اعتداءات الجيش الاسرائيلي و لجلب انتباه المجتمع الدولي للعواقب المأساوية للأحتلال . وقد تم تحليل السبب في الاهتمام الدولي بالصراع الفلسطيني- الاسرائيلي من خلال المِؤلفين على اساس خصوصية الوضع : كمركز توازن واستقرار في جميع انحاء الشرق الاوسط " لذلك , فأن فلسطين و اسرائيل تعتبر كأكثر جغرافيا مكثفة ومختبر لديناميكا الانفصال، الاستعمار، الاضطهاد والظلم والطرد الذي يمكن مشاهدته من خلال تأثيره على أجزاء أخرى من العالم.") (ص.58). في النهاية، يؤكد الكاتبان على أهمية المشاركة الجديدة للمنظمات الاسرائيلية المعارضة للصهيونية : جمعيات مثل الشيخ جراح وحركة فوضويون ضد الجدار قررت ان تملك القضية الفلسطينية، وتناضل داخل إسرائيل ضد الاعتداءات والاعتقالات .
نقد: كتاب " من اجل وطننا" هو اداة ممتازة لمواجهة الميل لتطبيع الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وكذلك لتحليل الرواية الفلسطينية الغير معترف بها والمنفية لدى الجانب الإسرائيلي والمعزولة إلى زاوية من قبل المجتمع الدولي، إن تحليل الاشكال المختلفة للمقاومة الشعبية يضع النضال المسلح والمقاومة السلمية في نفس المستوى، وكأدوات للهدف نفسه، ذلك أن إنكار حق الشعب الفلسطيني في الكفاح المسلح ليست أكثر من فكرة نمطية فرضها "المجتمع الدولي"، وهو ما يناقض وثيقة جينيف خاصة قرار رقم 1977 الذي يعترف بالحق بالمقاومة واستخدام السلاح ضد الاحتلال العسكري.
كما يعد الكتاب جزءاً من خطاب لمواجهة السلوك الدولي الذي يعتبر المقاومة الفلسطينية المسلحة إرهابا، ويتجاهل التمييز بين العنف الإسرائيلي والفلسطيني . فكما يوضح الكتاب المجتمع الدولي يعترف بحق اسرائيلي في العنف العسكري للحفاظ على الامن . وفي الجانب الاخر يعتبر المقاومة الفلسطينية بكل بساطة إرهابا، في نهاية المطاف.:" العنف الصهيوني (من قبل الأفراد أو الجماعات الشبه عسكرية مثل الهاغانا, الاراغون ,و البالماخ ...الخ) طوال التاريخ الاسرائيلي المعاصر منذ الانتداب البريطاني، وحتى اليوم، هجمات المستوطنون اليومية، عادة ما يتم تجاهلها أو تنسى خلال النقاشات العامة."(ص.12). يهدف الكاتب إلى تقديم تحلي عميق للخيار الفلسطيني السلمي. خاصة في التجربة القروية في الضفة الغربية، حيث يقوم بمراجعة نموذج الانتفاضة الأولى بشكل جيد محاولا أن يقود القارئ إلى فهم الاثار الحالية للمقاومة الشعبية . الأمثلة العديدة للنضال القروي تؤكد على معوقات و صعوبات المقاومة الشعبية لمواجهة الاحتلال : " نقص في الوحدة والقيادة القادرة على فهم الحاجات الاساسية والضرورية للشعب الفلسطيني ونقص الاستجابة للتفكير بصوت واحد. أكثر من ذلك، يؤكد الكاتبان على الطبيعة العالمية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الذي يعتمد بطبيعته على التواجد الدولي بشكل كبير ومشاركة المنظمات المناهضة للصهيونية في داخل إسرائيل. ففي كل الاوقات بعد عام 1948 تميز الصراع بالقومية الوطنية واتسمت المقاومة الفلسطينية بالوطنية أما بعد فشل ما يسمى عمليات السلام، فقد لفتت القضية الفلسطينية انتباه واهتمام المجتمع والرأي العام الدولي هذا التحول كان جزء من التغير العالمي : التأكيد على العولمة وصعود الليبرالية الاقتصادية الجديدة، والتقدم الاستثنائي في تكنولوجيا المعلومات وسرعة انتشار الاخبار و تنامي اللامساواة بين الشمال والجنوب، وظاهرة الهجرة الجماعية، وهجمات 11 سيبتمبر والحرب التابعة " الحرب على الارهاب" والربط بين الاسلام والإرهاب "(ص.62). لذلك، بين الكتاب الرابط الكبير بين الأزمات العالمية والليبرالية الجديدة، من خلال الحركات العالمية والقضية الفلسطينية التي اتخذت نموذجا و رمزا للنضال ضد الاستعمار الاحتلالي والاقتصاد الليبرالي الجديد، فمثلا تشكل الحملة العالمية لمقاطعة وسحب الاستثمارات مثالا واضحا لمحاولات توعية المجتمع الدولي من خلال النشاطات اليومية، وتوعية الأفراد والمجموعات ضد دولة اسرائيل. إن كتاب " لوطننا" يوفر الادوات الضرورية لتحليل الجغرافيا السياسية الفلسطينية الحالية، المغلقة بين الاحتلال وعدم القدرة السياسية للوصول إلى إستراتيجية موحدة و فعالة . حيث يلقي الكتاب الضوء على أهمية الصمود من اجل تحرير الشعب الفلسطيني : الطريق طويلة لأنهاء الاحتلال الإسرائيلي، لكن الفلسطينيين اثبتوا دائما أنهم يعرفون كيف يقاومون بكرامة وإبداع ووحدة ." كل سرد للمقاومة هو " تاريخ تعاقدي" و " علاقة تاريخية" بالتأكيد هي علاقة مكونة من غضب وعنف و اضطهاد، لكنها أيضا علاقة أنصار، تضامن و تكاتف مشترك. بالنسبة للكثير من الفلسطينيين والإسرائيليين, قرى مثل بلعين، نعلين، ليتواني، النبي صالح، بيت امر والمعصرة هي الاماكن الوحيدة التي فيها املهم. (ص.66).
فصل عنصري باسم القانون- يحدث في إسرائيل: عن تجربة السجناء السياسيين وعائلاتهم
تتبع دولة إسرائيل نظام فصل عنصري يمتد بشكل طولي تاريخي من تأسيسها وتعريفها لذاتها كـ "دولة اليهود"، وبشكل عرضي بكافة المجالات الحياتية واليومية، بين كل ما ومن هو فلسطيني وما ومن هو يهودي في هذه البلاد. جدار الفصل العنصري قائم، وان لم يكن مرئيا دائما وان لم يكن ملموسا أو مصنوعا من الاسمنت. سياساتها وتعاملها مع الفلسطينيين يتحدد تباعا لذلك. ينعكس الأمر في السياسات التي تطبق على أرض الواقع والقوانين التي تسن في البرلمان، والقرارات والأحكام التي تتخذها المحاكم ضد الفلسطينيين، وفي اللغة التي تتحدثها هذه القوانين والممارسات والتي تتغذى من الأجواء العنصرية سواء في البرلمان أم في الشارع الإسرائيلي. حيث تؤكد إسرائيل مرة تلو الأخرى إن اللغة التي تستعملها في تعاملها مع الفلسطينيين ليست حيادية ولا ساذجة، بل تأتي لترسم معالم سياسات عنصرية تبغي "تطهير المكان والزمان" من كل ما هو فلسطيني وتعمل على تهويده وتلغي أوتوماتيكيا كل من هو ليس كذلك وتميز ضده.
سأتطرق في هذه الورقة على قضية السجناء السياسيين- سجناء الحرية الفلسطينيين اللذين تسميهم إسرائيل سجناء أمنيين، في محاولة لأبين كيف تعمل إسرائيل من خلال ذلك على تجريد النضال الفلسطيني نحو الحرية من بعده السياسي ودمغه بدمغة أمنية. إضافة للتمييز ضد هذه المجموعة على أساس قومي جماعي وفردي وكيف أنها بتعريفها هذا تميّز ضدهم مرتين، مرة على أساس فردي ومرة على أساس جماعي.
إن لغة القانون والمصطلحات القانونية المستعملة في إسرائيل، تعكس هويات وسياسات تطبق على أرض الواقع في هذه الحالة ضد السجناء السياسيين من الفلسطينيين أيضا. يتحدث فانون في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" عن العلاقة بين اللغة والكولونيالية، وعن قدرة اللغة- لغة المحتل، على القمع من جهة، وعلى قدرتها على التحرير لو ملكها الإنسان الواقع تحت الاحتلال وسخرها لنفسه من الجهة الأخرى. ويؤكد فانون هناك أن الإنسان الذي لديه مُلكية على اللغة له أيضا مُلكية على العالم الذي تتحدثه هذه اللغة وتصفه. وفي هذه الحالة فملكية اللغة هي انعكاس لملكية صنع القرار ورسم السياسات وتحديدها. من هذا المطلق أؤكد في هذه الورقة أن الحقل اللغوي- اللينجويستي يشكل احد ميادين نضالنا كونه هو أيضا ساحة صراع يعكس هويات وسياسات التي تؤدي لتمييز عنصري ومعاناة. اللغة السائدة في الشارع الإسرائيلي هي لغة عنصرية، كذلك الأمر في البرلمان والقانون. والأمر لم يكن أبدا غير ذلك، الفرق الأساس هو في تكثيف اللغة العنصرية والحالة العنصرية وتلاشي الروادع الأخلاقية أو القانونية التي يمكن أن تحدها، خاصة أنها أصبحت عنصرية علنية مكشوفة تنعكس في الشارع كما في البرلمان. فالدولة منذ أن عرفت نفسها قانونيا على أنها دولة اليهود، تحاول أن تفرض اليهودية بالقوة على كل شي. فهي بذلك تنفي مباشرة الوجود والتعريف والحق الفلسطيني في هذه البلاد، والانتماء التاريخي إليها، وتحول كل من هو خارج هذا النطاق-التعريف إلى "عدو داخلي" يهدد "يهوديتها" إن هو طالب بتغيير هذا التعريف وهذا الطابع للدولة، وتعتبره "خطر امني" يجب مقاومته. تحاول الدولة أيضا أن تلغي فلسطينية الفلسطيني الباقي على أرضه في حدود 48، التي حولتها الدولة إلى إسرائيل وتبغي أن تلغي هويته الوطنية وانتماؤه القومي أيضا من خلال فرضها مصطلح "عربي إسرائيلي" واستعمالها لهذا المصطلح في أدبياتها، وهو نوع من الكيان المشوه، فليس هناك شيء اسمه عربي إسرائيلي على ارض الواقع إلا في قاموس مصطلحات الدولة، وهي بذلك تحاول أن تلغي انتمائه القومي وجذوره التاريخية كجزء من شعب عريق. فالفلسطيني وفق التعريف الإسرائيلي هو ساكن الضفة والقاطع وغزة فقط.
وتستعمل التقارير الرسمية والصادرة من البرلمان الإسرائيلي ومن مؤسسات رسمية مصطلحات "اليهود" و"غير اليهود" للتميز بين اليهود والفلسطينيين. حيث يصبح اليهودي وفق هذا المفهوم وهذه السياسية هو القاعدة والأساس وكل ما هو ليس كذلك، وبهذه الحالة – الفلسطيني يتحول إلى الاستثناء/الشواذ!. ويصبح تعريفه بكونه "غير يهودي" أي بـما هو ليس عليه بـ "لا" بالانتقاص وليس بالكيان.
إن سياسة "تطهير المكان من العرب" مستمرة منذ قيام الدولة، ينعكس الأمر بمصادرة الأراضي مباشرة أو بوضع خطط لتهويد البلدات، والذي يأخذ أيضا إشكالا متعددة كخطط علنية لتهويد الجليل والنقب وتجميع العرب بمجمعات سكانية مسيطر عليها خارج التواجد اليهودي وفصلها عن المفارق والشوارع الرئيسية وإخفاؤها عن مستوى النظر، أو بتغيير أسماء البلدات العربية وأسماء الشوارع وتغيير التوازن السكاني فيها لصالح اليهود بالتضييق على العرب وعدم إعطاؤهم إمكانيات بناء أو بالهدم المباشر أو بتفعيل برامج ما يسمى التطوير والتحديث. أو بالدعوة المباشرة لطرد العرب وعدم السماح لهم بالسكن بين اليهود الأمر الذي دعت إليه مؤخرا بشكل علني عشرات من رجال الدين اليهود (الحاخامات) وهم موظفي دولة وذلك من خلال إطلاق فتوى دينية تحرم تأجير مساكن للعمال والطلاب العرب، كما حدث في مدينة صفد الجليلة. بينما قام تنظيم يسمى لاهف بتوزيع شهادات طهارة/صلاحية "كشروت" على الأماكن التي لا تشغل عربا. يضاف للدعوة العلنية لطهارة المكان، الدعوة لطهارة العرق التي تطلق بين الحين والآخر وهنا وهناك، وفقط مؤخرا قامت عشرات من زوجات الحاخامات بإطلاق والتظاهر بعدد من المدن اليهودية داعيات هن ومؤيديهن الفتيات اليهوديات لعدم إقامة علاقات مع شباب عرب. ويشهد البرلمان الإسرائيلي موجه من مقترحات القوانين العنصرية، بعضها قد أقر، التي تبغي تحديد المواطنة بالولاء وتوسيع هذا الاشتراط الي مساحات إضافية وتضيق الخناق على المنظمات التي تفضح الممارسات العنصرية للدولة. هذه الأجواء تجد انعكاسها أيضا في المحاكم وفي الإجراءات القانونية التي تسبق إصدار الأحكام.
لغة المحاكم والتحقيق– مسارات مختلفة للعرب واليهود يمتد الخط الفاصل بين ما هو يهودي وبين ما هو عربي إلى أروقة المحاكم الإسرائيلية. فنجد أن القانون والمحاكم أيضا، فيهم هويات وسياسات، كما لو أن الجهاز ينقسم استعاريًا إلى جهازين مختلفين. هناك رسائل سياسية توجّه عبر قنوات القانون والقضاء تشدد على هوية الدولة اليهودية وتجرم كل من يحاول أن يمس بذلك. وتتعامل بمعيارين مع من هو عربي ومن هو غير عربي. حيث نجد أن نسبة إدانة العرب أعلى بما لا يقارن من نسبة إدانة اليهود في البلاد ، في كل خانة ذات خلفية جنائية وفي جميع أنواع المخالفات وفي جميع الأجيال.
تؤكد المحامية عبير بكر على وجود سياسة انتقائية تنتهجها سلطات تطبيق القانون في الدولة حين تقوم بتقديم لوائح اتّهام، وإجراء تحقيقات متعلقة بالاعتداء والقتل. وتشير أن هناك سياسة للعرب، وسياسة لليهود. وتصل الى استنتاج أن " إنّ سلطات تطبيق القانون التي ترى أن دورها كمَن يقوم بحماية المصلحة العامّة فقط عندما يكون العربيّ مشتبهًا فيه، بينما تتجاهل دورها عندما يكون الأخير ضحيّة، هي سلطات لا يُمكن أن تحظى قراراتها بالشرعيّة".
تدل الإحصائيات الرسمية الإسرائيلية على أن نسبة الإدانة في القضايا الجنائية تصل الى 96%. وهي نسبة يعتبرها محامون وحقوقيون عالية جدًا، بل تخرج حتى عن إطار المعقول. للمقارنة، فإن نسبة الإدانة الموازية في ولاية نيويورك الأمريكية تبلغ 50% فقط.أما في القضايا المسماة أمنية ويمكن القول بتأكيد أننا لا نسمع عن اي حالة تبرئة بهذا المجال !. هذا الوضع، وفقًا لمختصين، هو ما يفسّر الى حد كبير تفضيل الكثير من المتهمين في قضايا أمنية أن يوقعوا على صفقات ادعاء مع النيابة ، وقبل الإدانة هناك المسار القضائي، أي المحاكمة والذي يتأثر بالأجواء السياسية السائدة، حيث لا قضاء منفصل عن الجو السياسي كما يتضح في الحالة الإسرائيلية. وقبله
مسار التحقيق غير المنفصل عن الأجواء التحريضية العنصرية، وعن كون المحققين بأنفسهم جزء لا يتجزأ من هذا الجهاز. فهم أيضا ينظرون للعربي المتهم بتهم "أمنية" كقنبلة موقوتة وعدو داخلي يجب استخراج اعترافات منه حتى بالقوة والتهديد والتعذيب. هو ليس اليهودي ابن المجموعة القومية الواحدة، بل إنه العدو /الآخر وفق هذا المنطق.
والتحقيق مع من اتهم بتهم "أمنية" ممكن أن يشرَّع وفق القانون وبحماية القانون كل أساليب التحقيق معه، وتعطي المحاكم الإسرائيلية اليد الحرة لأجهزة الأمن- ولرجالاتها، للاعتقال والتحقيق المتواصل لساعات مكثفة تصل أياما متواصلة، واستعمال أساليب تعذيب وضغط نفسي ، ابتزاز وإرهاق جسدي كالمنع المتواصل للنوم، ومنع الحمام، وتقييد الأرجل والأيدي وعصب العينين. بل ويضاف إلى ذلك إقرار أوامر منع نشر ومنع لقاء مع محام، لاستخراج اعترافات من المتهمين، كل ذلك بتغطية قانونية بل وباسم القانون! حيث دل تقرير أصدرته مؤسسات إسرائيلية – بتسليم وهموكيد- على استعمال هذه الأساليب وعلى التغطية القانونية التي يحظى بها المحققين بل وعلى عدم إدانة المحكمة لأي محقق تم تقديم شكوى ضده لاستعماله هذه الإجراءات.
"إن التحقيق في القضايا التي تعتبر أمنية يجري في مسارين أو مرحلتين. الأولى يقوم بها محققو شرطة ومن ثم يأتي دور الشاباك، وهي المرحلة المركبة. هذا التحقيق كـ "صراع عقول"، حيث أن المحققين لا يكشفون أمام المحقق معه ما لديهم من معلومات، لأسباب عدة، أحدها الخشية من كشف مصادرهم الاستخباراتية". "الأمر أشبه بتركيب "بازل" بواسطة عملية الاستجواب يتم من خلالها توجيه المحقّق معه إلى أن يقول ما يُراد منه قوله. لقد جرّبوا هذا الأسلوب طيلة 62 سنة وهم يواصلون ملاءمته وفقًا لشخص وشخصية المحقق معهم، وغالبيتهم الساحقة، بالطبع، من العرب".
وفي المحكمة هناك الأدلة السرية التي تعتمدها النيابة والتي لا يكون بإمكان محامو الدفاع الإطلاع عليها ولا على مضمونها. فبالتالي ممكن تجريم المتهم بتهم أمنية- حسب القاموس الإسرائيلي- بناء على أدلة سرية!!
نجد أن التعريفات المستعملة في أروقة المحاكم غير حيادية هي أيضا. إن تعريف المخالفات الأمنية في قانون العقوبات فضفاض جدًا، ويمكن بموجبه اعتبار كل تصرّف بمثابة مس بالأمن".. فممكن ان يحمل تعبير مثل "نقل معلومات خطيرة " مضاميناَ ومعلومات في متناول يد كل إنسان عادي معلومات لا تمتّ للسريّة بصلة، ولكن يجري تعريفها رسميًا كمعلومات سرية خطيرة! وممكن ان يحمل تعريف قانوني كلقاء مع عميل أجنبي، مضمونا مفاده لقاء بين فلسطيني من الداخل وعربي من إحدى الدول العربية. وبذلك تخدم المصطلحات القانونية سياسات وهويات تبغي تجريم اللقاء والتواصل العربي- العربي والذي لا يدخل من بوابة التطبيع بل يناهضها. . التعريف بهذه الحالة هو جزء من القضية ويخدم سياسات عنصرية. وبالتالي فان قرار التوصل الى صفقة ادعاء يكون بمثابة أهون الشرور أو على سبيل مكره أخاك لا بطل، حيث يكون البديل حكما سنوات طويلة ممكن ان تصل سجنا مؤبدا، على تهم مضامينها مفرغة من السرية والخطورة، غُلِّفت بتعريفات أمنية ..
تزداد في الآونة الأخيرة وفي كافة المجالات، بما فيه الأمنية كما ذكرت، صفقات الادعاء، حيث للنيابة أيضا اعتبارات تفضل بموجبها الاعترافات على البيّنات الواردة في لائحة الاتهام. لأن هذا يمنحها إمكانية القول: إن المحكمة أدانت وحكمت وفقًا لاعترافات وبالتالي يتم تفادي الادعاءات بشأن استعمال التعذيب والوسائل غير المشروعة. ويؤكد الكثير من محامي الدفاع في القضايا الأمنية أن المناخ السياسي السائد في البلاد، وفي مركزه المدّ الفاشي المتصاعد والخطير والقوانين واقتراحات القوانين العنصرية، هو احد الاعتبارات للقبول بصفقات ادعاء. مثال على أحد هذه القوانين هو مشروع قانون قيد البحث يسعى لتحديد الحكم المؤبد في القضايا الأمنية، كحدّ أدنى! هذا المناخ يؤثر على جميع الأجهزة ومنها الجهاز القضائي. ونشهد اليوم الكثير من الأحكام والقرارات والعقوبات القاسية ، ومن مراجعة لقرارات المحاكم في القضايا الأمنية التي انتقلت من المحاكم العسكرية بعد إغلاقها عام 1992 الى المحاكم المدنية، وفي السنوات العشر الأخيرة حصرًا، يتبيّن أن عقوبات المحاكم المدنية صارمة وقاسية جدًا بشكل غير مبرّر. ويتبين أن الأحكام والعقوبات التي كانت تصدر من المحاكم العسكرية في السبعينيات والثمانينيات ومطلع التسعينيات كانت أخف بكثير من العقوبات الراهنة. ويأتي هذا التشديد في العقوبات وفي تزايد القضايا الأمنية بشكل كبير كونها تقع ضمن إستراتيجية مفادها التوجه إلى الجماهير العربية في إسرائيل بالقول: لا تقتربوا إلى أي أمر يتعلق بالأمن.
قضية الناشط السياسي أمير مخول أنموذجا ولو نظرنا لتعامل الجهاز القضائي في قضيتين عرفتهم المحكمة والإعلام أنهما أمنيتين واحدة المتهم هو عربي والأخرى المتهم هو يهودي، وقارنا بين لائحة الاتهام وأساليب التحقيق ومضمون لوائح الاتهام، لوجدنا هوة شاسعة في تعامل القضاء مع الموضوع. الأولى هي قضية الناشط السياسي والمدافع عن حقوق الإنسان السيد أمير مخول الذي حكم بتسع سنوات من السجن الفعلي يضاف إليهما سنة سجن فعلي مع وقف التنفيذ لغاية سنتين. والثانية هي المجندة السابقة عنات كام. كليهما أتهم بالتجسس. كليهما تم تقديم لائحة اتهام ضده تشمل بند تجسس. لكن لو فحصنا التهم والمعلومات التي تتحدث لائحة الاتهام أن مخول قام بنقلها وقد تم تضمينها ضم لائحة الاتهام (مثل وجود قسم تحقيق مع السجناء الأمنيين في أحد السجون أو موقع مصنع عسكري على شارع رئيسي وعليه لافتة تشير اليه! وهي معلومات في متناول اليد وحتى المحكمة ذاتها تضمنتها بتفاصيلها بلائحة الاتهام والحكم حيث بإمكان كل معني ان يحصل عليها) وقارناها مع المعلومات السرية التي نقلتها كام الى صحفيّ في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية والتي وصل عددها الى 2000 وثيقة عسكرية في غاية السرية!. لوجدنا أن هذه الشابة موجودة قيد الاعتقال المنزلي مع عائلتها وتصل الى جلسات المحكمة لوحدها دون مرافقة عسكرية وبثياب عادية وليس ثياب سجن وتم التحقيق معها بظروف مريحة. بينما قبع مخول طيلة فترة المحكمة في السجن وتم إحضاره لقاعة المحكمة مقيد اليدين والرجلين وبمرافقة شلة من حرس السجون وتم منعه من ارتداء ثياب عادية وفرض عليه لبس ثياب السجن. وبينما تم استدعاء المجندة السابقة كام للتحقيق بشكل عاد، فإن مخول تم اختطافه بوحشية من بيته في مدينة حيفا، تحت جنح الظلام حيث حضرت لبيته قوات مسلحة من رجال الشرطة والمخابرات بلغ عددهم 16 شخصا وتم اعتقاله أمام نظر ابنتيه وزوجته، وتم التحقيق معه بظروف قاسية شملت أمر منع نشر وأمر منع لقاء محام ومنع من إجراء فحوصات دم ومنع من لقاء طبيب مستقل!!. وقد أطاح به المحققون أثناء التحقيق إضافة لذلك، عبارات مثل "مخرب"، "شعب إسرائيل حي"، "ستتعفن بالسجن" "سنتأكد من أن تخرج من عندنا معاقا".. وتم تقييد يديه ورجليه خلال طيلة فترة التحقيق وربطهما بكرسي منخفض مما سبب له آلاما حادة وقد فقد من وزنه خلال أسبوعي التحقيق عشرة كيلوغرامات إضافة لمعاناته من انخفاض بالنظر وفقدان ذاكرة حول أمور معينة كفقدانه للذاكرة الصورية لشكل زوجته وابنتيه خلال فترة التحقيق مما أثار لديه ولدى أفراد عائلته ومعارفه شكوكا كونه احتمال ان يكون أعطي مواد مخدرة معينة تؤثر على الوعي والذاكرة.
وفي هذا كله تأكيد واضح على ما ذكره المحامي أبو حسين على أن "في جهاز القانون هناك هويات وسياسات..هناك رسائل سياسية توجّه عبر قنوات القانون والقضاء".
يشار ان التمييز المذكور بالتعامل القضائي والأحكام القضائية وقبلها بتعامل رجال الأمن والشرطة مع المتهمين من اليهود والمتهمين من العرب، نجده في غالبية الحالات اذا ما قارنا مع كيف يتعامل هذا الجهاز مع اليهود دون العرب.
جدار فصل زجاجي للسجين السياسي الفلسطيني ان الخط الفاصل بين ما هو عربي وما هو يهودي والانقسام الإستعاري في الجهاز القضائي بين ما هو عربي وما هو يهودي، بين من يُجرِم بمخالفة جنائية وبين من يجرم بمخالفة أمنية، يستمر داخل السجون ويتحول الى انقسام عملي وليس استعاري. ويتحول الحاجز غير المرئي الى حاجز مرئي ومحسوس وقائم. وفق القانون الإسرائيلي تصب المخالفات السياسية والتي يسميها القانون "أمنية"، وغالبيتها العظمى هي ضد عرب، ضمن مجموعة المخالفات الجنائـية، الا ان التطبيقات من قبل مصلحة السجون تتعامل بشكل مختلف مع "السجناء الأمنيين"!. وتضع تعليمات خاصة حول كيفية التعامل معهم بمفهوم التضييق عليهم ترسِّخ التمييز البنيوي ضدهم.
وترفض إدارة السجون والمحاكم استعمال مصطلح "سجين سياسيّ"، وبالتالي فهي تنكر عليهم كونهم مناضلين لأجل الحرية، يقاومون نظامًا أجنبيا أو نظامًا مستبدّا. وعليه فإنّ معارضة تصنيفهم على هذا النحو هي تنكّر عميق – عادة ما يكون مؤسسيًّا – لعدالة نضالهم وعليه فالذي يقف خلف التسمية "الأمنية" هو، "قبل كلّ شيء، الرغبة في محو المعنى السياسي، ومن الواضح أنّه لا يوجد أمر سياسيّ أكثر من الرغبة في محو السياسة" كما تؤكد د. عنات مطر.
بناءً على ما تقدّم، تؤكد مطر أنّ التسمية "الأمنية" تدمج فائدتين معًا: فهي تسمح بسلب السجناء السياسيين حقوقهم الأساسية كأفراد يختلف أحدهم عن الآخر، وفي الوقت نفسه تتيح ممارسة اللا-تسييس لأفعالهم، وطمس مطامحهم السياسية. وما يجمع هاتين الفائدتين معًا هو سلب الفردانيّة من السجناء – سواء كأشخاص فرديين يستحقّون التعاطي الفردي، أو كلاعبين عقلانيين، أحرارٍ بجوهرهم، ويسعون لتحقيق حرّيتهم. إنّ المصطلح "الأمنيّ" يمحو كونهم أفرادًا ويجعلهم أغراضًا: غرض – كحائط منهار، كسطح مشتعل، كحجر مقلاع أو سكّين أو أظفار – من شأنه تشكيل خطر أمني، يجب الاحتراس منه حفاظًا على أنفسنا. في المقابل، فالذات، هي سياسية، سياسية على الدّوام. إنّ سلب الخانة السياسية من هؤلاء السجناء وتسميتهم "أمنيين" بشكل جماعيّ يشكّلان، إذًا، سلبًا لإنسانيّتهم على الصعيدين المذكورين: سلب فردانيّتهم وسلب كينونتهم السياسية.
وعليه فإن تطبيق القانون بعد الحكم وإثناؤه للمعتقل والموقوف، يبين وجود مسارين أيضا، مسار "للأمني" وآخر للجنائي. والأمني بهذه الحالة عربي وهو من قام حسب الادانه او الاتهام بمخالفة ضد ما يسمى "امن الدولة". وكما عرفناه بقاموسنا السجين السياسي والجنائي بهذه الحالة هو السارق والقاتل والمغتصب. وهناك تعليمات لمصلحة السجون وفق أنظمة مصلحة السجون- تعرف من هو السجن الأمني بشكل منفصل وكيف يجب التعامل معه. وتتحدث عن المسموحات والممنوعات وعن التضييقات وهي الغالب بهذه الحال. ونجد أن نظام السجن ومبناه وهدفه للسجين الجنائي بعد الحكم، هو التقبل والتأهيل ومساعدة السجين على العودة للحياة خارج السجن ويضمن له عدم الانقطاع عن العالم الخارجي بما فيه التواصل المباشر مع عائلته، مهما بلغت خطورته ونوعية إجرامه. اما بالنسبة للسجين السياسي/"الأمني" فان السجن يهدف الى القمع وتضييق الحريات، والسجن هو حيز للإقصاء والإلغاء والتضييق، تضييق كل إمكانيات التواصل الطبيعي مع الخارج وضمنه العائلة. هدف السجن بهذه الحالة هو العقاب والنيل من السجين قدر الإمكان. ومحو ذاكرته، ذاكرة المكان خارج السجن وخنق أمله بالحرية والتحرر. وأيضا الأهم وفق مفاهيم الأمن الإسرائيلي- ضمان ان يكون الحكم-العقاب والسجن رادعا لغيره. في حالة السجين الجنائي فهو يلتقي عائلته بشكل حر مباشر في غرفة اللقاء داخل السجن، وله الحق بمكالمات هاتفية للخارج- لخارج السجن وله حق في عطل، واحتمالات ان يحصل على تخفيض مدة المحكومية الى ثلث واردة وعالية ان هو أبدى سلوكا حسنا، ويحق له الحصول على كتب وهدايا من عائلته. وبإمكانه بعد فترة من المحكومية العمل خارج جدران السجن. اما السجين "الأمني"- العربي، فكل القيود مفروضة عليه. فاللقاء هو من خلف فاصل زجاجي يعمل عمل جدار الفصل تماما، فهو يمنع كل إمكانية تواصل مباشر، فالحديث من خلال سماعة هاتف. هذا الحاجز يلغي حاستان من حواس الإنسان الطبيعية: الشم واللمس، والسمع مشوش جراء التشويشات في سماعات الهواتف.
والحديث واللقاء مع مسموح لأفراد العائلة من درجة أولى فقط، والخصوصية ملغية تماما فالمكالمات مُسَجَّلة ، البريد يُقرأ بتفاصيله. عدا عن أن اللقاء محدد لمدة 45 دقيقة فقط مرة بالأسبوعين. أي بالمجمل كل السنة لا تصل ساعات اللقاء الى أكثر من 18 ساعة مجتمعة!! اقل من يوم لو جُمعوا مع بعضهم البعض. وكون اللقاء يشارك فيه أربعة أشخاص من الأقارب إضافة للسجين نفسه، فمعنى ذلك ان كل شخص منهم خلال المحادثة لا يحظى بأكثر من سبعة دقائق للحديث. ولا يراعي في هذه الحالة جيل الأطفال، بل على العكس يميز ضدهم باسم القانون. فالقانون الدولي والمعاهدات الدولية، وأيضا القانون الإسرائيلي يُعَرَف الطفل على انه من هو دون الثامنة عشرة، لكن إجراءات السجن تميز بين طفل وآخر على أساس الجيل، فقد قررت سلطات السجون، بحالة الأسرى "الأمنيين"، ان من هو فوق الثامنة من الأطفال ممنوع من التواصل المباشر مع والده او أمه من السجناء "الأمنيين"، وفقط له إمكانية لقاء من خلف الزجاج. بالتالي فان القانون ميز بين طفل وآخر وألغى حقه الشرعي والقانوني الذي أعطاه إياه القانون عندما عرفه طفولته بأنها تمتد الى جيل الثامنة عشرة. الا أن المشرع الإسرائيلي لا يعترض على هذا الإجراء وهذا التمييز، رغم انه يتحدث عن مساواة الجميع أمام القانون!!. لكن في هذه الحالية يتم التمييز ضد السجين الأمني ويتم التمييز ضد أطفاله باسم القانون.
ومع ان اللقاء يتم من خلف زجاج وإمكانية التواصل المباشرة معدومة تماما، الا ان سلطات السجون لم تعف العائلات من التفتيش الأمني الدقيق والذي يتحول الى تفتيشا مهينا وجسديا في كثير من الحالات، ويمر أفراد العائلة بمسار تفتيش أولا من خلال بوابة إنذار ومن ثم تفتيشا جسديا ومن ثم يتم تجميعهم بغرف انتظار مكتظة خانقة تغلق أبوابها وشبابيكها من كافة الجهات ويتحول من داخلها الى مساجين لدى السجانين لغاية فتح الباب الى غرفة اللقاء. ولا يمكن ان يكون هدف هذا التفتيش منع تسريب أي مواد للسجين من خلال العائلة، لان إمكانية اللمس كما نوهت ممنوعة، وبالتالي فيبقى الهدف من هذا التفتيش هو التضييق والإزعاج. حيث ممكن ان يصل أفراد العائلة الى اللقاء مع السجين بحالة نفسية وجسدية متعبة جراء التفتيش المهين، وبعد طول انتظار في المحطات المختلفة المتتالية من خارج السجن الى داخله. فينعكس الأمر على السجين ونفسيته.
والسجين "الأمني الفلسطيني" محروم داخل السجون الإسرائيلية من الكتب ومن الصحف العربية الصادرة في الداخل، والمسوق يهودي ويعرقل وصول الكتب للسجناء، وفقط مؤخرا وبعد نضال طويل ، سمحت سلطات السجون بإدخال كتابين للسجين الأمني من خلال العائلة على الا يراكم السجين أكثر من ثلاثة كتب بغرفته ويكون عليه الاستغناء عما لديه. وقد سُمح مؤخرا أيضا بعد نضال ومواصلة عمل مع الصحف ومن خلال مساعدة مؤسسات حقوقية مثل عدالة، على السماح بدخول بعض الصحف العربية لداخل السجن بينما منعت أخرى حزبية بدعوة انها تحريضية. أما قائمة الطعام هزيلة تنقصها مركبات أساسية يحتاجها الجسم كالفيتامينات. والعلاج الصحي محدود وفيه نواقص كثيرة، ويمنع السجناء الأمنيين من الخروج لعلاجات تطلب صورا وفحوصات في المستشفيات كعلاجات الأسنان. ويتم رفض إدخال أطباء مستقلين مختصين لمراجعتهم، دون توضيح أسباب الرفض، بينما يعطي القانون الحق لأي إنسان، وان كان سجينا من مراجعة أي طبيب يختاره، ولا تراعى النظافة في عيادات السجون، فالأدوية توزع بيد مكشوفة وكرسي طبيب الأسنان مكشوفة لا غطاء عليها، إضافة للمماطلة بإجراء فحوصات. وأما الحيز فضيق جدا، بعض السجون يتم حصر 8 سجناء في غرفة يتقاسمون حيزا- هو اللاحيز. داخل الغرفة طاولة واحدة بلاستيكية لكل الأهداف، للأكل والشرب والقراءة وتحضير الطعام والحيز للحراك غير موجود حيث يضطر السجين ان يقضي كل ساعات النهار والليل الباقية جالسا على السرير لان لا مكان للحراك. ولا مجال للخروج من الغرفة لأنها مقفلة. يخرجون مرتين لساعتين كل مرة لما يسمى "الفورة" وهو خروج الى ساحة داخلية مظللة بأسلاك من الأعلى، تحجب نور الشمس ووضوح السماء. ساحة صبغت جدرانها وأبوابها بالأزرق والأبيض يتوسطها علم دولة إسرائيل، تهدف الى فرض يهودية الدولة ووجودها حتى في الحيز الوحيد المفتوح داخل السجن. تربية الخضروات والورود على أشكالها ممنوع، ومقابل منع العائلات في بعض السجون من إحضار صور للطبيعة ومناظر طبيعية من خارج السجن، إجراء يهدف الى إلغاء المكان، وإلغاء الطبيعة هناك عملية إلغاء ومحو منهجي لذاكرة الطبيعة وذاكرة المكان الموجود خارج حيز السجن. إلغاء ذاكرة رائحة الأشياء وصورها من خلال منع الحصول عليها. بأغلبية الحالات لا يحظى السجناء "الأمنيين" بإمكانية تخفيض ثلث المدة التي يتيحها القانون والمتاحة للجنائيين من السجناء رغم الادعاء القانوني بان ذلك يرتبط بسحن السلوك، وكون غالبية السجناء "الأمنيين" يتحلون بهذا السلوك الحسن والأخلاقيات العالية ويكملون دارستهم داخل السجن الا أنهم على الاغلب، باستثناء حالات نادرة، لا يحظون بذلك التخفيض بالغالب مما يؤكد ان القرار سياسي ومن يتخذه هو رجالات الأمن والشاباك وليس إدارة السجن نفسها. جدار الفصل الزجاجي الذي يفصل بين السجين وعائلته يلغي مباشرة حاسة اللمس والشم، إضافة لإلغاء الطبيعة والمكان –البيت والوطن القائم خارج حدود السجن. ان الجدار الزجاجي وكل الممارسات المذكورة والتضييقات والتقييدات على السجناء السياسيين من تسميهم دولة إسرائيل أمنيين، هو فقط تأكيد على ان جدار الفصل العنصري قائم بوضوح بين كل ما هو عربي وما هو يهودي بهذه البلاد، وان لم يكن مصنوعا من الاسمنت. ومن هنا تكمن أهمية ووجوب وضرورة مقاومته ومقاومة السياسات التي تؤدي اليه وفضحها محليا ودوليا، لإلغاء نظام الفصل العنصري الذي يقوم عليه.
• جنان عبده هي باحثة وناشطة فلسطينية مقيمة في حيفا، وزوجة المعتقل السياسي أمير مخول تجاوز الانقسام..هل يقود الى دولة فلسطينية مستقلة؟!
طه نصار عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ورقة مقدمة لمؤتمر (مناهضة الاحتلال وعنصرية إسرائيل) المنعقد في الخليل 7 أيار /مايو 2011 (1) الانقسام الفلسطيني وتأثيره على المشروع الوطني
مقدمة قادت الانقلابات السياسية والعسكرية على برامج الوحدة الوطنية 2005 ـ 2006 ـ 2009، الى الانقسام وتمزيق وحدة الشعب الفلسطيني منذ 14 حزيران 2007 وحتى الان.
غالبا ما يربط المحللون الانقسام في الساحة الفلسطينية بالانقلاب الذي أقدمت عليه حركة حماس منتصف حزيران 2007 وأدى لسيطرتها على قطاع غزة وما ترتب عليه من قطع التواصل بين الضفة وغزة وتشكيل حكومتين متعاديتين.غير أننا نعتقد أن للانقسام جذورا أعمق من ذلك ويمكن قراءته من منظور أبعد مما جرى في يونيو 2007 وأبعد من كونه خلاف أو صراع سياسي بين حركتي فتح وحماس كما لا يمكن اختزاله فقط كحالة صراع على السلطة بين فتح وحماس، فما جرى في غزة هو تتويج لسيرورة من الخلافات العميقة و مراكمة لاستعصاءات إستراتيجية واجهت النظام السياسي الفلسطيني(المشروع الوطني) منذ تأسيسه كمشروع حركة تحرر وطني، ثم تعمق وازداد إشكالا مع وجود السلطة الفلسطينية، بالتالي فإن الانقسام أثر استراتيجيا وبالسلب على ركيزتي هذا المشروع الوطني – المقاومة والتسوية السياسية- بما يطرح تساؤلات حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني برمته من منطلق أن المرجعيات الدولية للتسوية وللمقاومة والضرورات العملياتية تقوم على وحدة الضفة وغزة على أقل تقدير، ومن ناحية عملية فلا تسوية مشرفة ولا مقاومة ناجحة في ظل الانقسام وبالتالي لا فرص لإنجاز المشروع الوطني في ظل استمرار الانقسام.
أولا:في مفهوم الانقسام وجذوره التاريخية: لا نقصد بالانقسام الخلافات والصراعات السياسية داخل النظام السياسي وفي إطار ثوابته، فهذه خلافات عادية تدخل في إطار التعددية السياسية وهي موجودة في كل الأنظمة السياسية وخصوصا الديمقراطية، ومن المعروف أن التاريخ السياسي الفلسطيني حافل بالخلافات وكل أشكال التعددية سواء الأيديولوجية أو تلك المفروضة بفعل أيديولوجيا البعد القومي أو البعد الإسلامي للقضية الفلسطينية أو بفعل الجغرافيا السياسية، وإن كان ظهور منظمة التحرير الفلسطينية شكل تحولا نوعيا في العمل السياسي الفلسطيني بما مثلته من إطار موحد للفلسطينيين وهذا ما نصت عليه المادة 8 من الميثاق الوطني حيث جاء فيها ( المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية). إلى حين ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي وقبل ظهور السلطة الوطنية الفلسطينية كان من الممكن إدراج الخلافات والانقسامات في إطار المشروع الوطني حيث لم تُشكل الجماعات المنشقة حالة انقسام حاد أو بديل للمشروع الوطني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية،صحيح أن بعض القوى السياسية ذهبت بعيدا في نقد نهج منظمة التحرير إلا أنها بقيت أعجز من أن تشكل حالة انقسام مهددة للطابع الشكلاني والرمزي للمشروع الوطني،إما بسبب ضعف التأييد الشعبي لها أو لممانعة الدول العربية بالاعتراف بأي مرجعية للشعب الفلسطيني غير منظمة التحرير أو لأنها بقيت قريبة من أسس المشروع الوطني كطابعه الوطني العلماني التقدمي. ومن جهة أخرى ولأن مركز ثقل الحركة الوطنية كان خارج الوطن فلم تكن أي من الفصائل الفلسطينية تمارس سيادة حتى على المخيمات ،فقد كانت الخلافات والانشقاقات تأخذ طابعا فكريا وتنظيما فقط ولم تترك هذه الانقسامات تداعيات جغرافية حيث كان الشعب موحدا جغرافيا تحت سلطة الاحتلال أو خاضعا لسيادة الدول العربية المضيفة . نعتقد أن الانقسام الذي جرى منتصف يونيو 2007 وإن كان الأخطر في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية إلا أنه كان تتويجا لمفاعيل انقسامية وانقلابية تعرض لها المشروع الوطني. الخلافات والانشقاقات داخل فصائل المنظمة وعدم القدرة على تجاوزها ومعالجتها في حينه أوجدت المناخ المناسب للانقسام المعيق للتوصل لاستراتيجيه عمل وطني ولمشروع وطني محل توافق الجميع،مع قيام السلطة الوطنية تعمقت ونشطت المفاعيل الانقسامية ومبررات الانقلاب على المشروع الوطني التحرري،ثم مع تأزم السلطة وتعثر التسوية وتصاعد قوة حركة حماس أصبح الانقسام ضرورة لمشروع جديدة وهو مشروع حركة حماس الذي كان في حالة كمون منذ 1987 . كان يُفترض أن تكون الانتخابات حلا لأزمة النظام السياسي- المشروع الوطني والسلطة- ولكن وحيث أنها لم تنطلق من حسن نية ولا من منطلق الإيمان بالديمقراطية ولأنه لم يسبقها الاتفاق على ثوابت النظام السياسي،فقد أدت الانتخابات لتعميق الانقسام حيث فسرت حركة حماس فوزها بالانتخابات التشريعية وكأنه تفويض لها بقيادة الشعب الفلسطيني وبالتالي تغيير أسس ومرجعيات السلطة والنظام متجاهلة أن مرجعية السلطة هي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وإن ما فازت بها هي انتخابات لأعضاء مجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي ناتجة عن اتفاقات وملتزمة بها،ويبدو أن حركة حماس أرادت أن توظف آلية ديمقراطية لتنفيذ مخططها الانقلابي على السلطة.عندما فشل الانقلاب عن طريق صناديق الانتخابات وتم فرض الحصار على الحكومة التي شكلتها حركة حماس تراجعت وقبلت بنتائج تفاهمات مكة وشكلت حكومة توافق وطني، إلا أن معسكر الانقسام وتداخل الأجندة الخارجية وخصوصا إسرائيل كان أقوى من معسكر التوافق والمصالحة الوطنية فكان اللجوء للحسم العسكري والانقلاب . صيرورة الانقسام........... حكومتين وسلطتين فلسطينيتين متناحرتين وتحت الاحتلال يعتبر تدميرا للمشروع الوطني التحرري بكل صياغاته من خلال:- 1- تذرع إسرائيل ومعها الولايات المتحدة بغياب شريك فلسطيني للسلام وبالتالي تهرب إسرائيل مما عليها من التزامات. (2)الحوار الوطني الشامل في القاهرة لإنهاء الانقسام
أين تسكن الشياطين.........في تفاصيل الاتفاق ، أم في مبادئه؟!! هو بداية اتفاق، وعلى عكس الشائع، لا تسكن الشياطين تفاصيله، ولكن ربما تسكن مبادئه. هو بداية اتفاق على الإجراءات الفعلية على الأرض، مع القفز عن المبادئ العامة التي تحكم الحياة السياسية الفلسطينية. تقول حماس إنّ لكل طرف مشروعه، الذي لن يتغير، ولكن هذا اتفاق لتسيير المرحلة المقبلة. في بنود الاتفاق ترتيبات للحكومة، والانتخابات، والأمن، وحل قضايا المعتقلين، والمصالحات الاجتماعية، ولكن مبادئ العمل السياسي وقضايا المقاومة والمفاوضات أمور يجري تجاوزها، وهذا قد لا يكون خطأ، مرحليّا. تريد السلطة المصالحة، لأسباب مختلفة، منها انها تريد خوض معركة الأمم المتحدة بأقل قدر من الانقسام والمعارضة، وتريد توجيه رسالة للأميركيين والإسرائيليين أنّها وجميع الفلسطينيين عموما، لديهم أوراق مختلفة. في المقابل، تدرك "حماس" وتستعد منذ شهور طويلة لطرح برامج عمل جديدة، ولطرح تصورات للمرحلة، وتريد ترتيب أوراقها الإقليمية والتنظيمية الداخلية، وأدركت أنّ الرهان على العامل الفلسطيني هو الأساس. في اتفاق مكة، كان الطرفان غير جادين. كانت الممانعة واضحة داخل فتح لتطبيع الاتفاق على الأرض وداخل المؤسسات والوزارات. وكانت المعلومات أنّ بعض القادة داخل "حماس" ليسوا متحمسين للاتفاق، وغير مقتنعين بأنّ العمل مع "فتح" ممكن. نرجو أن يكون الأمر مختلفا هذه المرة. إذ إنّه إذا ترتبت القضايا الداخلية في كل معسكر، وكانت النوايا صادقة، يمكن توقع استمرار التفاهم على التفاصيل التي لم تحسم بعد، مثل تشكيلة الحكومة، ويمكن الانتقال إلى مناقشة القضايا الرئيسية. إذا، المهمة رقم 1 الآن، هي النقاش الذكي، وتوزيع الأدوار بكفاءة لمواجهة الاستحقاقات الدولية والإقليمية المقبلة، بأقل خسائر، ولتفادي أن تفجّر إسرائيل الموقف. والمهمة رقم2، هي التفاهم على أدوات العمل في المرحلة المقبلة في مواجهة الاحتلال، وعلى وضع أسس بناءة لإدارة الخلافات المتوقعة بين الجانبين. بمعنى أنّ الموقفين الرسمي والعملي من الكفاح المسلح، والمقاومة الشعبية، والمفاوضات، وخطط مواجهة إسرائيل، كلها قضايا يمكن التقارب بشأنها والتفاهم بدرجات محددة. وهذه هي قضايا المبادئ العامة المطلوب نقاشها، والتي تسكنها الشياطين، وهذه يجري ترتيب أمرها بطريقتين؛ أولا، التوافق على إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، لتصبح إطارا ديمقراطيا ممثلا للشعب الفلسطيني بعيدا عن المحاصصة بين الفصيلين، ولتصبح إطارا لحسم مختلف القضايا. وثانيا، لا بد من ورش عمل ونقاشات معمقة، وربما مغلقة، بين قيادات فكرية وسياسية من الجانبين، (في المرحلة الأولى على الأقل قبل إطلاق نقاش على مستوى القاعدة الشعبية)، لمناقشة قضايا وسائل العمل، وليس ضروريا التوصل لاتفاقيات أو رؤى مشتركة تماما، في هذه الورش/ الندوات، ولكن المهم أن يفهم كل طرف كيف يفكر الآخر، وأن يجري التعاون على تطوير العقل السياسي الفلسطيني. ثم يجب الاتفاق على تداول السلطة، وإدارة الاختلافات السياسية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الانتخابات المزمعة قد لا تتم إذا وضع الإسرائيليون فيتو. (3) الاستراتيجية البديلة .........من خلال تجاوز «إستراتيجية المسارين» للسلطة الفلسطينية
أ) توسيع نطاق حركة المقاومة الشعبية ضد الجدار والاستيطان والتهويد، سواء في القدس أو في الضفة الفلسطينية وامتدادها إلى قطاع غزة، مع التأكيد على أهمية صون الإجماع الوطني الذي يتبلور على ضرورة النهوض بهذه الحركة وتأمين مقومات استمرارها وانتشارها. اننا تؤكد على ضرورة توفير مقومات تحول حركة المقاومة الشعبية إلى انتفاضة شاملة الأمر الذي يتطلب توفير العديد من الشروط والمقومات أبرزها:
استنهاض الحركة الشعبية
استنهاض الحركة الشعبية الكاتب والباحث: محمد سعيد مضية ورقة مقدمة ل مؤتمر (مناهضة الاحتلال وعنصرية إسرائيل) المنعقد في الخليل 7 أيار /مايو 2011 أزمة جوهرها ثقافي تشكل في الواقع الفلسطيني والعربي حتى وقت قريب مأزق التغيير، وذلك على أرضية فجوة تعمقت بين قوى التغيير التقدمي والجماهير الشعبية. المأزق الاجتماعي جوهره ثقافي، تتحمل قوى التغيير بعض المسئولية في تشكله، ويتحمل الوزر الأكبر الأوضاع الناجمة عن تطبيق برامج التكيف الهيكلية. كان الطرفان ـ الجماهير الشعبية وقوى التغيير التقدمي ـ ضحية تداعيات ثورة مضادة. وحانت لإسرائيل فرصة مضاعفة قدراتها وتعاظم نهجها المتوحش وعدوانها الضاري تجاه الجماهير الفلسطينية، تبطش وتصادر الأرض وتستوطنها وتهودها، بينما الأنظمة العربية تنفض الأيدي من القضية الفلسطينية ومن قضايا مجتمعاتها كذلك. قصرت قوى التغيير في واجب نشر ثقافة الوعي فتركت غالبية الشرائح الشعبية تنزلق في الخندق المناهض للتقدم. غرقت الجماهير الشعبية في أزمة روحية تغمر الأفراد بإحساس طاغ بالانسحاق أمام قوى غامضة مبهمة تفح سموم الحيرة والريبة والقلق وانعدام الأمان. في غياب ثقافة الوعي باتت المجتمعات العربية مسكونة بوعي شقي مفتوح علي شروخ العالم وتصدعاته وغدره، حيث مسلسل الانهيارات الكبيرة في بنية الواقع الاجتماعي المحلي والإقليمي والدولي. تتالت فصول الدراما الفلسطينية بينما العالم يقف صامتا يشاهد بلا مبالاة القتل بالجملة ومكافأة القاتل. والعدوان التوسعي الإسرائيلي المتحالف مع الامبريالية ومن خلالها مع التخلف العربي المشدود بعلاقات التبعية، أحكم الحصار حول الشعب الفلسطيني ومقاومته. ثلاثة من كبار المثقفين الفلسطينيين وقفوا على هوة الانسحاق ورصدوا الظاهرة. رصدها جوليانو مير خميس، شهيد الثقافة التقدمية: "الناس فقدوا الأمل. ظلام... لا أمل في الجيل القديم، أعتقد لأنهم رأوا الكثير من الموت والدمار، أغلبهم لا يرفض ما نحاول عمله، لكنهم لا يمدون لنا يد العون، فهم غير مبالين... تحطم كل شيء. كل واحد يرى نفسه قائداً في الوقت الحاضر، الكل يفعل ما يريد.. لم تكن فلسطين هكذا قبل الانتفاضة.. كانت فلسطين مكاناً فريداً في طاقاته الفكرية، وحداثته، وانفتاحه، وفعالياته التقدمية والفنية، وقد نجح الإسرائيليون في ضرب هذا كله". ورصدها محمود درويش، همجية القوة تهدر الإرادة والتفكير." أنت لا تستطيع أن تقاوم هذه القوة المدمرة أو هذا المعدن المسلح إلا بالسخرية منه واللجوء إلي مصادر قوة داخلية..." ونظر الدكتور ادوارد سعيد إلى الظاهرة من زاوية نقدية فوجه النقد العلمي لتحالف التوحش العولمي الذي يرى في الفاشية الإسرائيلية حليفه الاستراتيجي، وكذلك الحكم المطلق المنطوي على الفساد وهدر حقوق الإنسان العربي. أوكل التحالف الثلاثي المضاد إلى أنظمة الهدر مهمة إطلاق تداعيات داخلية في كل مجتمع عربي من شانها تقويض القوى الذاتية، وهدر طاقات المجتمع. والدولة تحمل تأثيرا إيديولوجيا يشمل التفكير والسلوك والمثل والعلاقات الاجتماعية. تجسد التقويض الذاتي، مستظلا بالطغيان وربيبته الفساد، واقعا مأزوما اختلت فيه القيم والمعايير، حين بات الربح السريع هو القيمة العليا الموحية للسلوكات والمواقف والتطلعات؛ واستتبع ذلك تبخيس الأفراد والذات القومية والتنكر للمصلحة الاجتماعية. اندفع طوفان مرعب أغرق المجتمعات العربية بالتحلل الاجتماعي والابتذال، رفده إعصار ثقافة منحطة من الميديا الإمبريالية، استهدفت تدمير المراكز الأمامية للمقاومة دفاعا عن إنسانية الإنسان، دفعت الممانعة إلى نشدان الخلاص الفردي والحماية بالتدين السلبي والعبادات. ولا شك في ما قرره الدكتور طارق حجي، العالم المصري، من أن "نظم الحكم الاستبدادية يلائمها المواطن المحلي الصرف والمنبت الصلة بالعالم الخارجي والذي يعتقد أن الحداثة هي الوجه الآخر للتبعية. فمواطن كهذا لن يؤمن أيضًا بأن الديمقراطية ثمرة الإنسانية وأنها منتج إنساني وحق إنساني، وليست بضاعة غربية للغربيين. فمن المؤكد أن هناك صورًا عديدة للديمقراطية .. ولكن من المؤكد أيضًا أنها كلها تتضمن آليات محاسبة تهبط بالحكام من أفق السادة إلى أفق خدمة المجتمع". النهوض العربي الجديد وقبل عدة اشهر من اليوم، هبت بما يشبه المباغتة على المجتمعات العربية بشائر ربيع واعدة، أدخلت تغييرات حادة على المزاج الشعبي ولدت لديه الثقة بالذات وأذكت من جديد أشواق التحرر والتقدم والحياة الإنسانية. جلبت النسائم الربيعية معها عناصر قوة داعمة للحقوق الفلسطينية المسندة بالقرارات الدولية، وبعثت من جديد طاقة عززت الإرادات الثورية وأحيت الآمال في الطاقات الكامنة لدى الجماهير العربية. بعثت الهبات الجماهيرية إلى العالم رسالة رد اعتبار للجماهير العربية بعد البيات الشتوي المديد. بانهيار نظام الطغيان في مصر برز الوجه المتألق لمصر النصير لشعوب المنطقة، وبالدرجة الأولى للشعب الفلسطيني. وبزوال النظام المتواطئ ضد مصلحة مصر ومصالح شعوب المنطقة تتبد ضبابية الرؤية، ويتسع الأفق أمام الشعب الفلسطيني. غير أنه تتردد بكثافة لدى تقييم الثورات الشعبية أقاويل تقدس عفوية الثورات وعدم مشاركة القوى الحزبية المنظمة والواعية في انطلاقتها. ثم تبني على الأقاويل استنتاجات خطيرة. إن سرعة انهيار النظامين في تونس ومصر تعود إلى عزلتهما القاتلة عن الجماهير. فقد شلت أجهزة القمع أمام مليونية الهبات الجماهيرية المقدامة المنطلقة بأشواق رومنسية . أما بناء الجديد فيتطلب الوعي والتنظيم، اللذين لا يوفرهما سوى القوى الطليعية المنظمة. الوعي الذي تدخله الأحزاب الإيديولوجية والمثقفون ضروري لترشيد وتوجيه خطى تجاوز مكائد الثورة المضادة المسنودة من الخارج ، والتي لم تفقد سطوتها الاقتصادية والثقافية، إلى جانب بناء الجديد على القديم الرث والمتخلف. تكشفت مع الهبات الشعبية المليونية حالات وعي شقي تعيق تجاوز أوضاع القهر التي سادت حقبة طويلة:
يقتضي استكمال بنية الثقافة الوطنية شحنها بقيم التقدم عبر عدة مسارات، أهمها ستة تتجلى في التوجهات التالية: أولاً:- إشاعة الثقافة المدنية الديمقراطية في المجتمع من خلال تشجيع الانضمام إلى المنظمات الجماهيرية، النقابية ومنظمات المجتمع المدني، وبالتالي تنظيم الجماهير من أجل إدخالها في الحياة العصرية. ثانياً:- الاهتمام بتربية المواطنين على تمثل حكم المؤسسات وسلطة القانون، والاسترشاد بقيم التسامح والحوار والغيرية و التعددية والنسبية وقبول الآخر وتقليص نفوذ "مُلاك الحقيقة المطلقة"، أصحاب الخطاب البلاغي على الحياة الروحية للجماهير من خلال منابر عديدة يحتكرون استخدامها؛ وتمثل قيم التقدم في الحياة اليومية وفي العلاقة بالآخرين. ثالثاً:- أن تتولى قوى التغيير الديمقراطي توجيه وتنظيم هيئات المجتمع المدني توجيها ديمقراطيا كأداة لاستنهاض طاقة الجماهير الكفاحية وتشكيل الحركة الشعبية للتغيير. ويتم هذا من خلال تدريب المواطنين عمليا علي الممارسة الديمقراطية، لدى إدارة الهيئات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني، وفي المقام الأول تنظيم نشاط أحزاب التغيير الديمقراطي على أسس الديمقراطية. من خلال العمل في منظمات المجتمع المدني يكتسب المواطنون خبرة المحاسبة على التنفيذ، وتجاوز الخطابات البلاغية، واختيار الأفضل لتولي المسئولية، وتغيير هيئات الإدارة باستمرار ودخول عناصر شابة باستمرار في الهيئات الإدارية وتقديم الحساب عن العمل العام. ومن خلال ديمقراطية التنظيم الحزب يستلهم الناس مثل الديمقراطية وقيمها ومعاييرها ن ويتضاعف جاذبية أحزاب الديمقراطية في نظر الجمهور. إن وعي الحزب وتنظيمه يضاعف من قوة تأثيره رابعاً:- فرض قيود على أنشطة الأمن المحلي وإقرار ميثاق وطني يصون الحريات العامة ويحترم كرامة الأفراد، خاصة لدى التعامل مع أجهزة السلطة، و لدى مراجعة مراكز الأمن والدوائر الرسمية ووضع الأجهزة الأمنية تحت مراقبة الأجهزة القضائية والتشريعية.فكرامة المواطن مكون أساس في الكرامة الوطنية والكرامة القومية. خامساً:- إدخال إصلاح ديني يصفي الأمية الدينية المنتشرة في الوعي الشعبي والموروثة عن حقب الاستبداد وتسلط فقهاء السلاطين. ويشمل الإصلاح مناهج التعليم الديني وأساليبها، بحيث لا يعزل طلبة المعاهد الدينية عن حياة المجتمع ولا تنغلق عقولهم عن الثقافة الإنسانية ومنجزات العلم. سادساً:- تحديث المجتمع، يتم من خلال تحديث التعليم وضمان مجانيته، وتحديث الرعاية الصحية والخدمات العامة، وتحديث المؤسسات وبناؤها على أساس الفاعلية والخبرة.من المؤسف أن قوى التغيير الديمقراطي لا تعير الاهتمام الواجب بالعملية التعليمية ولا تضع في برامجها بند تحديث العملية التعليمية. التربية السليمة تبدأ من الصغر في مراحل الطفولة؛ وبذا فإحدى المهام العاجلة تقتضي إدخال أساليب وبرامج جديدة تطرد الأساليب والقوالب المنهاجية في النظام التربوي، والموروثة عن السيطرة الكولونيالية المباشرة. يتحدثون عن أضلاع أربعة لعملية التعليم ( المدرسة والكتاب والتلميذ والمعلم) وينسون واحدا ربما يشكل مفتاح رسالة التغيير الاجتماعي الواجب أن تضطلع بها العملية التعليمية. وهذا الضلع، والأدق البوتقة التي يتم فيها بلورة المواهب والكفاءات العملية، يتمثل في وضع الأجيال الناشئة ضمن ثقافة إنسانية تنطوي على القيم الإيجابية، أو ما بات يعرف بقيم التقدم. فلا ينفع المجتمع مثقف منغلق على الذات لا يدرك أن كفاءته العلمية والعملية ثروة وطنية ينبغي أن تسهم في تقدم المجتمع ورفعة شأنه. وكيف تقدر قيمة المعرفة في مجتمع يعتمد الفهلوة والتزلف ويقدم فيه الولاء على الإنجاز ؟! و كيف ننشئ جيلا بانيا للحياة الجديدة حين يكون الغش والتدليس نمط أداء المهام، والتكاذب والتعتيم المتبادل أسلوب التعامل بين مراتب السلطة السياسية؟ الثقافة المجتمعية أو فلسفة الحياة بعد هام من أبعاد العملية التربوية. والقيم الاجتماعية تشكل الإطار التي تتبلور داخله مدخلات التعليم. مجتمعاتُ العصر في حاجةٍ لمواطنٍ خلاقٍ وتنافسي ومبدعٍ ويعمل في إطارِ فريقِ عملٍ، ويتوخى أن يكون قادرًا على المنافسة بما توفر لديه من قدرات عملية . . كان المنور خليل السكاكيني قد أدخل إلى منهاج التدريس بند تعليم الحرية؛ وحث على ضرورة احترام شخصية الطفل وعدم تخويفه أو تعريضه لأوضاع مهينة. غير أن تراث السكاكيني وتراث الفكر التنويري غيب تحت أنقاض النكبة الفلسطينية. وبدل التفكير العقلاني هيمنت العفوية والارتجال والتدريس التلقيني . العفوية فوتت الكثير على النضال الفلسطيني؛ وهي تتمرد على المعرفة العلمية وتعطل عمليات التنظيم والتخطيط ، ناهيك عن التفكير الاستراتيجي. يحدث هذا ونحن نواجه الاستيطان الاقتلاعي يستشرف مستوى رفيعا من التخطيط والتنظيم والتفكير الاستراتيجي.
مقومات الثقافة الوطنية إن أفضل ما قدمته الهبات الوطنية في الآونة الأخيرة هو التركيز والتأكيد على نضال اللاعنف، والاستناد إلى الحركة الشعبية الديمقراطية. ولكي يتواصل زخم التحرك الشعبي ينبغي رفده بالثقافة. يتوجب تفعيل جبهة الثقافة بمضمونها الديمقراطي في الصراع المصيري المحتدم. أولا بالنظر لكثافة الكذب والتزييف في دعاية التحالف المضاد ، الأمر الذي يتوجب تحصين الجماهير من تأثيراته، وثانيا لتفعيل الممارسة العملية بإسنادها إلى ثقافة وطنية. الثقافة لا تستقيم دون أن تشحن الممارسة العملية للأفراد والجماعات بالوعي والاستنارة. والسبب الثالث لضرورة تفعيل جبهة الثقافة يكمن في تراخي المقاومة وهو ما انعكس في الأزمة السياسية. الحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن أذهان الديمقراطيين تجزم أن ثقافة مناهضة الصهيونية لا تقتصر على تفنيد أباطيل الفكر الصهيوني وتحليل مقولاته؛ كما أنها ترتفع عن العفوية والارتجال وتقلع عن الصراخ، الذي يبدو رد فعل تلقائي لهدير دبابات المحتل وتفجر قنابله. لنشعر بقوتنا الإنسانية ولنثق بحقوقنا كما أوصانا محمود درويش: "يجب أن تتوازن أنت شخصيا، وأن تشعر بقوتك الإنسانية وبثقتك وبحقوقك ومطالبك وهويتك، لكي تستطيع أن تتقدم نحو سلام يبدو ـ حتي الآن ـ مستحيلا من جملة ما قيل عنه "أن قوة قصائده كانت إلى درجة دفعت وزير التربية الإسرائيلي إلى المطالبة بوضع بعض قصائده في المنهج التعليمي ـ (وهو أمر رفضه يومها يهودا باراك) ـ حتى أن شارون بنفسه قال بعد أن قرأ ’لماذا تركت الحصان وحيدا‘ بأنه فهم الآن تعلق الفلسطينيين بأرضهم". و في آمال جوليانو خميس نتلمس أيضا إيحاءات الثقافة الوطنية : آمل مع الجيل الجديد أن نمهّد الأرض لبناء الأمل، والمقاومة، والهوية الجديدة، ووضع خطط إستراتيجية، وفكر، وبلورة مفهوم للحياة، مَنْ نحن، كيف نرى أنفسنا في العلاقة مع الإسرائيليين، وما هي الحقوق التي يمكن أن نعطيها لليهود الذين جاؤوا إلى فلسطين في العام 1948 وما بعده، كيف ننظر إلى حياتنا معاً..". أما البروفيسور إدوارد سعيد فقدم ـ في كتيب صدر بالعربية عام 1994، " صور المثقّف" ـ مواصفات مثقف المرحلة: يقول الحق في وجه السلطة، ولا يقل مبدئية عن المسيح أو سقراط،، يدافع عن المعايير الأزلية للحق والعدل. التقط البروفيسور ملامح الثقافة الحقة في شجب الفساد والدفاع عن الضعيف، وتحدّى السلطة القمعية والناقصة. إمّا أن يتكلّم المثقف بشجاعة، وبدون تلعثم ضد أعمال العنف والظلم السلطويين، وضد شوفينية الدولة العظمى والقومية العمياء أو أن يسير كغنم في قطيع. على كلّ مثقف، سواء كان أستاذاً جامعياً أو مؤلفاً أو شاعراً أو صحافياً، أن ينتقد السلطة، فبدون المثقفين لم تشتعل أيّ ثورة رئيسية في التاريخ الحديث، ولم تقم أيّ حركة مضادة للثورة".والثقافة نشاط نقدي للواقع ولكل ما بات متخلفا وعديم الصلاحية، ومقحم علينا من أعداء التحرر والديمقراطية والتنمية. النقد يفرز مظاهر التخلف في نماذج الاقتصاد والثقافة والتعليم والسياسة المتبعة في المجتمعات العربية بادر إدوارد سعيد لانتقاد الاستشراق الذي زور التاريخ وشوه التراث وهيأ الأذهان لتقبل السيطرة الأجنبية. قال ان البحوث العربية تأثرت ب" الفقد والإحباط وغياب الديمقراطية ، وكيفية تأثيرها في الحياة الفكرية والثقافية في المنطقة العربية." انطلق صاحب "الاستشراق" من تطلعه لتشكيل تيار فكري هدفه تحرير المثقفين من أغلال أنظمة الاستشراق. وقصرت الهيئات الثقافية في مجال تنشيط جبهة الثقافة على الصعد المحلية والإقليمية والدولية. افتقدت حملات ترويج ثمار الأبحاث العلمية التي نزعت عن إسرائيل لبوسها المزيفة. ليس مجرد واجب الاعتراف بالجميل، إنما لإغناء معرفتنا ينبغي الاطلاع على ودراسة مؤلف البروفيسور المؤرخ "كيث وايتلام" الذي أثبت اختلاق إسرائيل القديمة لتبنى على أنقاضها السرابية إسرائيل المعاصرة. واجبنا التمسك بقيم النزاهة العلمية والجرأة والسمو الأخلاقي المتجسدة في إبداع البروفيسور المؤرخ شلومو ساند من جامعة تل أبيب، الذي قدم الأسانيد العلمية الناقضة لمقولة الشعب اليهودي، إذ تقطع بأن اليهودية ديانة تشكلت تاريخيا بالتفاعل مع أفكارٍ أخرى ونهضت على أكتاف شعوب من مختلف الأعراق والقوميات، شأن الديانتين المسيحية والإسلامية. كما أن علينا واجب الإقرار بالنزاهة العلمية وبالشجاعة الفائقة للبروفيسور إيلان بابه، صاحب " التطهير العرقي في فلسطين"، الذي وصفه البروفيسور وليد الخالدي " الكتاب المدهش ـ إنجاز قد يجمع بين كل من التأليف الجدير بعالم، والوضوح الأخلاقي والتعاطف الإنساني".. لم تحظ مؤلفات هؤلاء القيمة بالنشر والترويج اللازمين مكونا أصيلا في الثقافة الوطنية، وأحد أمضى الأسلحة الفكرية في مناهضة الزيوف الصهيونية ـ الامبريالية. هذا احتياطي في جبهة الصراع الثقافي، جمده صقيع الإحباط واليأس، مع تغييب دور الثقافة في الصراع، واعتماد العفوية والاستجابات التلقائية. ليست جماهير الغرب وحدها خدعت بدعايات الاستشراق وتحويراته المغرضة؛ بل إن إعلاميين ومفكرين عربا ما زالوا يأخذونها كمسلمات ويروجونها بين المتلقين العرب، وذلك بالنظر لغياب النزعة النقدية التي حث عليها إدوارد سعيد لدى مقاربة الفكر الغربي والتراث القومي. تطوير الحركة الشعبية سواء تم اتباع نهج المقاومة الشعبية او نهج المقاومة العنفية فإن من واجب القوى الديمقراطية والتقدمية أن تستنهض همم الجماهير من اجل إكساب مؤسسات المجتمع المدني طابعا شعبيًا يساعدها على القيام بدور تعبوي يغير الواقع. ولا يستقيم مفهوم الديمقراطية ليدعم عملية التقدم إلا من خلال استنهاض الجماهير الشعبية من سبات القرون ومن حالات الاستلاب وتحويلها إلى قوة فاعلة في الحياة الاجتماعية. والتطور الوطني الديمقراطي للمجتمعات العربية وتحديثها يستوجب قيام تنظيمات غير حكومية تمارس نشاطاً يكمل دور الدولة ويساعد على إشاعة قيم المبادرة وجماعية العمل الوطني وإدارته، والاعتماد على النفس؛ مما يهيئ الفرص لتصفية الثقافة السلطوية التي رسختها في الممارسة اليومية النظم المستبدة، مواصلة لهدر الإنسان عبر عصور القهر والهدر. تستوجب دواعي حشد تيار كاسح للمقاومة الشعبية تعبئة شعبية تتقن أساليبها القوى التي تحسن إقامة الصلات بالجماهير الشعبية والتغلغل في صفوفها والتعرف على نفسياتها واجتذابها إلى النشاط السياسي المنظم والواعي. وهذا يفرض على قوى التغيير الديمقراطي إعداد كوادرها للعمل بين الجماهير وداخل الهيئات الجماهيرية، على أن تكون من عنصر الشباب وتمتلك القدرات التنظيمية والتثقيفية وتمتلك أيضا الصلابة والمبدئية بحيث تشكل المثال الملهم للجماهير غير الحزبية. نكرر القول من قبيل التأكيد يقتضي الشروع أولا بتوفير النقاهة من الرضوض النفسية المتولدة عن اضطهاد أنظمة الطغيان وهدرها. من الخطر الظن أن آثار الهدر السلطوي في النفسية الاجتماعية تزول بمجرد سقوط النظام المستبد؛ فذلك يحمل خطر الرضوخ من جديد لديكتاتورية أشد بطشا وتسلطا. إن تصفية جذور السلطوية التي تشربت بها النفسية الاجتماعية وتعمل دوما على تعطيل الحوار الديمقراطي ووحدة النضال، يسهل عملية الانتقال السليم إلى الديمقراطية. فكل الانشقاقات والاختلافات في النشاط الوطني ناجمة عن ضعف التقاليد الديمقراطية. و كل من استرشد بالمنهجية العلمية يدرك أن التفكير عملية قوامها تفاعل المدركات الحسية مع خبرات مكتسبة وقدرات ذهنية . ونظرا للتفاوت في القدرات الذهنية وتباين الخبرات المكتسبة كما ونوعا فلا بد من تضارب الاستخلاصات التي تسفر عنها عمليات التفكير لدى الأفراد المختلفين. وهذا يحيل الحوار تابعا عضويا ومتمما لعملية التفكير. إن جميع شغيلة العلم والثقافة يقرون من منطلق ممارستهم للتفكير، ضرورة الحوار، الأمر الذي يكسبهم فضيلة التسامح وسعة الصدر وتقبل الاختلاف. وبالمقابل بينت المثابرة على الارتجال والعفوية والانقياد للنزق والمزاجية كيف تعطل تقليد الحوار وتحول دون أن يمد جذوره في التربة الاجتماعية. يأتي بعد ذلك مهمة إشراك الأفراد في النشاط العام من خلال التنظيمات الأهلية. يتطلب مشروع تصفية آثار القهر والهدر الاجتماعيين تنفيذ برامج اجتماعية متنوعة ترفع الفرد من وهدة اللاوعي والاستلاب والسلبية. تستوجب دواعي حشد تيار كاسح للمقاومة الشعبية تعبئة شعبية تتقن أساليبها القوى التي تحسن إقامة الصلات بالجماهير الشعبية والتغلغل في صفوفها والتعرف على نفسياتها واجتذابها إلى النشاط السياسي المنظم والواعي ينبغي الحرص على إقامة النشاط النقابي داخل المنظمات الأهلية على أسس الديمقراطية والنزاهة والمعرفة كي تتعلم الجماهير الاختيار الصائب لممثليها السياسيين وفي شتى مجالات النشاط الاجتماعي، ولكي تتقن إدارة الأنشطة والفعاليات. وحيث أن الإنسان هو محور التنمية، وهو هدف التنمية وهدف الثقافة، وفي نفس الوقت وسيلة للتنمية، فإن التنمية البشرية تتشابك مع العوامل الثقافية، بدءاً من القيم المحفزة للعمل والانتماء والهوية، وامتدادا إلى رموز المسئولية الاجتماعية وضوابطها، إلى جانب القيم الدينية ومدى تأثيرها، وأن يتكتل أنصار الحداثة والمؤمنون بحق المواطنة للجميع بغض النظر عن الطائفة والعصبية الدينية أو القبلية أو العرقية لمواجهة هذه الآفات الاجتماعية المستنزفة للطاقات. تشكل هذه العناصر ضفيرة الهوية القومية الحضارية المنفتحة على أفق التقدم والازدهار الاجتماعي. "فلا يمكن بناء الديمقراطية في أي مجتمع بدون إشاعة ثقافة ديمقراطية تعمق القيم الموجهة لسلوك المواطنين في هذا الاتجاه. كما لا يمكن استكمال التحول إلى الديمقراطية بدون بناء المؤسسات التي تمارس من خلالها هذه الطريقة في الحياة، أو بدون توافر الآليات التي يتم من خلالها وضع هذه القيم الديمقراطية موضع التطبيق وشمولها المجتمع كله" [ المناضل المصري عبد الغفار شكر: دور المجتمع المدني في بناء الديمقراطية]. وتحتل الأولوية في برامج التحول الديمقراطي إعداد الكوادر الحزبية المؤهلة للتغلغل في أوساط الجماهير والتعرف على نفسيتها ، ثم السير معها في مدارج اكتساب الوعي والقدرة على الانتظام في الهيئات الشعبية وأخيرا إدراك العوامل والنواميس المؤثرة في حركة الواقع المحلي والإقليمي والدولي، وطابع العلاقة الرابطة فيما بينها. يتوجب على قوى التغيير الديمقراطي تحسين أدائها العملي والثقافي كي تجتذب القطاعات الأوسع من الجمهور المستلب وتوثيق الصلات مع مختلف الشرائح الاجتماعية من الرجال والنساء وإشاعة مشاعر الثقة بالهيئة الاجتماعية وبالقدرة الذاتية على إحداث التغيير والحفاظ عليه من مكائد الردة. طورت الانتفاضة الفلسطينية بطابعها الشعبي العارم في أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي تجربة شعبية ديمقراطية مميزة، اتخذت شكل اللجان الشعبية والوطنية وأعطت مثالا ملموسا على انجازات العمل الوحدوي المشترك الذي قادته القيادة الوطنية الموحدة. وهذه التجربة هي ما بذل الاحتلال مساع محمومة لشطبها من الذاكرة؛ فاستدرج التحرك الشعبي التالي إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة مسخرًا لصالحه تنافس الفصائل الفلسطينية على الشعبوية بالضرب على وتر العنف المسلح. خرج الاحتلال من المواجهة بحصاد وفير من مكاسب التضليل الإعلامي؛ مضى بعيدا في ضرب الحركة الوطنية وإرهاب الجماهير وتوسيع المستوطنات وتشييد الجدار؛ ثم ظفر شارون بلقب رجل السلام، بعد أن سحق الحركة الوطنية وكبل إرادتها، وقذف بها داخل متاهة مهلكة من الفلتان والارتباك والفوضى وفقدان الوعي ، الأمر الذي غيب الرؤى وأسقط الجماهير في لجة الإحباط والتنفيس عن الكروب بشتم الذات القومية وتبخيس الذات. أما والجماهير العربية أدركت ضرورة الديمقراطية فهذا بشير خير للشعب الفلسطيني ومقاومته الشعبية للاحتلال الاقتلاعي. ينبغي أولا إقرار نظام يعترف لكل فرد بحق المواطنة الكاملة واحترام دوره ورأيه ومشاركته الفاعلة في اتخاذ القرارات التي تصنع المصير الوطني. إن أول تجليات الكفاءة هي الكفاءة النفسية التي توفر أساس نماء الطاقات الحيوية. كما أنها توفر المناعة بوجه التحديات والصعاب والمخاطر. بهذه العدة نستطيع ـ والقول لعالم النفس الاجتماعي، الدكتور مصطفى حجازي ـ " دخول عصرنا عصر الاقتدار المعرفي القائم على كفاءة العلم المستدام وكفاءة توظيف الطاقات الذهنية في مبادرات معرفية جريئة وطموحة، والتي أصبحت وحدها تضمن الدور والمكانة في الشراكة العالمية. إن أي تنمية للإنسان باتت تتطلب مشروعا وطنيا لبناء الاقتدار الشامل لمختلف الشرائح السكانية، خصوصا الطفولة والشباب والمرأة". وتتعاظم صلابة الحركات الشعبية إن هي تشكلت من اتحاد كونفيدرالي لهيئات قاعدية للمجتمع المدني تنخرط فيها الجماهير حسب موقع السكن وطبيعة العمل والاهتمامات الثقافية والسياسية. الانتظام في الهيئات الاجتماعية والنقابية والثقافية والسياسية من شأنه أن يقيم الحركة الجماهيرية على أرضية ثابتة. وبعد أن استردت الجماهير العربية معنوياتها وثقتها بقواها ونزلت إلى الميادين، باعتبارها القوة غير المهادنة والثورية حتى النهاية في فضاء النضال المناهض للتخلف والتبعية، فإنه لم يعد سهلا على أعدائها الاستخفاف بمشاعرها والتطاول على قضاياها، أو إغفال تطلعاتها للتقدم . انفتحت آفاق واعدة أمام المقاومة الفلسطينية وحلفائها حركات التحرر الديمقراطية العربية لوضع وتنفيذ برنامج مهمات متكامل على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية. في هذا الفضاء الواعد وآفاقه المحدودة تتوفر الظروف لإنجاز مهمات أساس. |







يقول اليحياوي:" إنّ الفضاء يكتب بتشفير رمزيّ يقتضي أن نتعامل معه خارج ماديته، فأن تفهم الفضاء معناه أن تقرأ دلالاته الرمزيّة التي تحيلنا إلى ثقافة الجماعة التي تتمظهر في هذا الفضاء المعاش يوميّا من قبل شاغليه"( اليحياوي،2010) وهنا تتموضع الذوات في هذا الفضاء لتعطيه رمزية فردية وجماعية، وليصبح الحيز الخاص عاما والعام خاصا.



