الأربعاء 08 شباط/فبراير، 2012

فكر ونقد

التكفير يقتحم المشهد الثقافي

 

saeed_m

أعلت الفلسفة العربية ـ الإسلامية من شأن العقل وتأكيد قدرته على اكتساب المعرفة، لكن على درجات . فالمعرفة البشرية دوما نسبية . أبرز فلاسفة المرحلة في العصر جدل النسبي والمطلق، واثقين من قدرة العقل على حل المشاكل التي تواجهه.
اهتم أبو نصر الفارابي (المعلم الثاني بعد أرسطو) بعقد الصلات بين الدين والفلسفة والعلم؛ وامتاز الفارابي بتوجهاته المنهجية من خلال تطبيقها العملي لدائرة عريضة من الموضوعات، مثل الشعر والفن والفيزياء والرياضيات، الفلك وعلم الجبر، الموسيقى، الطب والأخلاق. وأكبر مثال على ذلك عمله " كتاب الموسيقى الكبير". وفي تعامله مع مفهوم الحقيقة أكد الفارابي أنه لا يمكن في البداية إدراك الحقيقة دائما بكل أعماقها، ولذلك يجب صونها من الابتذال والتسطيح . نرى في أسلوب الفارابي لجوؤه في بعض الأحيان إلى الرمزية، خاصةً لأنه عاش في فترة سادت ظروف التعصب الديني والتحولات السياسية المفاجئة، تتغير النعمة إلى نقمة.
اعتبره ابن خلكان أكبر فلاسفة العرب على الإطلاق، وكان هذا قبل ظهور ابن رشد. واعتبره ماسينيون فيلسوفا بأعماله، بمعنى أن الفارابي ترك لنا مذهبا محدد المعالم سواء في الطبيعيات او الإلهيات أو الأخلاق أو السياسية. تميز الأسلوب الفلسفي والعلمي للفارابي بالعقلانية والثقة بأن العقل البشري قادر على حل ليس مشاكل الوعي فحسب بل قضايا الأخلاق والسياسة.
ومثله ابن سينا اتهم بالكفر لأنه رفع مكانة العقل. بحث في العلاقة بين فلسفة الطبيعة والعلوم الأخرى كالإلهيات والرياضيات بفروعها الأربعة ( حساب ، هندسة ، فلك ، موسيقى). ناقش مركب الجوهر والصورة في الماهية ؛ كما بحث في العلاقة السببية (العلية). تعرض لنقد شديد من قبل ابن رشد، في معرض نقده لفكر الغزالي. قال أن سوء فهم ابن سينا لأرسطو أثر على الغزالي، إذ استند إليه في اتهام الفلسفة بالإلحاد، دون الرجوع إلى كتب أرسطو نفسه. كما أن ابن سينا اعتمد المنهج الجدلي ولم يرق إلى المنهج البرهاني القائم على العقل . والأمر نفسه ينطبق على الفارابي. اعتبر ابن سينا الغائية علة الوجود. فكل شيء يمضي لغاية، اما وجود الشرور ومظاهر النقص فلا ينهض دليلا على نقض الغائية والخيرية في المقاصد الإلهية. النظرة الغائية متغلغلة في أبحاث ابن سينا إلى أقصى صورها ، فلكل صنف غاية بالنسبة لارتباطه ببقية الموجودات . ولهذا يلاحظ الدارسون لفكر ابن سينا اهتمامه بالكيف على حساب الكم وبتصنيف الموجودات لا بقياسها.
اعتمد ابن رشد الذي تأثر بأفكار ابن سينا، المنهج النقدي وميز بين فلسفة ابن سينا وفلسفة أرسطو. حل التناقض الظاهري في فلسفة أرسطو بين الجوهر والصورة ، فاعتبر الجوهر هو المعبر عن المادة ، بينما الصورة تتبدل وتتغير. انتقد آراء ابن سينا في الإلهيات ومجالات الطبيعة وكذلك في كثير من تفريعات الطبيعة. رأى أن ابن سينا قد أذعن لمقدمة الجويني المفكر الأشعري ( الحنبلي) القائلة أن العالم بكل ما فيه جائز أن يكون ما يقابل ما هو عليه . كما انتقد دفاع ابن سينا عن صوفية الأشعرية ( فكر ابي الحسن الأشعري من أتباع أحمد ابن حنبل ، مع قليل من التعصب ، وانقلب على المعتزلة في القرن الثالث الهجري) . وقال الأشاعرة ومنهم الغزالي أن علاقة السببية غير ضرورية فلا نجد علاقة بين النار والاحتراق. وأنكروا العلاقة بين الأسباب والمسببات . رأى ابن رشد أن العلم الطبيعي هو نفسه الذي ينظر في مبادئه، فالمادة والصورة مثلا بنظر العلم الطبيعي مبدآن لوجود متغير.
كتب ابن رشد "تهافت التهافت " يرد فيه على كتاب " تهافت الفلاسفة " للغزالي؛ وكتب " تلخيص ما بعد الطبيعة لأرسطو" و " تلخيص السماع الطبيعي لأرسطو"، حيث يفيض بأبحاث في السببية ، وحيث يشكل دراسة العلل محور أبحاثه. وقد رأى وجود أربع علل للموجودات متنقلا إلى غاية العالم وسمائه وأرضه. نادى بثبات الخصائص للشيء الواحد وأكد على الطبيعة الخاصة لكل عنصر متوصلا إلى نفي الاتفاق العرضي والجواز والإمكان. فالحكمة في نظره هي معرفة الأسباب التي تقوم على منطق الفعل.
ولدى إقامة الدليل على فكرة العناية الإلهية أو الأسباب الغائيةـ العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجله ـ تماثل ابن رشد مع المعتزلة لدى دراسة أصل العدل الذي يعد احد أصولهم الخمسة. فمعرفة الله، في نظر ابن رشد، تعني التعمق في معرفة مخلوقاته .
وانبرى الفيلسوف الرازي للسلفية الأشعرية . كافح ضد الاتجاه الطاغي الذي راح يدفع الحياة الاجتماعية المادية والفكرية باتجاه التدهور . فقبل مولده انتصر الاتجاه اللاعقلاني في الفكر العربي ـ الإسلامي. عاش أبو بكر محمد بن زكريا الرازي خلال الفترة 854-932 م، وهو طبيب وكيميائي، مثل نموذجا للعالم الفيلسوف الذي وضع فلسفته على أساس من تجاربه العلمية في الطب والكيمياء بالأخص. برع في تحليل الأمراض الخاصة وظل كتابه في الجدري والحصبة يطبع في الغرب حتى أواسط القرن الثامن عشر...ولا يعرف عنه إلا ما نقله عنه المعجبون بعلمه ممن جاءوا بعده ( البيروني والشاعر الفارسي ناصر خسرو وابن حزم وابن الهيثم وآخرون ليس من الممكن حصرهم " ( مروه ـ النزعات جزء2، طبعة خامسة ص545) . يبدو أن مكانته العلمية والمهنية وضعته تحت حماية اهلته للتفكير بجسارة والتعبير عن معتقده بغير توجس. بجرأة العلماء المتمكنين راح يجلد فقهاء السلفية بحدة ويدافع عن العقل بجرأة وصراحة: " الباري عز اسمه ، إنما أعطانا العقل وحبانا به لنستعمله ونبْلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه، وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منا ، الخفية المستورة عنا.. . وبه وصلنا إلى معرفة الباري عز وجل ،الذي هو أعظم ما استدركنا . وإذا كان هذا هو مقداره ، أي العقل ، فحقيقة علينا أن لا نحطه عن رتبته ، وننزله عن درجته ، ولا نجعله، وهو الإمام، مأموما، وهو الحاكم، محكوما، ولا ، وهو الزمام، مزموما،... ولا المتبوع تابعا." هاجم أبو بكر بقسوة السلفيين ووصفهم ب" لحى التيوس يتصدرون المجالس يمزقون حناجرهم بالأكاذيب والخرافات ، وحدثنا فلان عن فلان بالزور والبهتان! "
التكفير رديف الطغيان
تولّى المتوكّل الخلافة عام 232 هجرية (847م)، واستغل الإقطاعيون والأمراء ممن أزيحوا عن مواقعهم في عهد المأمون، وممثلوهم في القطاع الفكري، نقاط الضعف في شخصية الخليفة الجديد، ومنها إسرافه في الملذات والشراب، وشرعوا يضغطون عليه لتوجيه سياسة الدولة باتجاه مصالحهم وتفكيرهم، وحملوه على إلغاء ما أحدثه المأمون وخاصة فيما يتعلق بعلم الكلام المعتزليّ وخلق القرآن وارتباطهما بمذهب الدولة. استجاب لهم الخليفة، وأطلق أيدي الأشاعرة كي يشنوا حملة ضارية ضد أنصار المذهب المعتزلي وفكره، لدرجة أن الجيل التالي لم يعرف عن هذا المذهب إلا ما كتب وقيل ضده من تجنيات. تزامنت الإطاحة بالمعتزلة مع صعود نفوذ الأتراك في الحكم. وهؤلاء أداروا الحياة الفكرية والثقافية بالأحكام العرفية فجنوا على الحياة الروحية والإبداع بشكل عام. افتقد الشعر الرعاية واخذ يملأ فراغه فن الأرابيسك ورواية الحكايات التي توظف الجان والأساطير في حل الحبكات الروائية.
استتب الأمر للجمود، ليس بسبب الفقه الأشعري فقط ؛ إنما في ظل تردي الأوضاع الاجتماعية واختلال الأمن والنظام ، وتصاعد طغيان الحكم الفردي. أمر المتوكل "بترك النظر والمباحثة في السجال، وترك ما كان عليه الناس في أيام المأمون والمعتصم والواثق، وأمر الناس بالتسليم والتقليد، أي التسليم بالقضاء والقدر، وأمر شيوخ المتحدثين بإظهار السنة والجماعة. ينطوي المرسوم على وعي طبقي بالمصالح ليس في المشاكل المعرفية والسياسية فقط، بل وحتى على المستوى الفقهي؛ حيث يجب على الملك أن يلزم الجميع بالظاهر من الشريعة ، ويمنع الجميع من تأويلها وتسفيه بعضهم بعضا. غدا الفقه في هذه المرحلة الجديدة اداة ترويع لثني الرقاب وإخضاع النفوس، ذلك أنه كفر الخصوم واحتكر الحقيقة.
منذ أن اختطف معاوية الأموي الدين وأوله طبقا لمقتضيات الحكم، لم يحدث أن كفر خصومه او كفره خصومه. حتى عندما أقدم الخليفة يزيد بن عبد الملك على تمزيق القرآن لم تصدر صيحة تكفير!! وتعايش الأئمة الأربعة وتركوا لنا مذاهبهم دون ان يكفر احد احداً. بل إن الفقيه ابو حنيفة النعمان رفض الاستجابة لطلب الخليفة أبي جعفر المنصور ، وهو ما اشتهر به من قسوة وبطش، باستصدار فتوى تحل سفك دم خصمه النفس الزكية . وله في رده على ادعاء الخليفة قولة مشهورة . سأل الخليفة ما قولك في من أعطاني دمه عهدا بالطاعة ؟ ورد الفقيه أعطاك ما لايجوز له ، أفان أباحت فتاة عرضها أيجوز لها ذلك؟
اما الأشعريون فقد ادخلوا التكفير في خطابهم وأحكامهم.
الفكر الأشعري نتاج مرحلة تاريخية اتسمت بالانحطاط. بدأ أبو الحسن الأشعري في القرن الثالث الهجري حياته معتزليا ثم انقلب على فكره المعتزلي وأخذ يصوغ إيديولوجية جديدة لقوى المحافظة انطوت على تغليب النقل على العقل وتحتكر الحقيقة . أنكرت الأشعرية علاقات السببية، كما أنكرت وظيفة الدين ومقاصد الشريعة في تأمين مصالح العباد. نفى أبو الحسن الأشعري عن الدين وظيفة إسعاد البشر وترشيدهم إلى ما فيه خيرهم في الدنيا وأوَّله سبيلا لمعرفة الله، فأسند إلى النصوص وظيفة الكشف عن المطلق، الأمر الذي لا تنهض به إلا النخب المتميزة. وسمت الأشعرية بالإلحاد والزندقة كل بحث فلسفي أو مناظرة. لم يعرف هذا في عهد الأئمة الأربعة ؛ كما لم يكفر العلماء والفلاسفة العقلانيون في حياتهم ، باستثناء الرازي ، الذي ادار حربا كلامية شديدة ضدهم. بات التكفير، لأول مرة في تاريخ الفقه الإسلامي، الأداة الفكرية للرد على الخصوم. شطر الأشعريون الدين إلى دين عامة ودين سمو وتكامل حتى بلوغ إدراك الذات الإلهية، الذي اعتبروه الإسلام الحقيقي..
بدأت محنة العقلانية، بل محنة الفكر بشكل عام ، وبدأت الرحلة باتجاه "فكر السلف الصالح"، تلك الرحلة التي تاهت وضلت الدرب في متاهة الاستبداد السياسي وإخضاع الرقاب للحكم المطلق. سخر الدين إيديولوجيا للطبقة المهيمنة والحكام الطغاة. وما إن مضى على العباسيين عهد حتى استقرت في الممارسة والوعي شرعية الإجماع على مفهومي "الغلبة" و"الشوكة" ووجوب الطاعة لهما. ومنذ خلافة المتوكل ، حين انتشر الفكر الأشعري، اتجهت التطورات نحو تفكك مركزية الحكم. "تعددت الوسائط بين الحكم والمجتمع ، وتعددت نماذج السلطة الوسيطة من الأمراء والقادة العسكريين وأصحاب الإقطاعات المستقلة في مختلف أقاليم الامبراطورية ، وما رافق ذلك أو نتج عنه من تفاقم عوامل الضعف في القوى المنتجة الريفية. كان من شأن ذلك كله ان يدفع إلى السطح مظاهر الخلل والاهتزاز في البنية العامة للنظام الاجتماعي كلما اشتد الصراع بوجهه الطبقي والفئوي ( بين الفئات العليا) التي ازدادت تشرذما في دويلات وتتناحر بشكل دموي في أغلب الأحوال" (مروة269). باتت السلطة السياسة ضرورة طبيعية، يتحتم الخضوع لها وجوبا. فلا بد من الخضوع والطاعة للسلطان وسياساته غير المعقولة والمتنوعة والمتضادة ، بل وعدم نقده أو الخروج عليه ، حتى لو كان فاسقا. هذا المنهج الفاسق هيمن على مرحلة ظلامية مديدة من التاريخ العربي-الإسلامي.
في هذه المرحلة تجلت مناهضة الايديولوجيا المهيمنة النظرة الصوفية، التي ظهرت كفلسفة في بادئ الأمر تحمل في طياتها رفض إيديولوجية بني العباس المستندة إلى نسبهم للرسول، حيث الكرامة يستحقها كل من نذر نفسه للحقيقة النورانية، سواء من العرب او غير العرب. قامت نظرية التصوف على رفض نظرية الحكم الرسمية، واستنكار النظام الاجتماعي القائم على الحرمان والقهر، حيث الانفصال تام ومطلق بين الحكم والجماهير الشعبية . ثم انطوت العهود الظلامية ، فإذا بالصوفية تسلس انقيادها للحكم وتنشغل في الآخرة بدل الدنيا ، لتتدهور بعد ذلك إلى التمسح بالأولياء والتوسل للشجر والكهوف والقبور وينابيع الماء طلبا للشفاء من مرض او إغاثة من ضيق. انتهت الصوفية إلى "الحضيض الجرمي" الذي قال به صاحبهم السهروردي المقتول.
في عصر عاصف بالهجوم على العقلانية جاء الغزالي (أبو حامد محمد بن محمد توفي 505 هـ 1111 م) ، فأنكر قيمة العقل وأحكامه. سفه الغزالي العلماء والمبدعين ممن أضاءوا حلكة العصور الوسطى بأنوار بحوثهم في الطبيعة والحياة، وحكم على كل ذلك بالتهافت كما أورد في كتابه "تهافت الفلسفة" .
رد عليه ابن رشد (توفي عام 595 هجرية) مفندا الفكرة الغزالية باتجاه معاكس تماما إذ جعل "العقل" أحد المقدسات في كتابه "تهافت التهافت" ، ومركزا على النقد بدل التسليم. كانت نتيجة منهج الغزالي هو الدخول في عصر هيمنة الدولة على الدين. ويمكن القول ان اختطاف الدين الذي استهله الخليفة الأموي ، معاوية قد أفضى إلى تسييس الدين وأدلجته. وهذا يعتي سلب روحه الإنسانية ، ووضعه في تناقض مع العقل في الوقت نفسه. هكذا كان الغزالي بحق هو فيلسوف عصر الظلمات و الانحطاط الثقافي، بينما منطق ابن رشد حرم من أن يتطور نظرا لغياب التربة الاجتماعية المناسبة . استخدم الأشاعرة نظام الحسبة واشتطوا في استخدام الحديث المختلق " من رأى منكم منكرا فليغيره..."، وبلغ العنف المنقول عنهم أوجه في حقبة ما بعد سقوط بغداد على يد المغول( السابع الهجري)، والتي شهدت إحراق المجلدات ومؤلفات العلماء والنوابغ، وتم تكفير معظم العلماء أمثال الرازي والخوارزمي وابن سينا والبيروني وابن رشد والتوحيدي. في ذلك الزمن أعدم الحلاج. هي حقبة شبيهة بحقبة غزو العراق من قبل القوات الأمريكية.
وما إن حل القرن السابع الهجري حتى تكرست مفاهيم المُلك العضوض الطاغوتية لطاعة المنحرفين والمستبدين والجهلاء من السلاطين . بلغ الأمر بعدد من " الفقهاء" السابقين لابن تيمية أن أفتوا بأنه " إذا ما خلا الوقت من إمام عادل مستحق للإمامة فتصدى لها من هو ليس من أهلها، وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف ، انعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم . ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا أو فاسقا في الأصح ". كانت الفتوى استجابة لضرورة ودلالة على تلك الظاهرة ، حيث العصر عصر تشظيات الدولة الإسلامية، وبروز ظاهرة البلطجية ، قطاع الطرق ، ممن شكلوا تحت إمرتهم جيوشا اغتصبوا بواسطتها الحكم.. في ذلك العصر صاغ الفقه مقولة " من يحكم يطاع".
بانتشار أمية الحرف، حرمت الأغلبية الساحقة من الجمهور الإسلامي من الاطلاع على صحيح الدين، وتركت الفتاوى رهينة الضمائر الملوثة لفقهاء الظلام من حاشية السلطان، الذين اختلقوا ألوف الأحاديث الموضوعة، تأتي بأحكام مناقضة للنص المقدس، وذلك بقصد إلباس تصرفاتهم عباءة الدين. جاء صحيح البخاري وصحيح مسلم تحمل معالم القلعة القروسطية ومفاهيمها. يتضمن صحيح الإمام مسلم نوادر حول مبتدعي الأحاديث: بعضهم "لا يؤتمن على تمرتين"، وآخر يستحسن الفكرة فينسبها إلى الرسول، وأنشأ مئات الأحاديث على هذا المنوال. ورغم التندر ، ورغم ان البخاري اعتمد نسبة ضئيلة من جملة سبعين ألفا جمعها، إلا أن رضاعة الكبير، مشترطا في الرضاعة "الخشوع التام وكأنه يؤدي حالة تعبوية ، على أن لا يحرك الرجل يده تحت الصدر إطلاقا " قد بناها في العصر الحديث أحد رجال الإفتاء المصريين ، المتحدث باسم الأزهر ورئيس قسم الحديث فيه بناءً على ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم. فالصحيحان من مدخلات العصر الوسيط على الفقه الإسلامي.
لم يجد ابن تيمية غضاضة في تبرير اغتصاب معاوية للخلافة . دخل ابن تيمية ( أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني( 661- 728 هجرية / 1162-1227) ميدان الفقه الإسلامي ومضى الشطط إلى مداه فبات "صاحب العلم" ديكورا يزين به الحاكم ديوانه محاولا توظيف سمعته وصيته العلمي، مباعدا ما بين العلماء والجمهور. بات الفقيه ملحقا بديوان السلطان ضمن الحاشية التي تظهر جانب التقوى والورع في شخصية الحاكم. باستثناء الدعاية للسلطان والدعاء له ، لم يعد الفقيه يخاطب الجمهور ، وبات التدين الشعبي نهبا لخرافات المشعوذين والصوفيين الدراويش ممن ادعوا لأنفسهم الكرامات، وعزوا السطوة لصاحب السلطان.
عبر فقه ابن تيمية إلى العصر الحديث وتلقفه محمد ابن عبد الوهاب وتفشت الوهابية في الفقه السلفي الحديث بواسطة المال النفطي. هذا بينما انتبذت الرشدية من قبل الجهالة الظلامية ؛ فتبناها العلم الناهض ينور الحياة في اوروبا. أتيح للرشدية أن تنهض من جديد بمضمونها العقلاني النقدي إبان عصر النهضة في أوروبا .
نختزل العرض التاريخي لتطور الفقه الإسلامي بالحقائق التالية:
أن الفقه ، بما هو استخلاص الأحكام من مبادئ الدين، قد مر بأطوار انفتح في حقبة على الحراك الاجتماعي واستنار بمعطيات العلم والبحث التجريبي،واتسم بالتسامح مع الرأي المخالف وهو يبحث في ما يصلح للناس؛ وفي أطوار أخرى استعصم بضيق الأفق وأطبقت عليه الظلامية والجهالة، إذ تراجع أمام سطوة التسلط الغشوم أو أجدبت لديه القرائح فاستعان بالنقل وتطفل على جهود السلف من الأشعريين . الرجوع إلى السلف ، ماضيا وحاضرا ، لا يتجاوز مرحلة ظهور الأشعرية.
أقحم التكفير ميدان الفكر، تعويضا عن العجز في ميدان المنافسة ورديفا للهدر الاجتماعي.
في عصور الانحطاط تحول الفقه أداة إيديولوجية تسند الظلم والجور والفسوق. غدا فقهاء الظلام شريحة من بطانة الحكام تكفر العقل والحوار والمناظرة كي تملك حرية الإفتاء بما يضفي مسحة التقوى على السلاطين .
أدلجة الدين قي سياقات تاريخية وافقت نمط الحكم في العصر الوسيط ، حيث لم تعرف البشرية نظم الديمقراطية وحوار الأفكار في عصر العلم وسلطة العقل.

 

حجر، أسطوانة، إزميل: تقاسيم في البحث عن الجميل

 

sts

1

لا تفتأ اليد تضرب خالقها، ولا تكلّ من منازعته عمّا هو ذاته. بهذا فهي تقفز عمّا هو حدّ في التكوين، لتعيد الخلق مرّتين، ولتحيا الموتَ مرّات، وليبقى القول خلودًا، لهذا فإمّا قولاً وإمّا نهاية في القفز وقفر في الوجود. والقول الحقّ باطل، كما لا يبطل الحقّ في مقاله المرتحل أبدًا عبر دفقات الريح القلقة، إلاّ في حركيّته، عبرة العبور في التعبير. وإذ نحن، الفنّان والكاتب والقرّاء، نبغي الجلوس الحواريّ في مقطع، من الصدفة، حول جمرات أُشعِلَت من التقاء أثر ضربة اليد، ومن كلمة كُتِبَت وعين فكّت التشكيلَين، فلنَعْبر التعبير عبورًا، لعلّ طائرنا يفصح بمنطق الطير التي لا تطير.

حُمْتُ لعدّة أشهر حول هذه الأعمال لا أدري كيف أبدأ في الدخول إلى فضائها، ولا أستطيع أن أدخل بها، وهذا ليس بتجربة جديدة بذاتها في التواصل مع ما هو فنّ. المختلف هنا أنّ هذه الأعمال كانت واضحة وماثلة بمقولتها إلى درجة مزعجة، أحيانًا، حيث إنّ لغز الشكل يظهر في حَلِّه المادّيّ: الحجر. بيدَ أنّ الحجر حجر، أصمّ لا يتكلّم ولا يفصح، بعكس الأسطورة الفلسطينيّة الدامعة بسببه ومن حوله؛ ومن الحجر ما قَتَل، فأين يبدأ الخلق؟

قلت إنّه لا بدّ من قضاء ليلة مع تمثال حجريّ لأتبيّن ثنايا ما بدا لي على أنّه روح أليفة ومألوفة، غابت عبر سنين من التدثّر بالبلاستيك المُقوَّى، والحديد المصقول، والقماش الاصطناعيّ ذي الألوان الناعسة؛ حزمت أمتعتي للبقاء في ليلة جرداء أمارس رغبتي في التلصّص على تمثال حجريّ، لعلّي أغريه بعضلتي فيكشف عريه أمامي، وأكشف له إحدى الفانتازيات الحميمة التي تقبع في قيعان جَعبتي. قلت لنفسي إنّ هذه صفقة جيّدة فيها ما قد يقنع أصلب الأحجار وأشدّها تمنّعًا. في ما سيتلو، يا عزيزي القارئ، ستلتقي بتفاصيل مغامرات تلك الليلة، ولكن من غير أن تصطدم بخاماتها الدراميّة، بل ستلقاها في حالة من التسامي النصّيّ، والإزاحات ذات الطابع الطربيّ، والتحليل المخبريّ، والربط المجازيّ. فإن هَمّت نفسك بحجر، فلا تؤجّل موعد ليلتك به، وتذكّر أنّ إغراء الإزميل أشدّ وقعًا على الحجر من حامله. لستُ بدايدالوس، لستَ بدايدالوس، بل نحن نساء العزيز داخل بقرته. أمّا الطائر فلم يخفِ نزقه وقال: ولا حتّى هوميروس، يا عزيزتي[1].

                                                                                 الصرخة (2004) 25/50/32 cm

2

أمامنا ثلاثة أعمال نحتيّة من الحجر، لم تُسَمَّ، بل كلّها تحمل اسم “بدون عنوان”، وهي عبارة عن رؤوس لرجال، ذات أوجه تعبيريّة محدّدة. كلّ الأحجار قام الفنّان باختيارها من منطقة رام الله، حيث كان يخرج إلى الطبيعة المحيطة بهذه المدينة، ويقوم بتفقّد ما فيها من أحجار وتكتّلات صخريّة، ليختار منها ما يلائم الفكرة التي تعتمل في ذهنه، أو العكس أيضًا. عادةً، جرَتْ عمليّة البحث هذه في أوائل الربيع، بعد أن يتشرّب الحجر كمّيّة من مياه الأمطار، وهذا ممّا سهّل عمليّة النحت على الفنّان.

العمل الأوّل “الصرخة” (2004) منحوت من حجر رماديّ زاهٍ، فيه ظلّ باهت، بارتفاع50 سموعرض25 سموعمق 32 سم، وله شكل الرأس الذي يجلس على الجزء العلويّ من الرقبة، وهو مكتمل الأعضاء من ذقن وفم وأنف ووجنتين وعينين وجبهة وشعر، ما عدا الأذنين اللتين غابتا. هنالك نتوء شبه أسطوانيّ من الخلف، يبدو وكأنّه امتداد على شكل جديلة طويلة. هنالك ثلاثة أنواع من ضربات الإزميل: الأولى هي باتّجاه الحفر بعمق الكتلة الحجريّة، وهي تبدو واضحة في صناعة الفم والعينين؛ أمّا الثانية فهي نوع من الضربة الخارجيّة الدقيقة باتّجاه الأسفل، كالتي تصنع الحصى الدقيق وتضفي ملمسًا يشبه حجر البناء المُسَمْسَم، وهذه الضربة تغلّف معظم مسطّح الرأس عدا المقطع الخلفيّ شبه الأسطوانيّ الأملس؛ أمّا الضربة الثالثة فهي التي استخدمها الفنّان في صناعة هذا المقطع الخلفيّ للرأس، الذي يبدو كنتوء أملس بارز على شكل شبه أسطوانيّ من أعلى الرأس إلى أسفله تقريبًا، وهي ضربة لم يبقَ أثرها بعد أن جرى تمليس المقطع ككلّ.

إن نسب الأبعاد بين أعضاء الوجه الأماميّة ومواقعها تبدو كما في حالة الوجه الإنسانيّ الطبيعيّ، ما عدا الفم الذي يمتدّ على معظم النصف التحتيّ للوجه، وهو مفتوح على مصراعيه بمقطع عموديّ، من الأعلى إلى الأسفل، أو بالعكس، بحيث يختزل أهمّيّة فتحته الأفقيّة، أي يجعلها تابعة للبعد العموديّ من عمليّة فتح الفم. وبهذا فهو يطغى على الذقن المتناسق بحجمه الوسطيّ الأمْيَل إلى الصغر، دون أن يُدَبَّب، بل بدائريّة ناعمة، من جانب، ولكن هذا الطغيان لا يُفقد الذقن موقعه الارتكازيّ بعلاقته مع الفم، إذ يبقى حلقة الوصل مع الرقبة التي تكوّن قاعدة العمل ككلّ في حال أخذنا المقطع الأماميّ منه، من جانب آخر. الأنف يبدو مُهَشَّمًا، أو على الأقلّ لم ينحته الفنّان بشكل مكتمل، بل صنع الجزء السفليّ الأماميّ بشكل منقوص، وذلك بكسر دائريّته، بعكس الجزء العلويّ الأماميّ منه الذي يبدو مكتملاً بدائريّته، أي جرت عمليّة إعادةِ صياغةٍ ما لأرنبته. العين اليسرى مكتملة، بينما العين اليمنى تبدو كعين ولكن يقطعها حفر على شكل خطّ شبه عموديّ يميل قليلاً إلى اليسار ويمتدّ، إلى أسفل العين والمنطقة التي تحتها مباشرة، كانتفاخ. بينما العلاقات النسبيّة بين الأنف والعيون تبدو متناسقة بحسب معيار الوجه الطبيعيّ، تأتي الجبهة بشكل عضليّ بارز، لتربط بين الأنف والعيون وأعلى الرأس من شَعر جرى تمييزه عن الجبهة بخطّ محفور يعلن الالتقاء من خلال كسر حادّ للامتداد. أمّا الشعر فيرتفع بشكل حادّ، لكن متباين، بثلاثة مقاطع. الغرّة مدبَّبة، وهي تبدأ بنقطة تحدّد الجزء الأماميّ من الشعر وهي ترتفع بزاوية شبه قائمة، وكذلك المقطع من اليسار الذي يرتفع بزاوية قائمة ليدخل إلى الوراء بزاوية 45 درجة. أمّا المقطع من اليمين، فهو يرتفع عن الجبين بزاوية 45 درجة تقريبًا داخلاً إلى الوراء بزاوية 45 درجة كذلك. الشَّعر ككلّ يبدو مضمومًا بشكل قويّ إلى الخلف، حيث لا تتساقط أجزاء منه على جوانب الرأس، ليجتمع عند بداية النتوء شبه الأسطوانيّ الأملس في وسط خلف الرأس. هذا النتوء يمتدّ على كلّ المقطع الخلفيّ ليكوِّن، مع الرقبة، القاعدةَ التي يقف عليها التمثال ككلّ.

الأعضاء ككتل تُحَدَّد معالمها من خلال خطوطها الخارجيّة، لا عَبْر التفاصيل الداخليّة للعضو، حيث يتميّز الخطّ الخارجيّ الذي يحدّد ما هو الشكل بخاصّيّتين أساسيّتين: الأولى أنّ الخطّ واضح وحادّ في ما تمْكن تسميته البؤرة الإدراكيّة البصريّة للعضو؛ والثانية أنّ ذات الخطّ يمتدّ من هذه البؤرة إلى أطراف العضو حيث تقلّ حدّته تدريجيًّا، إلى أن يصبح جزءًا من المسطّح العامّ للوجه، بحيث لن نستطيع التمييز بينه وبين المسطّح. هذا ينطبق على كلّ الخطوط الخارجيّة، ما عدا ذلك الذي يحدّد النتوء الأسطوانيّ الأملس، حيث إنّ هذا الخطّ يتّخذ حالة مستطيليّة مغلقة ومنفصلة عمّا هو مسطّح الوجه، كما لو كان خطًّا فاصلاً بين الأبيض والأسود، أي أنّه تحديد نوعين من خلال التقائهما. من هنا، فكلّ عضو يُدرَك ككتلة ذات حجم وشكل خارجيّ مُعرِّف بعلاقة هذه الكتلة بالمسطّح الكلّيّ للرأس، ومن خلال العلاقات بالكتل الأخرى المكوِّنة للرأس ككلّ، من جانب، ومن خلال غياب التفاصيل الداخليّة للعضو ذاته، من جانب آخر.

أمّا الرأس ككلّ، فهو ذو شكل أسطوانيّ طوليّ، بحيث يبدو كتحويرٍ على الشكل الطبيعيّ للرأس الإنسانيّ، تحويرٍ أعطى المقطع العموديّ للرأس، بعلاقته مع الأفقيّ، مركزيّةً بارزة من خلال زيادة الطول بعلاقته بالعرض. هذه الزيادة ليست بتقنيّة، وإنّما نتجت عن كَوْن عمليّة النحت ذاتها تقعّدت، مسبقًا، على مفهوم أسطوانيّ طوليّ للمنتوج النهائيّ (التمثال)؛ هذا بحيث من الممكن المجازفة بالقول إنّ هذه المركزيّة هي عبارة عن بوصلة فراغيّة لعمليّة النحت ذاتها. من اللافت للنظر، بهذا المستوى من التحليل، أنّ النتوء الأسطوانيّ الخلفيّ هو عبارة عن تجسيد داخل العمل لما هو بوصلة العمل ككلّ، بحيث إنّ هذا العمل يحتوي على منطق عمليّة إنشائه مجسَّدًا وملموسًا، ولا سيّما أنّ النتوء الأسطوانيّ في الخلف، أي يتّكئ عليه الرأس، وهو جزء من القاعدة التي يقف عليها التمثال ككلّ.

يعطي اعتماد الخطّ الخارجيّ للأعضاء، وما ينتج عنه من كتليّة بصريّة، مع بناء التمثال على الشكل الأسطوانيّ الطوليّ، انطباعًا محدّدًا من الشكل الرأسيّ، كأنّما داخل الرأس هو حبل مجدول بشدّة بالغة أضفت عليه صلابة وقوّة ودرجة عالية من الثبات، انعكست بخارجيّة لا تهتمّ بالتفاصيل وما قد تثيره من رهافة ونعومة وهشاشة. فهذا الرأس يوحي بجذع شجرة غليظ[2]، لا يأبه بعوامل الطبيعة من حوله، وإن كان هو ابنها. الاصطدام البصريّ لا يترك مجالاً للمتلقّي أن يزوغ عمّا هو كتلة أسطوانيّة ذات حدّ أدنى من الخطوط التفصيليّة الحادّة والمندمجة بالمسطّح الكلّيّ. على هذه القاعدة الكتليّة /البصريّة الدالّة بنى الفنّان مستوى ثانيًا من منظومة علاقات داخليّة تُؤَنْسِن هندسيّة التركيب الحجريّ هذا، أو تُهَنْدِس الخطاطة الذهنيّة لما هو وجه إنسانيّ ذو تعبير محدّد (صراخ). ولكن بالطبع، وككلّ صناعة اجتماعيّة، فالهندسة والأنسنة متشابكتان حدّ الالتحام، قد يتجسّدان في التقاء الحِرْفَة بشكل محدّد من الطاقة في حركتها بالتاريخ. تجسيد هذا الالتحام يُقاس بمدى قدرته على الارتقاء بالجامد إلى حدّ الحركة، أوّلاً، وبشكل الحركة، ثانيًا، وبالتحوير المحدّد على الشكل المُبتغى، ثالثًا. في كلّ مستوى من هذه، لا يستقيم التلقّي إلاّ بالحركة الانسيابيّة، حدّ الطرب النبيذيّ، بينها.

                                                                                 الصرخة (2004) 25/50/32 cm

تبدأ حركة هذا التمثال من لونه الرماديّ الفاهي، لتمتدّ إلى كتليّته البصريّة، فنوع ضربات الإزميل التي تنسج مسطّحه ونتوءاته المختلفة، فالخطوط الخارجيّة التي ترسم أعضاء الرأس والوجه. فالرماديّ هنا ذو حركة باتّجاه الأرض المحروقة، حيث يمكّن من فرش القاعدة المادّيّة المجازيّة للحركة التعبيريّة العامّة، أمّا أسطوانيّة الكتلة فهي تقول بالوقوف، وهذا في العموديّة، أمّا ضربات الإزميل فهي تفاصيل الأفقيّ الذي يكتب تفاصيل حركيّة اليوميّ والعابر على متن العموديّ الأزليّ، الخطوط والأعضاء هي تجسيد لالتقاء المحور العموديّ بالمحور الأفقيّ، أي هي التحام نوعي الحركة، المحور الثالث، بالشكل التعبيريّ المحدّد (الصرخة -المحور الرابع). في هذه اللحظة /الموقع الشكليّ، يبدأ سعي التحوير بين ما هو صرخة، أو خطاطتها الذهنيّة، وبين الصرخة المحدّدة التي انبثقت في التركيب المحدّد ومنه. إنّ هذه الحركيّة أدّت إلى خلق تحوير صرخة يجمع أنواعًا مختلفة من الصرخات /الحركات الممكنة، تلك التي تأتي من البطن، من جانب، وتلك التي تأتي من المناطق العلويّة للجسد (لا سيّما الصدر والرأس)، من جانب آخر. هذا الجمع المُتقن، الذي يصهر في شكل واحد عدّةَ أشكال ممكنة من الصراخ، هو مفصليّ في الإدراك البصريّ النقديّ لكثافة التلقّي البطنيّة-الحسّيّة-الذهنيّة، حيث إنّ التوتّر الكثيف في هذه الصرخة هو حمولتها المتعدّدة في شكل محدّد. فهذه الصرخة تفيد في التعبير عن كلّ أسباب الصراخ، أي هي العلامة الكبيرة الحاوية لكلّ الدلالات اليوميّة العابرة. وبالرغم من أنّ نحت الرأس هو نوع فنّيّ قائم بذاته، وله تاريخ محدّد، فإنّ غياب الجسد يمكن أن يحمل دلالات مختلفة. وفي هذا السياق الذي نحن بصدده، وبهذا المستوى من التحليل، ساهم هذا الغياب في اكتمال العلامة الكبيرة، حيث إنّ كلّ الأجساد تصلح لهذا الرأس، فهو قد يكون رأسَ محارب، ورأسَ عبد، ورأسَ قائد، أو رأسَ جنديّ، وهو رأس لعذاب، رأس لألم، رأس لرعبٍ، رأس للنهوض الثائر، وغير ذلك.

ولكن، لماذا يصرخ الإنسان؟ ومن ثَمّ، ما هي الاحتمالات الكيفيّة لشكل الصراخ، بعامّة، والحجريّ، بخاصّة؟

تقول التجربة الحسّيّة الساذجة إنّ الحجر هو من أشدّ حالات الصمت، بمعناه النيّئ، وفي آنية لا تقلّ سذاجة فهي تقول بأنّ الصراخ هو من أشدّ حالات الكلام كثافة، بمعناه المطبوخ.[3] في كلتا المقولتين هنالك محاولة لحفر جسر يربط المنظومة المادّيّة بتلك الاجتماعيّة، وهذه المحاولة، في المعتاد، تبوء بفشل تلو فشل، وبالرغم من ذلك فهي تعود، عودتها رهن بالتدفّق، المتشابك ضرورة، ما بين المنظومتين. في هذا العمل، ثمّة جمْع مباشر بين حالة مادّيّة، حجريّة الحجر، ونقيضتها الاجتماعيّة، تعبيريّة الإنسان. والمقصود أنّ التناقض الأساس في العمل، بهذا المستوى من التحليل، ينبني عبر انعكاسات مرآتيّة للتجربة الإنسانيّة المادّيّة الاجتماعيّة المتناقضة، والتي تُنْشِئ المقولة المادّيّة مقابل المقولة الاجتماعيّة. هذه المقابلة جرت معالَجتُها جماليًّا، أي بالالتحام الشكليّ للمادّيّ (الحجر) بالاجتماعيّ (الصراخ). إنّ الصراخ الحجريّ وَ/أو الحجر الصارخ لهو تشكيل /قراءة في التناقض الأساس: طبيعة /مجتمع، وهذا غير قابل للحلّ أبدًا، بل للجَسْر، العبور، المتكرّر تحويريًّا على أوّليّته لما هو إنسان. من هنا، ليس الحجر بصمت نيّئ، وليس الصراخ بكلام مطبوخ، حيث إنّه ليس من قبيل الصدفة اختيارُ الصراخ في هذا العمل، وذلك أنّ الصراخ أقرب ما في الإنسان لِما يُصَنَّف على أنّه الأوّليّ النيّئ، من حيث هو ردّة الفعل الأولى لكلّ محفّز داخليّ وخارجيّ، وبذلك فإنّ الصراخ الإنسانيّ يحمل حجريّة الحجر، من حيث هي منطق عمل الطبيعة.

بقي أن نشير إلى اللون الرماديّ، حيث إنّ هذا النوع من اللون الحجريّ غير مروّض ضمن أطياف ألوان الحجر البيتيّ في فلسطين، ومن هنا فإنّ اختياره أَسّسَ للعمل ككلّ، أي بدأ الفنّان من حالة برّيّة، ممّا وجَّهَ سعيه الإبداعيّ للخوض في الطبيعة /المجتمع كما بيّنّا آنفًا.

.

3

العمل الثاني “الألوَق” (2004) هو عبارة عن رأس منحوت من حجر يتألّف لونه من الأبيض والزهريّ، حيث يغلب الثاني على الأوّل، وهذه التركيبة اللونيّة شائعة إلى حدّ ما في فلسطين، ارتفاعه 43 سم، أمّا عرضه فيبلغ 25 سم، بينما العمق32 سم. هذا الرأس لا يجلس على رقبته، بل القاعدة هي الجزء السفليّ من الرأس ذاته. الأعضاء التي تؤلّف الوجه هي الذقن والفم والأنف والعينان والوجنتان، وهنالك أيضًا جبهة غير محدّدة المعالم لا تُمَيَّز عن أعلى الرأس، موقع الشعر الذي لم يميَّز كشعر. لا توجد أذنان. أمّا ضربة الإزميل، فهي من نوع واحد في الأساس: الضربة الخارجيّة الدقيقة باتّجاه الأسفل، ولكنّها تبدو أنعم في الشفاه والعينين.

إنّ نِسب الأبعاد بين الأعضاء ومواقعها، والتي تكوّن النسيج الوجهيّ، حافظت على المدى الإنسانيّ الممكن، مع إزاحات محدّدة بالأحجام انعكست بثلاثة مقاطع أفقيّة، بمنطق تركيب عموديّ، هي الفم، والأنف والوجنتان، والعينان. فبينما تموضعت العينان في مركز خطّها الأفقيّ، كما في الحالة الطبيعيّة، وجرى نحْت حجمها وَفقًا لما يبدو طبيعيًّا أيضًا، فإنّ المقطعين الآخرَين حافَظا على التسلسل العموديّ للأعضاء، أي الأنف والوجنتين ومن ثَمّ الفم، في حين جرت إزاحة وتكثيف أبعادهما الأخرى. فالأنف بالغ الكبر، حتّى إنّ بروزه ومركزيّته يوازِنان، بصريًّا، الانزياح والتكثيف الرئيسيّين في العمل (وهو الوجنة اليسرى). فهذه الوجنة ضُخِّمت حجمًا، كما جرى التحوير على الشكل الطبيعيّ لها بحيث تبدو كأنّها تضخّمٌ وَرَمِيٌّ، يبدأ من الخطّ الأفقيّ عند نهاية الحاجب ليمتدّ إلى الأسفل، حتّى يبلغ منطقة الذقن. إذا نظرنا إلى الوجنة اليسرى من مقطع جانبيّ، رأينا أنّها تتّخذ شكل تلّة، أي أنّها لا تمتدّ في بروزها إلى المنطقة الجانبيّة-الخلفيّة للرأس. أمّا الوجنة اليمنى، والتي تبدأ عند نهاية الأنف وأسفل منطقة العين، فقد جرى اختزالها حجمًا، بحيث تبدو كمقطع عموديّ ضامر، وكذلك جرى اختزالها شكلاً، حيث لا تبدو كوجنة وإنّما كمسطّح من غير نتوءات تُذكر. وهذه تمتدّ لتلفّ محيط الرأس الخلفيّ إلى أن تصل إلى بداية تلّة الوجنة اليسرى. ينضاف إلى هذا نتوءٌ في قمّة الرأس يبدو على أنّه نتف شعر. أمّا الفم فقد أزيح قليلاً إلى اليسار، وهو مركّب من شفتين، العليا تبدو أصغر من السفلى، حيث تدلّت هذه الأخيرة قليلاً إلى الأمام-السفليّ. هكذا فالفم يبدو على أنّه جزء من المقطع العموديّ الأيسر البارز والممتلئ، بينما يبدو المقطع العموديّ الأيمن ذا درجة من الضمور بالغة، إلى حد أنّه يكوّن زاوية عموديّة مع مقطع الفم الأفقيّ. بهذه الطريقة من تركيب أعضاء الوجه والرأس، يبدو الرأس ككلّ من الأمام على أنّه تحوير على أسطوانة، حوفِظَ على جانبها الأيمن، بينما جرى تدوير جانبها الأيسر.

                                                                                  الألوَق (2004) 25/32/43 cm

لا توجد في هذا العمل خطوط عدا واحدًا يحدّد ملامح العين اليمنى، وهو قصير وبارز كخطّ محفور، وآخر بنفس الصفات يحدّد العين اليسرى. إنّ الأعضاء المختلفة هي نتوءات امتداديّة لما هو مسطّح /كتلة الحجر /الرأس، بحيث يميّز المُتلقّي العضو من شكله وموقعه العلائقيّ داخل المسطّح /الحجم ككلّ. من هنا، ثمّة نوع من المِنِمالزِم في هذا العمل من حيث تفاصيل الأعضاء وعلاقات بعضها ببعض، هذا بحيث إنّ البؤرة البصريّة تتركّز في المقطع الأيسر، الذي يبدأ من الخطّ العموديّ في طرف الأنف الأيمن، ليشمل العين اليسرى والأنف والفم والوجنة اليسرى البارزة. بالرغم من كون الوجنة اليسرى دائريّة على نحو بارز، وهو ممّا يبدو على أنّه يوحي بأفقيّة ما، فإنّ هذه الدائريّة هي -في أساسها- عموديّة فعلاً، أي من حيث الإحداثيّات المكوّنة، بحيث إنّها أقرب إلى الشكل البيضويّ الواقف منها إلى الدائرة، ومجازًا، من حيث إنّ كلّ العمل مبنيّ على منطق أسطوانيّ طوليّ.

إنّ المنطق الأسطوانيّ، وتغليب الامتداد النتوئيّ على الخطوط، يسبغان على العمل نوعًا محدّدًا من الكتليّة البصريّة، تشبه العمل الأوّل أعلاه، حيث إنّ الكتلة، بقلّة تفاصيلها وفظاظة أعضائها، عملت على إبراز البؤرة البصريّة التي سعى إليها الفنّان، بحيث إنّ ما نراه نحن -بوصفنا متلقّين- هو المقطع الأيسر البيضويّ، مركز التحوير في هذا العمل، بينما تتراجع سائر الأجزاء التشكيليّة إلى الخلف. وعلى هذه يبني الفنّان المستوى الثاني من العلاقات الدالّة في هذا العمل، وهو لحظة /موقع التعبير الإنسانيّ المحدّد لذوي الوجنة المنتفخة[4]. وهنا يأتي سؤال الحركة في العمل بمستوياته الثلاثة[5]، ومن ثَمّ الانسيابيّة بين المستويات الحركيّة المختلفة.

تبدأ حركة هذا العمل من الخارج إلى الداخل، ومن ثَمّ في العلاقات الداخليّة بين الأعضاء، وكلّ عضو بما هو شكل، لتعاود الحركة باتّجاه الكلّ متدرّجة من العضو إلى العلاقات بين الأعضاء، إلى المقطعين، زاوية الأسطوانة القائمة مقابل المقطع البيضويّ، فالكلّ الخارجيّ، وهكذا دواليك. كأنّه بهذه الحركة يتتبّع المتلقّي خطاطة النحات، الذي يبدو أنّه عمل من الخارج إلى الداخل، ليعاود الخروج إلى المحيط ليشذّبه نهائيًّا. إنّ الحركة التعبيريّة الخارجيّة، شبه الحالمة شبه “الغبيّة”، تتأتّى من المقطع البيضويّ الذي يبدأ بالعينين وينتهي باحتوائه للفم، حيث إنّ تحديده بمركزيّة الأنف كفاصل حدّدت الحلم والغباء كحقول للمعاني، فالأنف الفجّ هو من النوع غير المؤذي بصريًّا، بل هو من أصحاب البلادة بالأساس، وهذا يتبيّن من شكل ربطه ككتلة بالفم، من الأسفل، ومن العينين، من الأعلى. وهذا الجانب يدعم بيضويّة الجانب الآخر للمقطع الأيسر، من حيث الكتلة ذاتها، ومن حيث التوازن البصريّ الحاصل للمتلقّي. العين اليمنى جاحظة، وهي أكبر من العين اليسرى والتي تبدو متواضعة أكثر بنظرتها. إنّ وقوف عمليّة النحت على الحدقتين فقط، ومن غير الدخول في تشكيل التفاصيل الأخرى للعين، أدّى إلى نوع من النعاس الحالم، أي ليست فيهما وقاحة الطبيعيّ الجاحظ. أمّا الأنف فهو يبدأ من نهاية الجبين، ليمتدّ إلى أعلى منطقة الشاربين العريضة نوعًا ما. وهذا الأنف هو عبارة عن شكل تكعيبيّ إلى حدّ ما، حيث لا توجد تفاصيل سوى أنّ الكتلة تزداد عرضًا كلّما نزلنا من أعلاه إلى أسفله، وذلك حتّى يبدأ مقطع الأرنبة الذي دُبِّبَ ولكن بشكل غير واضح المعالم. هذه التشكيلة من الأنف تتحرّك باتّجاه حقول الثخانة البليدة، كما ذكرت أعلاه. أمّا الفم، فهو يتشكّل من الشفتين ومقطع بسيط من أوّل الفراغ الداخليّ الذي تُكَوِّنانه من خلال ابتعادهما البسيط عن حالة الالتصاق. ممّا لا شكّ فيه أنّ الحركة البصريّة للفم هي مركزيّة للعمل ككلّ، وذلك بعدّة مستويات، بداية وبالرغم من أنّ الذقن يقع في البداية السفلى للعمل؛ وهو يبدو -إلى حدّ ما- واضحَ المعالم ولكن بشكل فظّ، فإنّ الفم هو العضو الوجهيّ الأوّل ذو الصياغة الشكليّة التعبيريّة الواضحة، وهو بهذا يُبئّر حُزَم البصر، من جانب، ويكوّن المقطع الأفقيّ الأوّل الذي تنشأ عليه المقاطع الأفقيّة الأخرى بمنطق عموديّ. وهنا، في التقاء الوضوح التعبيريّ لشكل الفم بموقعه كمحدّد للمسطّح البصريّ، من خلال إبرازه بتغبيش الذقن، فهو يصبح بذلك بداية الحركة من الأسفل. هذه البداية هي باتّجاه الأعلى، إذ تعاود لتحتوي العلاقات الداخليّة ومن ثَمّ الغلاف الحجريّ الأسطوانيّ لما هو وجه ذو وجنة منتفخة.

قد تنتفخ الوجنات، اجتماعيًّا، في حالتين تبدوان للوهلة الأولى على طرفي نقيض من التجربة الاجتماعيّة. الأولى هي الحالة التي يُكثر فيها صاحب الوجنة من الأكل الجيّد والدفء والراحة لفترات مديدة، حيث تتراكم طبقات من الدهن النوعيّ في أنحاء الجسد المختلفة، وتأخذ الوجنة حصّتها وقسطها من هذا وتلك. أمّا الحالة الثانية، فهي تلك التي تُضرب فيها الوجنات بشكل مبرّح ومتواصل، وذلك ابتغاءَ المعاقبة وفرض النظام أو الانتظام. هكذا تصبح الوجنة مَعْلَمًا دلاليًّا لحفر النظام الاجتماعيّ في الكتلة الجسديّة، عامّة، وفي ما هو الحيّز العامّ الذي لا يُغطّى من هذه الكتلة، أي الوجه، بخاصة. هذا العمل يحكي قصّة الحالة الثانية، تلك التجربة التي تؤدّي إلى التشويه الجسديّ الذي بدوره يحمل مقوِّمات الإقصاء الاجتماعيّ. لكن التمعّن في العمل وتفاصيله يشي بشيء إضافي، شيء من قبيل رنّة المقموع، نغمة قاع الإقصاء الجسديّ-الاجتماعيّ في حركته بين الرغبة والنبذ، وكأنّ في حركته الناعسة الحالمة ذرّة من السخرية تثير ذلك السؤال المُرعب حول لا إمكانيّة العيش الاجتماعيّ بحدٍّ أدنى من الكرامة، فكلُّ ذي نـيع مضروبٌ، إمّا بالأكل والراحة أو باللطم والقرص؛ وبهذا فإنّ خلخلة العلامة الثنائيّة، جماليًّا، بين الامتلاء والجوع في هذا العمل، قوّضت ما بدا على أنّه تجربتان، لتقول إنّه تحوير على ذات المأزق الإنسانيّ في اجتماعيّته.


                                                                                  الأعمى (1998) 32/23/32 cm

3

العمل الثالث “الأعمى” (1998) الذي نحن بصدده هو عبارة عن رأس من حجر لونه بيج، فيه الكثير من النقط التي تميل إلى البنّيّ الوسطيّ، وهذه إمّا بقايا معدنيّة داخل الحجر أو فراغات داخليّة، وهذا طيف لون شائع في حجر فلسطين، ارتفاعه 32 سم، أمّا عرضه فهو 23 سم، بينما العمق32 سم. يجلس الرأس على رقبة ولكن بذات المقطع الأفقيّ، حيث هي من الأمام الذقن وأسفل الوجه ومن الخلف الرقبة، أمّا الوجه فيحتوي على فم وأنف وعينين وجبهة، أمّا الأذنان فقد غُيِّبتا، وهنالك شعر في أعلى الرأس. لا نستطيع تمييز ضربة الإزميل عامّة، إذ إنّ مسطّح الرأس ككلّ أملس غير لمّاع، إلاّ أنّ التجويفات، أولية للفم وللعينين، والنتوءات، والشفة السفلى والفم والشعر، توحي بعمل إزميل دقيق.

إنّ النِّسب بين أبعاد أعضاء الوجه والرأس في هذا العمل تُرَكِّب وجهًا إنسانيًّا، ولكن هذا الوجه هو خارج المدى الطبيعيّ الممكن لما هو وجه. يبدأ الوجه مباشرة بالفم، وهذا الفم، وإن جرت موضعته في الموقع الطبيعيّ له،ّ حجمه بالغ الصغر بعلاقاته النسبيّة مع مسطّح الوجه والرأس وسائر الأعضاء، شفته السفلى مدلاّة إلى الأمام السفليّ، أي بشكل قوس، أمّا الشفة العليا فتكاد لا تلاحَظ بصريًّا، وكأنّ الفنّان ثناها إلى داخل تجويف الفم. بين الشفة العليا وبداية الأنف هنالك مساحة عريضة. يبدأ نتوء الأنف بشكل حادّ مشكّلاً زاوية قائمة حتّى أرنبة الأنف ليلتحم بزاوية قائمة، أيضًا، تُدَوَّر لتشكّل الجزء السفليّ من الأنف كنصف دائرة مدبَّبة، وهذا الخطّ الافتراضيّ يتفرّع في اتّجاهين، الأوّل يمتدّ ليشكّل الطرفَين السُّفلِيَّيْن الخارجيَّين للأنف، حيث يشكّلان نصف دائرة إلى الأعلى، وهما الخطّان الوحيدان اللذان يتحوّلان من الافتراض إلى الحفر في هذا العمل. يصعد الأنف باتّجاه الأعلى مدبَّبًا، ليأخذ هذا التدبّب بالانحسار، إلى حدّ تشكيل شبه زاوية، مع الصعود إلى أعلى حتّى يجتاز منطقة ما بين العينين والجبين، إلى أن يصل إلى مقدّم الرأس ويلتحم به بشكل شبه قائم. هذا الشكل من صناعة الأنف وخطّه العلويّ المفترض يقسم مسطّح الوجه إلى مساحتين أساسيّتين، يمنى ويسرى، تبدآن من هذا الخطّ الافتراضيّ لتمتدّا إلى الخلف الخارجيّ بزاويتين متساويتين في الجانبين، بدرجة تُداني الـ 45. هكذا يتشكّل المقطع الوجهيّ الأماميّ بهرميّةٍ ما ممتدّةٍ على طول المقطع الذي يبدأ من أسفل الأنف إلى مقدّم الرأس. أمّا العينان فهما عبارة عن تجويفين غير متماثلين، إذ يبدو الأيمن أعمق وأقرب إلى شكل العين الطبيعيّة، بينما التجويف الأيسر ليس بعميق، وملامحه غير واضحة الشكل، والتجويفان لا يقعان على الخطّ الأفقيّ ذاته، إذ العين اليسرى تبدو في موقعها، بينما اليمنى حُفِر تجويفها أسفل الخطّ الأفقيّ الذي تحدّد باليسرى. أمّا الجبين فقد اتّخذ شكلاً هندسيًّا، حيث جرى تحديد مقطعيه بخطّ مدبَّب لكنّه أقرب إلى الزاوية القائمة، وهو بهذا أقرب إلى الهرميّة كما أشرنا آنفًا. في ما يتعلّق بالشَّعر، لم يوضَّح منه إلاّ الغرّة، التي صُفِّفت بإتقان وأناقة انسيابيّة، حيث تبدأ من وسط مقدّمة الرأس بجزء علويّ مدبَّب لتمتدّ إلى الجهة اليمنى منه منخفضة بشكل تدرّجيّ إلى أن تلتحم بكتلة الرأس في الجهة الجانبيّة اليمنى منه. أمّا الجزء الخلفيّ للرأس فهو عبارة عن منطقة هرميّة توازي الشكل الهرميّ الأماميّ لكن باتّجاه معاكس.

تتركّب كتليّة الرأس من ثنائيّتين بصريّتين، العلويّ والسفليّ، من جهة، والأيمن والأيسر، من جهة أخرى، إلاّ أنّ كلتيهما تعملان وفق المنطق الأسطوانيّ الطوليّ. فالجزء السفليّ يبدأ من قاعدة التمثال حتّى الخطّ الأفقيّ الذي يتشكّل من أسفل نقطة من التدوير الأيمن، وهذا الجزء منحوت وفقًا للشكل الأسطوانيّ دون أن يجري التحوير عليه، بينما الجزء العلويّ من التمثال، الذي يبدأ بالخط الأفقيّ ذاته، هو عبارة عن أسطوانة جرى تدوير جانبها الطوليّ  الأيمن، هذا التدوير الذي يبدأ من أعلى الرأس، حيث هو عبارة عن امتداد خطّ الغرّة باتّجاه الأسفل بشكل منحنٍ، إلى أن يصل إلى منطقة أسفل الجفن وبداية الوجنة. إنّ الفم والغرّة يكوّنان نقطتي/عضوي توازن بصريّ لثنائيّة العلويّ والسفليّ، حيث إنّهما لا يجلسان على الخطّ العموديّ ذاته، الفم في وسط الخطّ الأفقيّ التحتيّ للعمل، بينما الغرّة تموضعت على يمين وسط الخطّ الأفقيّ العلويّ، وبذلك لا نشعر بحرج بصريّ بسبب الانحناءة الدائريّة في يمين العمل، والتي تخرج عن خطّ الأسطوانة العموديّ المستقيم، ذلك الخطّ الذي يحدّد الأسطوانة في هذا الجانب منها. ومن هنا أيضًا، أي من منطق التوازن البصريّ، جرت مَوْضَعة العين اليمنى تحت الخطّ الأفقيّ الذي حدّدته العين اليسرى. أمّا ثنائيّة الأيمن والأيسر، فالخطّ الفاصل بين مقطعيها هو الخطّ المدبَّب الذي ندركه بصريًّا من نصف الأنف فما فوق. الجانب الأيسر هو عبارة عن أسطوانة، لم يجرِ تغيير شكلها المنطقيّ، بينما الجزء الأيمن حافظ على منطقه الأسطوانيّ عدا الانحناء التدويريّ لنصف خطّه العلويّ الخارجيّ. بهذا يبدو الرأس ككلّ منتصبًا، مع ميل جزئه الأيمن إلى اليمين باتّجاه الأسفل بدرجة أقرب إلى الـ 45. من هذه التفصيلات تبدو كتليّة الرأس، بالإضافة إلى الملمس الناعم للمسطّح ككلّ، بحالة من الأناقة الانسيابيّة، حيث لا يمكننا إضافة أو إزاحة أيّ عضو أو علاقة من التمثال أو في داخله.

إن الحركة البصريّة الأساس لهذا العمل تتأتّى من ثلاثة محاور انشبكت في عمليّة النحت، هي أعضاء الوجه ومنظومة العلاقات فيما بينها، والتغليف الأملس الناعم لمسطّح العمل، وكتليّة الرأس. فبينما تنبني المنظومة العلائقيّة للعلاقات الداخليّة بين الأعضاء على التوازن البصريّ، يرتقي ملمس العمل بهذا التوازن من خلال بعث حركة رافدة لهذا التوازن من خلال نسيج وشائجيّ ملتحم لا يحتمل الخطّ النافر والفظّ؛ والمقصود أنّه في هذا النسيج ليس ثمّة مكان /زمان لضربة الإزميل الخام، أمّا كتليّة الرأس فتقوم من خلال أسطوانيّتها بتقعيد دائريّ لهذه الحركة بحيث تضفي عليها هدوءًا فراغيًّا ما، من جانب، والميل إلى الجهة اليمنى، من خلال الانحناءة الدائريّة، بالرغم من تكثيفه من خلال إبرازه حجمًا وكسره الواضح للخطّ العموديّ المحدّد للمنطق الأسطوانيّ، إلاّ أنّ الفنّان تمكّن -من خلال مَوْضَعة الغرّة والعين اليسرى، بالشكل الذي وضّحناه أعلاه- من أن يخفّف حدّة التكثيف ويضفي عليها الأناقة المبتغاة من خلال دائريّة الإزاحة التحويريّة على المنطق الأسطوانيّ للعمل ككلّ.

إن التناقض المضمونيّ الشكليّ، بين كون الأعمى النقيضَ التامّ لما هو وجه صحّيّ ومن ثَمّ أنيق، والعمل النحتيّ الذي شُكِّل بأناقة شبه كاملة، يحيل إلى إيقاعيّة هذا العمل المتولِّدة عبر العلاقة المتوتّرة بين التوازن البصريّ، مادّيًّا، وغياب البصر، عضويًّا. من ثَمّ، يبني على هذا المستوى، ويجاوره أيضًا، الحقل الاجتماعيّ الذي يحمل هو كذلك تناقضًا موازيًا، ذلك التناقض بين اكتمال الشكل في حال خلل الوظيفة، حيث إنّ المجتمع لا يقبل الخلل الوظيفيّ ويُقْصي حامله إلى أطراف تخومه، أي يفصله وظيفةً وشكلاً عمّا هو تحديد للسوِيّ المكتمل، وفي هذا العمل نرى أنّ الفنّان لحَمَ الخلل بنوع من الشكل الذي لا نستطيع إلاّ قبوله اجتماعيًّا، وهنا يتشكّل التناقض غير القابل للحلّ بمعايير المجتمع كما نعرفها. في المستوى الجماليّ، نرى أنّ هذه التناقضات عولجت شكلاً، أي أنّ التناقضات أعلاه تجمّعت في حركة الشكل التفصيليّة بين أعضاء الوجه، كما العامّة للرأس ككلّ، حيث التناقض المادّيّ العضويّ حُسِم عبر توازنات بصريّة بالغة الدقّة، أمّا الخلل الوظيفيّ فقد حُسِم عبر أناقة الأعضاء والمنظومة العلائقيّة العامّة المنبثقة عن الأملس الأنيق. في هذا الشكل من الإنشاء، إنّ الانحناء نصف الدائريّ للمقطع العلويّ الأيسر، والذي يتجاوز الحدّ العموديّ للأسطوانة، هو بمستواه الأوّل عبارة عن تمرين مادّيّ يحتّم توازنات بصريّة دقيقة؛ أمّا في المستوى الثاني، فهو يعوِّض الخلل البصريّ بالسمع، ومن ثَمّ فهو، دلاليًّا، في حال غياب البصيرة يستبدلها بالإصغاء الباحث عنها. فهذا الأعمى الأنيق يصغي متوجّسًا في بحثه عن مرشد بصريّ، من خلال إدراكه السمعيّ، ولكن في عمليّة إصغائه هذه يبدو وكأنّه يبحث في الإصغاء ذاته، أي إنّ العمى الأنيق، والذي -كما أسلفنا- يحلّ التناقض الاجتماعيّ اليوميّ، مكّن صاحبه من أن يطرح سؤال الإصغاء الذي يتجاوز العابرَ إلى ما هو إيقاع في الحركة العامّة للوجود، وهذه -على ما يبدو لي- هي عتبة البصيرة.

5

قد يبدو للبعض أنّه ليس ثمّة حاجة للخوض في مركزيّة الوجه في العمليّة الاجتماعيّة، بعامّة، وفي فعل الخلق والإبداع، بخاصّة، ولكن يبقى الوجه هو ذلك المسرح التي تنفَّذ عليه الفصول المركزيّة للدراما الاجتماعيّة، وبذلك فالوجه هو حلبة من الصراعات التي تُعَبِّر عن تلاطم أمواج البحر الجسديّ والنفسيّ والاجتماعيّ (وتساهم في صياغته)، ناهيك عن التعبيريّ، كمفاصل محدّدة من العمليّة الاجتماعيّة التاريخيّة والتي تعمل بالأساس من خلال الاتّصال، بقنواته المتعدّدة. إنّ الإشكال الأساسيّ في هذا النوع من الطرح هو إمكانيّة إقصاء الجسد إلى الكواليس الخلفيّة لهذا المسرح الوجهيّ، فالجسد لا يقلّ مسرحيّةً في تعبيره عن هذه العمليّات، وإن كانت هذه المسرحيّة تعمل وفق منظومة اجتماعيّة دلاليّة مختلفة[6].

بروح من السخرية، يدّعي فردينان برادمي، الشخصيّة الرئيسيّة في رواية لويس فردينان سيلين “رحلة إلى أقصى الليل”، أنّ السرّ وراء جمال نساء الطبقة العليا يكمن في كون هؤلاء الأغنياء تزاوجوا عبر العصور في ما بينهم، بحيث حصروا ملكيّتهم -جَمال المرأة- هذه في فئة اجتماعيّة محدّدة. معماريّة الوجه ليست طبيعة. إنّ التشكّل الهندسيّ للوجه لهو في صلب العمليّة الاجتماعيّة التاريخيّة، بحيث إذا بدت مقولة برادمي/سيلين من نسج المخيال الروائيّ، فهي -ولا ريب- إحدى الآليّات الأساسيّة لهذه الهندسة، أي أنّ بنينة سوق الزواج كفضاء تداوليّ يجري فيه تبادل القيم المادّيّة-الرمزيّة من خلال منظومة علاقات تتناظر مع هرميّة المجتمع العامّة، بهذا فنوعيّة محدّدة من النساء ستتزاوج مع نوعيّة محدّدة من الرجال؛ أمّا بخصوص الجمال، فهذه قضيّة من النوع الذي لا يمكن أن نحصره في ممارسة أو منظومة علاقات واحدة، فهي تتعدّى التحديد إلى تداخل وتنافذ عبر تناظريّ. من هنا فإنّ جمال وجوه نساء الأغنياء، إضافة إلى أجسادهنّ، قد يحيل، دلاليًّا، إلى جوع الفقراء المُتأتّي عبر تزامنيّة الشبع الافتراضيّ للأغنياء من قدرتهم على نكاح النساء الفقيرات. في هذا يُحمّل الوجه ما شاء وما رفض من الأثقال والأحمال التناقضيّة، وذلك على هيئة حلول مؤقّتة ومتوالدة ليُقوّل ما أبى إلاّ أن يطفو سطحًا في عمقه الاجتماعيّ وغوره في الزمن.

في عرض وجوه جواد إبراهيم الثلاثة، تبيّن لنا أنّها تجتمع في شكل أسطوانيّ طوليّ (أو بالأحرى تنطلق منه)، بحيث إنّ عموديّته هي منطق التشكيل الأساسيّ، فمجازًا يصبح المحور العموديّ هو المتن، بينما ينكتب المحور الأفقيّ كهامشه التفصيليّ. كما تبيّن أنّ هذه العموديّة هي آليّة حمل لتناقضات إنسانيّة عبر زمانيّة تتمحور حول التناقض الأساس: الطبيعة/المجتمع. ففي حال الوجه الصارخ، ثمّة عودة بصريّة إلى الطبيعة كرفض للنظام الاجتماعيّ، وتشويه الطبيعة من خلال الجوع الاجتماعيّ في حال الوجه ذي النيع. أمّا الأعمى الأنيق، فهو يقوّض العلاقة الاجتماعيّة الأساس التي تقيم حقل الإقصاء/الاحتواء الاجتماعيّ كحقل عضويّ جسديّ. في هذا يُطرح السؤال حول شكل الالتقاء بين منطق التشكيل المادّيّ، الأسطوانيّ الطوليّ، ومنطق التشكيل الاجتماعيّ، التناقض الأساس بين الطبيعة والمجتمع.

                                                                                      الأعمى (1998) 32/23/32 cm

للوهلة الأولى، يبدو أنّ اختيار الفنّان للمنطق الأسطوانيّ الطوليّ في عمليّة التشكيل، ومن ثَمّ تقعيد الوجوه على المجاز العموديّ لتنحفر قصّتها في التناقض الاجتماعيّ عمقًا فجمالاً، يبدو هذا الاختيار تقليديًّا إلى حدّ بعيد، حيث إنّ العموديّ/العمق والأفقيّ/السطح هي ثنائيّات الحداثة، بامتياز، التي فكّكها وعالجها، تقنيًّا ومعرفيًّا وجماليًّا، العديدُ من الفنّانين في شتّى مجالات الفنّ التشكيليّ، تفكيكًا ومعالجةً قالا، ولا زالا، بانتهاء العهد الحداثيّ، على ما حمل من أشكال جماليّة تردّ بالأساس إلى مفهومَي العمق والثبات، وانبثاق عهد جديد، يحمل الشكل السطحيّ العابر كشكل جماليّ مُؤسِّس للمشروع الما بعد حداثيّ. إنّ النقد الأساس للعمق والثبات الحداثيَّين، من حيث كونهما يحتّمان استخدام موادّ محدّدة وأشكالهما التعبيريّة ومنطق التشكيل المنبني عليهما، ومن ثَمّ الجماليّة المتولّدة عَبْرها، كان يحدّد كلّ هذه كمنظومة سائدة تمارس الحفر من خلال الإقصاء/الاحتواء للممكن الجماليّ في التشكيل الاقتصاديّ الاجتماعيّ الراهن. في هذا لم يعد الإنتاج الفنّيّ خارجيًّا، بل حمل النظام ذوقًا وذائقة حسّيّة عبر الاتّصال غير المنطوق وغير الممكن تلفُّظه. إنّ الحساسيّة الجديدة، إن جاز التعبير الخراطيّ،[7] لما بعد الحداثة، التي قالت بهذا النقد، لم تدرك أنّها هي بذاتها شقٌّ من تحوّلات في الاقتصاد الاجتماعيّ، بالأساس في تقنيّات الاتّصال بذاتها، ومن ثَمّ لِذاتها، بتسلّطها على مسرح الفعل الاجتماعيّ. يقف عدم الإدراك هذا سدًّا منيعًا في وجه الشكل الجماليّ الممكن، بحيث انحصر هذا في مقولات عكسيّة تشبه -إلى حدّ بعيد- سلوك الرفض الذي يميّز المراهق في علاقاته مع السلطة، ذلك الذي يقف كلّما طُلب إليه الجلوس، فالسطح هو رفض للعمق، ولكنّه لم يرتقِ بَعْدُ إلى حالة من القطع النقديّ الجماليّ معه. إنّه يُراهق كنتيجة لشرطه الاقتصاديّ الاجتماعيّ. من هنا، ليس من قبيل المصادفة أنْ تَمَأْسَسَ هذا المشروع الجديد بسرعة لافتة للنظر، خلال أقلّ من عَقدين، وأصبح نظامًا له منظوماته الدلاليّة والجماليّة التي تقف كحرّاس الجنّة والنار على أبواب لغته وبلاغته وذوقه وسوقه، كاويةً مَن لا يستقيم معها.

إذا حاولنا أن نتجاوز الانطباع الأوّليّ، الناتج عن انغماسنا في الذائقة الفنّيّة السائدة الما بعد حداثيّة، رأينا أنّ مقولة جواد إبراهيم الجماليّة، في أعماله هذه على الأقلّ، هي عبارة عن نسيج يجمع تحويرات على شكلَيِ الجمال الأساسيّين من العهدين، العمق والسطح، باحثًا في أفق ثالث يردّ إلى تساؤل حول البصيرة الإنسانيّة في شكلها الاجتماعيّ وجذرها، أو شرطها، في الطبيعة. فمن الجانب الحداثويّ ونظام العمق الذي يقف بأساسه، لدينا الحجر الخام والإزميل والعمل الإنسانيّ، كمادّة وكأداة وشكل من الطاقة، التي تنشبك في عمليّة هندسيّة منبنية على خطاطة أسطوانيّة طوليّة، وهي مجاز تشكيل عموديّ يحفر في العمق، وهذه تُؤسِّس لنوع من التوازن المادّيّ البصريّ الذي يعتمد مقاييس نسب العلاقات الداخليّة للوجه الإنسانيّ الطبيعيّ كنقطة مرجعيّة. هذه العلاقة التي تعتمد التوازن من خلال المرجعيّة الطبيعيّة للتشكّل تفرز وجهًا ذكوريًّا ذا تعابير اجتماعيّة بحتة، أي الصراخ والنيع المنتفخ والأعمى، وأخيرًا طريقة العرض وعلاقة التمثال بالبيئة عامّة. أمّا من الجانب الآخر الما بعد حداثيّ، فلدينا: غياب الخطّ كعامل تشكيليّ وقيام الضربة الإزميليّة الواحدة كوحدة تشكيل؛ التحوير على المجاز الهرميّ بأسطوانيّة الأسطوانة؛ إبراز تجسيد مادّيّ شكليّ للمنطق الأسطوانيّ الطوليّ (في الصراخ من الخلف، في النيع والأعمى بالعمل ككلّ)؛ إلغاء الجزء القاعديّ من “البَسْط” بحيث يصلح الرأس لكلّ الأجساد؛ التحوير المحدّد على تشكيل أعضاء الوجه دون تفاصيلها الداخليّة؛ وأخيرًا مركزيّة الوجه/السطح في الحدث النحتيّ مقابل ثانويّة الكتلة الرأسيّة ككلّ. هذه الأبعاد المختلفة للأعمال التحمت بشكل متّسق ومنساب ولم تخلق حالات هجينة، بعكس المتوقّع، بل حافظت على درجة عالية من التوتّر الجماليّ الكامن غير الفظّ، ذلك الذي لا يميّز بين شكل ومضمون، بل يخترق حدود المجاليّة إلى كلّيّة العمل المتّسق، وهذا عادة ما يميز أعمال أسلوب أو فترة أو فنّان محدّد في مرحلة اكتمالها. بذلك لا بدّ لنا أن نستخلص منطق الالتحام التشكيليّ الذي احتوى هذه الأبعاد وصاغها في تفاصيلها، كما في كلّيّتها، كوحدة تعبير جماليّة، تبدأ من المادّة لتفتح حد شوف البصيرة، بما هي عتبة الخلق إلى منصّة الخالق.

من هنا، من الممكن أن نرى بهذه الأعمال تحويرًا في نمط التشكيل الفنّيّ الذي يعتمد العودة إلى النظام الجماليّ القديم، وتوظيفه كمقولة جماليّة في نقد ما هو جديد، وهذا النمط بحدّ ذاته، إذا نظرنا إلى تمفْصُلاته في تاريخ الفنّ، يميّز المراحل الانتقاليّة حيث يُستخدَم رافعةَ بحث تجاوزيّة للشرط الاقتصاديّ الاجتماعيّ في حقله الجماليّ شبه المستقلّ باقتصاده السياسيّ للذوق كقيمة استعماليّة، أحيانًا، وتبادليّة، في أحيان أخرى. هذا فيما هو ميّزات عامّة، بحيث يبقى التحدّي الإبداعيّ في التجسيد الطربيّ لها، في النغمة التي ترجُّ، متذبذبةً، عينَ المتلقّي ليسيل لعابه دون أن يعي ذلك السيلان المتعدّد الغدد والقنوات والمَخارج. إنّ توليد الصرخة الحجريّة المُطلقة، ورنّة المقموع الساخرة، والأعمى الأنيق، هي تحويرات على أسلوب محدّد في اكتماله كأداة بحث جماليّة، تتطلّب -لفهم اكتمالها- مراجعةً تاريخيّة لأعمال سابقة للفنّان، وهذا موضوع لمقال آخر، وسنكتفي هنا بالإشارة إلى إنّنا نسعى لاستخلاصها كشكل حركيّ ذي نغمة ورونق، في إيروسيّته كما في عنفه، والأهمّ: في اتّحادهما جَمالاً. فهذا الأسلوب يعتمد التعبير العموديّ كمسطّح للحدث الجماليّ، أو -إن شئت- يقول في العمق الاجتماعيّ سطحًا في الطبيعة، يُحرِّك المتلقّي بينهما، تارة بغِلَِظ الكثافة الوجهيّة، وأخرى بنعومة الكثافة الكامنة، كمن يمشي على حبل دقيق شُدَّ على مسرح إحداثيّات حياة القاع، فهو يرقص بالحجر، خفّة القمع التي لا تحتمل، حدّ النشوة.

6

هوامش متنيّة.

بالطبع، فالفلسطينيّ لا يصرخ، لكن التجربة هي بأساسها صراخ من النوع الطويل المتواصل عموديًّا، والمتقطّع أفقيًّا.

عفوًا على غفو اجتاحنا، وباءً، نسينا به خدودًا مدلاّة بعمق أخاديد منحدرات أريحا.

وعذرًا، فأنا من شدّة البصيرة أعمى، وسخ، سليط، فظّ، ألحس بقايا إيروسية تجمّعت في مواقع نشوة الأمس.

لا لوم، لا لوم، فأنا دايدالوس المتلصّص على العري الملكيّ في عرينه، أو ما شابه من بيوت الدعارة.

.

7

تذييل/إيبيلوج.

رام الله مدينة قبيحة، وأجمل ما فيها من قبح أسودها، كما القدس بقبّتها، أو هكذا بدت لي بعد المعاينة الليليّة، فأخذت رؤوس جواد، في الليلة التالية، بترت من الأسود قممها، وأجلستُ الثلاثة مُحْكِمًا ربطها، وهربت لا ألوي على شيء، فأنا أخاف العسكر. مرّ وقت طويل قبل أن ينتبه أحد إلى ما جرى، إلى أن سجَّل مخبر مجهول في تقريره: “يا سيّدي الضابط، هنالك أسود جديدة في المنارة”.

الألوَق (2004) 25/32/43 cm

الأعمى (1998) 32/23/32 cm


[1] دايدالوس هو النحّات الأسطوريّ الأوّل- بحسب التراث الإغريقي، كما سجله هوميروس في الإلياذة-. ولقد نحت بقرة خشبيّة لكي تقوم باسِفاي، زوجة الملك ماينوس، بمضاجعة ثور داخلها. انظر:

Frazier, N., 2001. The Penguin Concise Dictionary of Art History.London: Penguin.

[2] هذا التشبيه يعتمد على الدارج في الريف الفلسطينيّ عندما يُشبَّه شخص ما بأنّه “قَرْطَة”. والقرطة هي جزء غليظ وصلب ودائريّ من جذع شجرة، وفي المعتاد يكون أميل إلى القصر منه إلى الطول.

[3] النيئ/المطبوخ هي ثنائية ليفي-شتراوس حول التحويرات الممكنة على العلاقة ما بين الطبيعة والثقافة، للتوسع أنظر:

Levi-Strauss, C., 1992[1964]. The Raw and the Cooked: An introduction to a science of mythology. London: Penguin.

[4] إنّ المصطلح المستخدم في اللهجة الفلسطينيّة الريفيّة للوجنة هو “النِيْع”. واللقب “أبو نيع” شائع في القرى والبلدات الفلسطينيّة المختلفة، وهو يُطلق –في المعتاد- على كلّ من له وجنة منتفخة و/أو من حصلت له حادثة بخصوص وجنته، وجرت عمليّة تصنيعها كجزء من ذاكرة المجتمع المحلّيّ.

[5] انظر أعلاه ص 5.

[6] هنالك العديد من الدراسات حول هذا الموضوع. على سبيل المثال لا الحصر، انظر:

Bakhtin, M. M., 1984. Rabelais and his World.Bloomington:IndianaUniversity Press.

Butler, J., 1993. Bodies that Matter: On the discursive limits of “sex”.London: Routledge.

Douglas, M., 1978. Purity and Danger.London: Routledge & Kegan Paul.

[7] نسبة إلى مقولة إدوار الخراط النقدية، أنظر كتابه:

الخرّاط إدوار (). الحساسية الجديدة.

 

 

'ضوضاء الريح' ليوسف حمدان: رواية سيرية عن الطفولة الفلسطينية الشقية...

 

reeh

حياة كل فلسطيني يمكن أن تروى، تحديدا منذ نكبة 1948، التي من نتائجها تمزق أسر فلسطينية، وفقدان أعزاء ..ووطن، ولجوء إلى العراء في فلسطين نفسها، وخارجها في البلدان العربية المجاورة، وأحيانا الرحيل إلى بلاد بعيدة لم يخطر ببال من رحلوا إليها أنهم بالغوها يوما.
إذا كانت حياة الفلسطيني العادي البسيط يمكن أن تروى، فما بالك وهذا الفلسطيني شاعر، وكاتب حكايات للأطفال والفتيان، وأرشفجي يحكي عنه زملاؤه الأدباء في الأردن بأنه يملك أرشيفا يكاد يتفوّق على ما تملكه وزارة الثقافة الأردنية نفسها، يحفظ سير الأدباء الأردنيين ونتاجهم الأدبي.. ومن شتى الأصول والمنابت.
يوسف حمدان، المولود في قرية (إذنبه) قضاء الرملة في العام 1944، الذي فتح عينيه على (إبراهام) اليهودي الذي يحاول إغراء جد يوسف بما يريده من مال ليبيعه أرضه.. تفتح وعيه على النكبة، والفقدان، والجوع، والمهانة، من دون أن يعرف أسباب هذه المصائب.
يوسف يروي من ذاكرته الطفلية، ويفتتح روايته السيرية: صرخت منبها جدي: ها هو قد عاد ومعه آخرون! تظاهر جدي بعدم سماعي وهو يحاول تحرير رقبتي الثورين من (النير) معلنا انتهاء يوم حراثة آخر.
في هذا المقطع نبدأ مع الحكاية التي يسردها (يوسف) الراوي.. منذ الطفولة.. ويكبر فتكبر معه المأساة، ويكبر معها.. ويتمكن (إبراهام) من امتلاك الأرض بقوّة السلاح، وتبدأ معاناة الجد وأسرته وأحفاده.
بهذا المقطع تفتتح رواية (ضوضاء الريح) التي هي رواية (أبناء خديجة) المرأة الفلسطينية الفلاّحة التي احتضنت أطفالها وحمتهم من غائلة الجوع عندما أُسر والدهم، ثم صانت حياتهم وهم يكبرون في أيام التشرد والتنقل القسري من قرية (إذنبة) إلى قرى مجاورة لم تكن الحرب قد دهمتها بعد.. وصولاً إلى مخيم النويعمة.. وحتى رحيلها الفاجع عندما انهارت فوق رأسها حفرة وهي تستخرج منها ما تطلي به غرفتهم المبنية من الطين.. بالشيد الأبيض المستخرج من بطون تلال تقع شرق مخيم النويعمة أحد المخيمات الأربعة التي انتشرت حول مدينة أريحا.
أبناء خديجة فقدوا والدهم مبكرا، بعد خروجه من أسر الصهاينة بقليل، ولم يهنأوا بالعيش في أحضان الأب والأم، وهكذا فهم لم يعانوا كباقي الأسر من التشرد والغربة عن البيت والقرية والحقل حسب.. بل أيضا من افتقاد الحماية لطفولتهم.. بسبب رحيل الأب والأم معا الواحد بعد الآخر، وهم لما يبلغوا العمر الذي يمكنهم من الاعتماد على أنفسهم.
أبناء خديجة طحنتهم الغربة واليتم معا، ولكنهم صمدوا بعد أن دفعوا الثمن غاليا من طفولة شقية، وفتوة قضوها في مكابدة افتقاد حتى لقمة الخبز.. والعطف، ولعل هذا ما صقل أرواحهم في التجربة التي وإن شاركوا كثيرين فيها من أبناء جيلهم، فإنهم عانوا فيها ما فاق معاناة الآخرين.
التنقل في القرى بعد استيلاء الصهاينة على (إذنبة) كان عابرا، ولكن الإقامة في مخيم النويعمة كانت البداية المؤثرة، ففي المخيم بدأت الدراسة، وبدا تفتح الوعي، وبدأت مرحلة إدراك ووعي ما حدث.
يسرد يوسف (الحكاية) بتلقائية، وحميمية، وبساطة.. لأن غايته أن يوصل للقارئ معاناته الشخصية هو وأسرته متداخلة بمعاناة أهله: جده وخاله وجدته وأقاربه، وأهل مخيمه.. وشعبه كله، فالتجربة بتفاصيلها تخّص كل فرد وأسرة، وبعمومها تشمل شعبا نكب وتعرّض لظروف شملته كله، وإن اشتدت قسوتها أكثر على بعض الأفراد والأسر.
هناك ما هو شخصي في رواية يوسف.. يجمعني وإيّاه، وهذا ما قرّب هذا النص الأدبي الأليف من نفسي، وأهاج ذكريات حميمة وحزينة.. وأحيانا جميلة.. وحتى فكهة، لأننا رغم كل شيء كنّا نضحك أحيانا في ذروة مآسينا المقيمة معنا.
أنا ويوسف عشنا في نفس المخيم (النويعمة) وعلمنا نفس الأساتذة، ومنهم وأبرزهم، واكثرهم تأثيرا في حياتنا، الأستاذ عدلي عرفات أستاذ اللغة العربية.
الأستاذ عدلي عرفات جذبنا للقراءة، وعندما كبرنا شجعنا على الكتابة.. وتبنى من وجد لديهم موهبة، فعمل على تنميتها، ورعايتها.. فكان أبرز تلامذته الصديق يوســــف حمدان، الذي بات صديقا للأستاذ عدلي.
حكاية الأستاذ عدلي ـ رحمه الله ـ مشرّفة وفاجعة، فهو، وهذا ما عرفناه عندما كبرنا، كان مصابا بمرض السكري منذ طفولته المبكرة، ولذا كان لونه أصفر شاحبا.. ومع ذلك فقد تفانى في نشر الوعي بين طلابه، وأحضر لهم الكتب من القدس، وبنى لهم مكتبة.. وشجعهم على القراءة، والنقاش، والتفكير.. والخطابة والجدل.
حكاية الأستاذ عدلي تبرز في رواية يوسف، الذي دأب على مراسلة أستاذه الذي غادر إلى دمشق لدراسة الطب في جامعتها.. ومات قبل أن يتخرّج من كلية الطب في العام 1963. (العجيب أنني كنت آنذاك أعيش في دمشق.. ولم أعرف أن الاستاذ عدلي يدرس في جامعتها).
يوسف الوفي لا يحكي عن نفسه، وإن كانت تجربته الحياتية حاضرة، فهو يستعيد شخصيات من المخيم، من زملائه وجيرانه وأساتذته وموظفي وكالة الغوث الذين يحضر منهم مدير المخيم الطيب الذي ساعد أسرة يوسف على شراء غرفة لهم تؤويهم وتصون كرامتهم.
ولأنني عشت مع يوسف في (النويعمة) فإنني وأنا اقرأ استعدت بمحبة بعض الشخصيات، وفي مقدمتهم تلك المرأة التي كنّا نناديها (الخالة شمسة) .. التي كانت تهتم بيوسف وأبناء صاحبتها المرحومة خديجة، وتقدم لهم ما تيسّر من الطعام.
كبر يوسف، وتعلّم ميكانيكا الآلات الثقيلة في معهد وداي السير المهني، وسافر من بعد إلى الكويت، وهناك عاش تجربة غنية ينقلها بحميمية، ويقدم شخصيات طريفة منهم زميله السعودي الأصل (عجران) الكاره للعمل في الشركة والأجانب.
يبدأ نص يوسف بالمواجهة مع (إبراهام).. وينتهي بمواجهة إبراهام من جديد.. ولكنها مواجهة عاجزة، غير متكافئة، لا تعيد الأرض التي استولى عليها إبراهام بقوّة السلاح.
اقترح يوسف على جده العودة بتصريح إلى (إذنبه).. فوافق الجد بعد تردد، وإذ تصل بهما السيارة إلى القرية.. ويحدد الجد أرضه، يبرز إبراهام.. ويواجه الجد يوسف ساخرا: هل جئت لتقبض ثمن أرضك يا خبيبي؟!.. راخت أيام زمان يا خبيبي..اليوم إنت مش خبيبي يا خبيبي.
وانطلقت بنا السيارة..ولم نلتفت إليه. (ص112)
يا لها من عودة.. تليق بها سخرية إبراهام!. هذا ما يقوله يوسف، فالعودة إلى الأرض لا تكون بمجرّد إلقاء نظرة عليها.. والتفجع والبكاء.. العودة إلى الأرض. وعودة الأرض.. لا تكون بتصريح من العدو المحتّل!
يوسف حمدان الذي تتلمذ على يدي الأستاذ عدلي عرفات، وجعل من الشعر همّ حياته ومعناها، جعل من (المهنة) وسيلة للرزق.. فقد آمن مبكرا بأن مهنة في اليد أمان من الفقر، وهو مع انهماكه بالعمل، ورحيله الدائم من بلد عربي إلى آخر، واظب على كتابة الشعر، وحكايات الأطفال، وأرشفة حياة المبدعين بروح اعتادت أن تعطي بمحبة وغيرية.
ضوضاء الريح .. الرواية السيرية، أخذت عنوانها من قصيدة كتبها يوسف وأهداها لأستاذه عدلي معاتبا إيّاه على استقالته من التعليم ومغادرته إلى دمشق لدراسة الطب من دون إعلام طلابه ..خاصة يوسف.
ربما يتنهد القارئ وهو يطوي آخر صفحات هذا (النص) وهو يقول لنفسه: يا إلهي ..كم تعذب جيل النكبة هذا.. وكم أنهم أبطال هؤلاء الذين رغم الجوع والفقر واليتم تعلموا، وبنوا أسرا..وتغلبوا على ظروف حياتهم الشقية، وها هم يكتبون سيرة شعبهم، ويلهمون الأجيال التي ولدت بعدهم!

 

دوائر النقد وحدوده في مشروع محمد عابد الجابري

 

jabry

ان الشعوب لا تستعيد في وعيها ولا يمكن أن تستعيد الا تراثها أو ما يتصل به، أما الجانب الانساني العام في التراث البشري كله فهي تعيشه داخل تراثها لا خارجه."

فرضية العمل:


اذا كانت العقلنة تفيد الجهد النظري والتجربة الثقافية التي ينخرط فيها شعب بأسره في حقبة معينة وتتميز بتنصيب العقل محكمة للطبيعة والتاريخ والمجتمع واعتباره أداة المعرفة وقضيتها الأساسية وقانون الوجود ومحرك التاريخ ومعبر عن الزمانية ومنظم للعلاقات بين الأفراد ولمستويات الحياة وتعني حسب يرغن هابرماس "تهيؤ الذوات الفردية القادرة على التكلم والعمل للحصول على معرفة قابلة للخطأ... والقدرة التي يمتلكها الأشخاص المنخرطون في المسؤولية والمشاركون في عملية تفاعل اجتماعي على أن يسلكوا ويتوجهوا بدلالة مطالب الصواب والصدقية التي تركز على اعتراف متبادل بين الذوات"  وتقاس بمعايير الحقيقة والنجاح و بالطريقة التي تتوجه بها الذات نحو العالم الخارجي فإن مشروع نقد العقل العربي عند محمد عابد الجابري بدوائره الابستيمولوجية والسياسية والأخلاقية واللاهوتية وما لحقها من مناقشات وردود وتعقيب واذا أضفنا اليه مشروع نقد العقل الاسلامي الذي قام به محمد أركون والاسلاميات التطبيقية وقراءته العلمية للتاريخ الاسلامي وتفكيكه الأسيجة المغلقة وتجربة التفكير من زاوية تأويلية للنص الديني التي انخرط فيها ناصر حامد أبي زيد تندرج كلها ضمن مسارات العقلنة التي انخرطت فيها الثقافة العربية منذ البواكير الأولى لتشكيل الملة وأثمرت حيازة العقل في الاسلام على مقام مرموق.
بيد أن محمد عابد الجابري يختلف عن هؤلاء من جهة كون المنزلة التي يحتلها في عصره يمكن أن تكون قريبة بشكل أو بآخر من منزلة ابن رشد (وبدرجة أقل ابن حزم) من عصره وربما أسباب الشهرة والانتشار بالنسبة للرجلين متماثلة وهي محاولة الجمع بين المرجعيتين التراثية والعلمية، فإذا كانت الفلسفة الرشدية قد عرفت بعقلنة الواقع الحضاري العربي الديني بالعودة الى الفلسفة اليونانية فإن الجابري قد راهن على الفلسفة الغربية حتى يتمكن من التفسير الابستيمولوجي الموضوعي لعلاقة العرب بتراثهم وبعصرهم ويضع مشروعا عقلانيا ديمقراطيا نقديا للمستقبل. كما أن المشروع النقدي لديه لامس العديد من الدوائر والحقول منها المعرفي والايديولوجي والسياسي والأخلاقي الى أن اقترب من بنية العقل نفسه وفحوى النص وفضح عورات الانسان وكشف مكبوتات التاريخ وانجراحات الذاكرة والمخيال.
لكن ما نفترضه أن المشروع النقدى عند الجابري لم يطل جل المجالات ويتضمن مناطق صمت ويسلم بعدة بديهيات وفرضيات قبلية في حاجة الى نقد ورُسِمت له حدود أُكرِه على عدم تخطيها واحترامها.
علاوة على أن التلقي الساخن الذي قوبلت به كتابات الجابري في مشارق الدنيا ومغاربها يدعونا الى الاستفسار: الى ماذا يمكن ارجاع هذا الجدل؟ وكيف يمكن تفسيره؟ ماهو المنهج الذي استخدمه في قراءة التراث؟ والى أي مدى نجح في تطبيقه واستثماره للوصول الى نتائج علمية باهرة؟ وكيف تراوحت فكرة العقل العربي عنده بين القبول والرفض؟ وماهي الدوائر التي شملها النقد العقلاني والتشخيص الأركيولوجي؟ وألا يحتاج هذا النقد الذي مارسه الجابري هو بدوره الى نقد ومراجعة وتقصي والبحث في شروط امكانها ومجالات صلوحته؟ وهل كان الجابري مفكرا أم فيلسوفا؟ وهل وهو رجل سياسة ومثقف عضوي أم منظر في الشأن التربوي ومصلح أخلاقي؟ ولماذا تحدث عن الضرورات العملية ؟ وما مدى مشروعية الحلول الاستراتيجية التي اقترحها بالنسبة الى الثقافة العربية؟ وهل أكمل الجابري مشروعه ونجح في ترجمته جامعيا ومدنيا أم ظل منقوصا ومبتورا من عدة جوانب؟ والى أي حد وفق في قراءته للقرآن من زاوية أسباب النزول؟ وهل يمكن اعتباره واحد من المفسرين أم المجددين للقراءات التراثية؟
ان مدار النظر ومحك العمل في محاورة الجابري ليس التفكير معه وتبني دعاويه وانما التفكير ضده والوقوف على مواطن القصور وحدود النقد ودوائر اللامعقول في صرحه النظري ومقارباته المنهجية.
جدل حول المنهج والتطبيق:
" عناصر الرؤية تستعيد خطوات المنهج، لا بل خطوات المنهج تستوحي عناصر الرؤية"
ان هاجس عابد الجابري الأول هو قراءة التراث وفق رؤية جديدة ويبرر ذلك بأنه لا يمكن أن نطمع في نشر الحداثة والقيام بالتحديث الا بعد حصولنا على معرفة دقيقة وعامة بالتراث واتخاذ مسافة نقدية من سلطته وتأثيره وان المنهج الذي يتبعه يراوح بين التحليل والنقد وبين الحدس الاستشرافي والمقاربة الابستيمولوجية وبين الذهاب الى الموضوع من الذات والذهاب من الموضوع الى الذات ويرى في المنهج الموضوعي متكونا من ثلاثة عناصر هي المعالجة البنوية والتحليل التاريخي واالطرح الايديولوجي.
لقد تشبع الجابري بالمناهج المعاصرة وزار مختلف الأروقة الفكرية والعمارات الفلسفية لزمننا وحاول استخدامها في قراءته للتراث وفي تحليله لأنظمة المعرفة ونقده لسلطة القيم في الثقافة العربية الاسلامية.
"لقد قرأت كانط وقرأت باشلار وقرأت فوكو وقرأت غيرهم من الفلاسفة والكتاب الأوروبيين، كما قرأت ديكارت واسبينوزا وليبنتز ولوك وهيوم وقرأت أفلاطون وأرسطو، وقرأت أيضا وبدرجة أكبر ابن خلدون والغزالي وابن رشد والفارابي وابن سينا والجويني والباقلاني والرازي والطوسي...لا أشعر أني أنتمي الى واحد منهم بالتخصيص، بل أشعر أنني تلميذ لهم جميعا، قد تعلمت منهم جميعا."
فهل هذا يعني ان الجابري يعد من أنصار المناهج المتداخلة والمتضافرة في دراسة الموضوع الواحد أم أنه يبحث عن المنهج النقدي الفلسفي الملائم؟ وما معنى نقد علمي للعقل العربي وقراءة حداثية للتراث تضفي الفهم والمعقولية على المقروء وتجعله معاصرا لنا؟ وهل تفادى بالفعل الوقوع في اللاتاريخية والسلفية؟ والى أي مدى كان منهجه موضوعيا ؟ وما الفرق بين المنهج والرؤية؟ ولماذا يحتاج كل منهج الى رؤية وتحتاج كل رؤية الى منهج؟ هل يتعلق الأمر بمعالجة اجرائية وظيفية أم موضوعية استكشافية؟
لقد أحسن الجابري صنعا حينما ميز بين المنهج والرؤية وقال بتكاملهما وجعل القراءة تتعدد الى قراءات وتقترب من درجة التأويل وترعى وحدة الفكر واستمراره بالرغم تاريخيته وتفصل بين القارئ والمقروء بالرغم من حرصها على تتبع مسار تقدم الوعي وهو يبحث عن الحقيقة والتفتيش عن الامكان التاريخي للتحقق، ولما طرح أهم الأسئلة التي يمكن صياغتها حول الراهن العربي في علاقته بالآخر وذلك حينما تساءل: كيف نتعامل مع تراثنا؟ وكيف نعيش عصرنا؟ وكيف نحقق ثورتنا؟ كيف نعطي للمقروء معنى في علاقة بمحيطه الاجتماعي والسياسي والفكري وبالنسبة الى القراء المعاصرين؟
ان استعادة المجد الحضاري العربي لا يتم الا عبر احياء التراث ولكن بالتخلي عن الفهم التراثي للتراث والتحول من كائنات تراثية الى كائنات لها تراث وذلك بإعادة بنائه بطرق علمية وبعث الفلسفة الاسلامية من رقادها بالعودة الى الرشدية والاعتزال والاتجاه العلمي الطبيعي والمدونة التنويرية والتمييز بين المحتوى المعرفي والمضمون الايديولوجي فيها والتخلي عن قياس الغائب على الشاهد وثنائية الحكمة والشريعة واحداث قطيعة ابستيمولوجية وتبني رؤية تثويرية تكتسب المقوم الذاتي للتقدم الاجتماعي.
" ان الفلسفة العربية الاسلامية في المشرق كانت لاهوتية الايبيستيمي والاتجاه، بسبب استغراقها في اشكالية التوفيق بين الدين والفلسفة، وان الفلسفة العربية في المغرب والأندلس كانت، ومع ابن باجة خاصة، علمية الايبيستيمي علمانية الاتجاه بفعل تحررها من تلك الاشكالية..."
هل هذا التباين هو اعتراف بالخصوصية بالنسبة لكل من المشرق والمغرب أم حكم مسبق استشراقي يعتبر الشرق خيالي عاطفي ديني والغرب عقلاني طبيعي مادي؟ وما العمل أمام فكر معاصر ما فوق بنيوي وما بعد ايديولوجي وانفرط الحبل الذي يربطه بالتاريخ بالمعنى الوضعي؟ واليس كل قراءة تزامنية تحاول أن تعود الى الزمن الذي كتبت فيه النصوص هي قراءة اسقاطية تقع في هوة المغالطة التاريخية؟ وما السبيل الى تحرير الذات من هيمنة المعنى التراثي وسلطة نظام الخطاب ؟ وما معنى منهج لا تبرز فعاليته الا عندما يطاوع موضوعه ويتكيف مع المعطيات التي يعالجها؟ وكيف يكون النقد الابستيمولوجي هو مراقبة الفكر لنفسه وهو يشتغل بنوع من الموضوعية والتحري والدقة والصرامة؟
يعترف الجابري بأن" الاشكالية منظومة من العلاقات التي تنسجها داخل فكر معين مشاكل عديدة مترابطة لا تتوفر امكانية حلها منفردة ولا تقبل الحل من الناحية النظرية الا في اطار حل عام يشملها جميعا."
لقد شَخَّصَ الجابري الفكر العربي عبر مراحل تشكله وفي حالته الراهنة فوجده يدعي التجديد والثورة والتقدم على مستوى الشعار ويعاني من التقليد والكبوات والانقطاع على مستوى الواقع ولذلك استبدل اشكالية النهضة بإشكالية تحديد طبيعة ما أنتجه هذا الفكر طوال التاريخ الذي يخصه وعوض تقديم أجوبة جديدة للأسئلة القديمة أو طرح اسئلة جديدة على فكر قديم اختار الانغماس في عين النواة الاشكالية لهذا الفكر والتحرك فوق مسطحه والمشي على تربته واثارة ما ظل طي الكتمان والتعبير عما لم يصرح به وظل مكبوتا وثاويا بحكم اللغة الآمرة ومنظومات القرابة والسلطة وحراس العقيدة.
هكذا لم يكن الأمر يتوقف على النجاح في طرح المشاكل الحقيقية التي يعاني منها هذا الفكر مثل التربية والديمقراطية والتنوير والحرية والانسانية بقدر ما يستلزم قيام العقل العربي بتفقد آليات انتاجه للمعرفة وتشريعه للقيمة واضفائه للمعنى ونقده لذاته ووزن التراث العربي بميزان المعقولية العربية ذاتها من الداخل ومن وجهة نظر موضوعية العلوم الانسانية والفلسفة المعاصرة.
لقد عبرت مداخلات ومقالات وأطروحات الجابري الأولى في حقبة السبعينات عن تبلور مشروع فكري جنيني ينطلق من الحاضر والمخاض السياسي والجدل الثقافي ويتجه نحو الماضي واشكالاته الفلسفية من أجل تسليط الضوء على مناطقه النيرة ومسارات العقلنة فيه والتحضير للمستقبل واستشراف الآتي.
" في هذا الكتاب ( نحن والتراث) كان سؤال الموقف من التراث بمثابة الاشكالية الموجهة للبحث والمحددة لكيفية استخلاص النتائج"  وكان انشغاله بالمتغيرات الجارية عاملا لكي يدخل في حوار مع مشروع الاسلام السياسي والفكر القومي الوحدوي والتقاليد التحررية والنهضوية والتيار اليساري. ان تجديد الثقافة العربية لن يحدث الا بعد القيام بالنقد الابستيمولوجي وذلك بتغيير البنية الذهنية العربية واضفاء المعقولية على التراث بوضعه في سياقه التاريخي وترتيب قضاياه منطقيا وتصنيف مقولاته.
هكذا كانت " الاشكالية هي النظرية التي لم تتوفر امكانية صياغتها فهي توتر ونزوع نحو النظرية اي نحو الاستقرار الفكري"  وهكذا وجد الجابري صعوبة في صياغتها وفق ثنائية الفهم والمعقولية بالنسبة للتراث من جهة والتوظيف والاستثمار والصلوحية من جهة أخرى وقد بلورها في مرة أولى كما يلي: "كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد الجوانب العقلانية و( الليبرالية) في تراثه ويوظفها توظيفا جديدا في...اتجاه محاربة الاقطاعية والغنوصية والتواكلية وتشييد مدينة العقل والعدل، مدينة العرب المحررة، الديمقراطية والاشتراكية" ؟، ولكنه بعد ذلك ما لبث أن أعاد النظر فيها ودعا الى اسقاطها واستبدالها بإشكالية دقيقة هي "تدشين عصر تدوين عربي جديد" تعرف الناس بما لم يكن شائعا لدى عموم المثقفين وتقدم للطبقة الناشئة مجالا للتحقيق والتدقيق والبحث والتأمل والتنظير والتصنيف والخلق والاستشراف والتغيير في البني والأنظمة حسب اختلاف الأطر والأزمنة وتنوع الممارسة والفعل.
" ان التفكير بواسطة ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تشكل احداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة الى المستقبل، بل النظرة الى العالم، الى الكون، والانسان"
بين اذن أن الجابري يجعل المحتوى المعرفي متأثرا وتابعا للموقف الايديولوجي وينظر الى الاشكاليات النظرية والقضايا العلمية بوصفها تعبير عن المشاكل الاجتماعية والصراع الطبقي حول المرجعيات.
" ان تغيير بنية العقل وتأسيس أخرى لا يتم الا بالممارسة، ممارسة العقلانية في شؤون الفكر والحياة وفي مقدمة ذلك كله ممارسة العقلانية النقدية على التراث الذي يحتفظ بتلك السلطات على شكل بنية لاشعورية" .
لكن هل هناك عقل مميز للعرب وعقول أخرى غير عربية تميز الشعوب المغايرة؟ وهل كان الجابري يبحث عن الاستواء النظري للعقل أم التطابق مع الواقع؟ وألم يفكر في كيفية توطين الحداثة وتبيئة المفاهيم أكثر من تحديث التراث ودفع الثقافة العربية الى ابداع مفاهيمها بلغتها وضمن اشكالياتها؟ وهل حرص على بناء قواعد للعقل أم تحقيق جملة من التوازنات بين الملكات والتوفيق بين الوظائف؟
العقل العربي بين القبول والرفض:
" العقل العربي اذن من حيث نظامه الداخلي، وآليته الفاعلة، قياس فقهي وكشف صوفي، وبرهنة عقلية"
هل هناك فكر عربي أم عقل عربي؟ وما الفرق بين العقل العربي والعقل الاسلامي؟ وهل هو عقل مكون أم متكون ؟ وهل هو في طور التكوين أم مازال لم يكتمل بعد؟ ولماذا لا نسميه العقل العربي الاسلامي؟ وهل تخلي عن وظيفته الكلامية المتمثلة في هدم المفاهيم والتصورات الوافدة ومارس الخلق والابداع؟
ينطلق الجابري من ايبستيميه باشلار ويحدده بأنه معظم المسلمات الضمنية التي تتحكم بمجمل ما ينتجه الفكر خلال فترة زمنية محددة وذلك بشكل مخفي، ويقوم بتبيئة هذا المفهوم ويطبقه على التراث العربي ويسميه نظام الفكر ويرى أن الثقافة العربية عرفت ثلاثة أنظمة معرفية هي البيان والعرفان والبرهان ويقصد بالنظام المعرفي في ثقافة ما ذلك الذي يعطي المعرفة في فترة تاريخية معينة بنيتها اللاشعوية.
ان النظام البرهاني هو نظام معرفي يبلور نمط في التفكير ورؤية للكون ومنهج خاص مستمد من الاستدلال الأرسطي ونظريته في القياس وكل "العمليات الذهنية التي تقرر صدق قضية بواسطة الاستنتاج". أما النظام البياني فهو نظام معرفي يبني تفكيره على أساس النحو والفقه والكلام والبلاغة ويجعل اللغة العربية هي المرجعية في وضع قوانين انتاج الخطاب وتفسيره عن طريق الوصل والفصل والظهور والوضوح والابانة والتبليغ والاقناع والاستدلال والتشبيه والقياس والتواصل والتجويز ويعتبر الأعرابي صانع الحضارة ومعلم العالم ويركز على مثلث النص والاجماع والاجتهاد في رؤية الكون. في حين أن النظام العرفاني هو نظام معرفي يقوم على تجنيد الارادة ويعتمد الكشف والالهام والاشراق والعيان والحدس والقلب والبصيرة والوجدان والشعور والنفس كطريق للمعرفة بالأمور الدينية والأسرار اللدنية ويسافر في مقامات ويعيش أحوال على نحو أرقى من المعاني اللغوية والأقيسة العقلية.
والحق أن " ما يميز الجابري عمن تقدمه من الذين كتبوا عن العقل العربي هو قوة تأسيسه النظري أو الابستيمولوجي... ورفعه اياه من مستوى اللفظ او المعنى الى مستوى المفهوم"
لكن لماذا ظل ينظر الى النظام البياني باختزالية ويعتبر النظام العرفاني عقلا مستقيلا ولامعقولا دينيا؟
يتفادى الجابري دمج العلم في الدين والدين في العلم ويبتعد عن القول بعقل شفاهي وعقل كتابي مثلما فعل محمد أركون مع نقد العقل الاسلامي الذي دعا الى تحريره من السياج الدغمائي للمدونة النصية والتنظير للعقل الاستطلاعي والوعي المنبثق، ولذلك نراه يميز باقتدار بين الفكر كأداة ونشاط ذهني ينتج المفاهيم ويضع المبادئ من خلال عملية البحث والتنظير وهذا هو العقل المكوِّنconstituante والفكر كمحتوى ويقصد به العقل المكوَّنconstituée الذي يفيد كل المبادئ والأسس المعتمدة خلال عملية الاستدلال.
العقل العربي عند محمد عابد الجابري يعني "جملة المبادئ والقواعد التي تقدمها الثقافة العربية الاسلامية للمنتمين اليها كأساس لاكتساب المعرفة وتفرضها عليهم كنظام معرفي أي كجملة من المفاهيم والاجراءات التي تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية."
لكن ماهي مميزات العقل العربي وخصوصيته بالمقارنة مع العقل اليوناني والعقل الأوروبي الغربي؟
" يمكن أن نلمس من خلال الدلالات المختلفة لكلمة "عقل" والكلمات الأخرى التي في معناها ما يمكن ربطه بالنظام والتنظيم، ولكن حتي في هذه الحالة يظل الجانب القيمي حاضرا دوما. فالنظام والتنظيم في المجال التداولي للكلمات العربية المذكورة متجه دوما الى السلوك البشري لا الى الطبيعة وظواهرها".
ان العقل يحدد بوصفه عقلا عربيا ليس فقط لكونه يتألف من مجموعة من التصورات والنظريات التي تعكس الواقع العربي أو "تعبر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل أيضا لأنه نتيجة طريقة أو أسلوب في التفكير ساهمت في تشكيلها جملة معطيات منها الواقع العربي نفسه بكل مظاهر الخصوصية فيه" .
كلما توفر موضوع ما يتمتع باستقلالية معلومة بالضرورة وتميز عن غيره من المواضيع جاز القول بوجود منطق بحثي خاص به يوجهه ويتدبره ويفسر عناصره ويستخرج من ادراك العلاقات بينها مبادئ كلية وضرورية يسمى عقلا. واذا بحثنا في التراث العربي انطلاقا من الحقول المعرفية التي تمت مقاربتها وفق حركة ذهنية تفسيرية ونشاط ادراكي نافذ نجد أن هذه الحقول والأنشطة تتميز عن اللوغوس اليوناني.
اذا كان العقل اليوناني يقر بأن ايجاد أي عنصر جديد يتم عن طريق تركيب عناصر أخرى قديمة ويرى أن لكل أثر سبب فإن العقل العربي يؤمن ب"كن فيكون" وامكانية "خلق شيء من لاشيء" ورفع الأسباب وجوازها.
"هنا يطلب في الثقافة العربية من العقل أن يتأمل الطبيعة ليتوصل الى خالقها: الله. وهناك في الثقافة اليونانية- الأوروبية يتخذ العقل من الله وسيلة لفهم الطبيعة أو على الأقل ضامنا لصحة فهمه لها."
من البديهي أن يرفض الجابري الأحكام المسبقة الاستشراقية التي تربط العرق بالعبقرية وتحط من منزلة الشرق بالمقارنة مع الغرب وأن يقوم بالتحليل العلمي للتجربة التفكرية العربية وينظر اليها بوصفها "عقل تشكل من خلال انتاجه لثقافة معينة وبواسطة هذه الثقافة نفسها: الثقافة العربية الاسلامية" .
ان توقيع الجابري عبارة العقل العربي كان حسب رأيه من منظور علمي وبعد تبنيه النظرة العلمية المعاصرة للعقل بعدما لاحظ غياب العقلانية في كيفية التعاطي مع التراث ولذلك نجده ينفي صفة الحقيقة المطلقة وينادي بفصله عن الدين ويقول بتاريخية هذا العقل ويعيب عليه التصاقه بالأحكام الأخلاقية.
لكنه يلاحظ وجود بطانة وجدانية ودلالة عاطفية للعقل وبداهة وارتجال وسرعة الفهم وردود أفعال آنية وعدم التردد في اصدار الأحكام وذلك بعد قيامه ببحث فيلولوجي معمق في لغة الضاد ويستنتج المعنى القيمي المرتبط بكلمة عقل بعد عملية مسح ومقارنة للآيات القرآنية. " ان العقل العربي تحكمه النظرة المعيارية الى الأشياء ونحن نقصد بالنظرة المعيارية ذلك الاتجاه في التفكير الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي يتخذها ذلك التفكير مرجعا له ومرتكزا. وهذا في مقابل النظرة الموضوعية التي تبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها."
ان آليات انتاج المعرفة والقواعد المؤطرة للثقافة العربية الاسلامية تختلف عن تلك التي يتأسس عليها العقل اليوناني والعقل الأوروبي وخاصة وجود علاقة مباشرة بين العقل والطبيعة والثقة في قدرة العقل على فهم هذه العلاقة وادراك البعد الغامض منها واستنتاج رؤية وجودية ومعيارية من هذا الفهم. كما أن اللغة العربية تختلف عن اللغة اليونانية. فاذا كانت الأولى تنطلق من الاسم وتعتمد على التحميل لبناء القضايا المنطقية فإن الثانية تنطلق من الفعل وتشتغل على المصدر والاشتقاق والبيان والوصف والاستعارة.
ولكن الأمر الذي يجب بخاصة ألا يغفله هو " أن بنية العقل الذي ينتمي الى ثقافة ما تشكل لاشعوريا داخل هذه الثقافة ومن خلالها وتعمل بدورها وبكيفية لاشعورية كذلك على اعادة انتاج هذه الثقافة نفسها. ان العقل كجهاز معرفي ( فاعل وسائد) يتشكل وينتج في آن واحد وبكيفية لاشعورية".
اللافت للنظر أن الأمراض التي عانى منها العقل العربي هي بنيته الماورائية وطبيعته الجوهرانية وتحوله لأداة للانتاج النظري وتجمده في بنية ثابتة وسقوطه في التعميم والمعيارية واللاتاريخية والانقطاع واللاتراكم والتعميم والحرص على وحدة الجماعة واستمرارية السلطة والخلط بين الرؤى والمنظورات وجعل الفلسفة الاغريقية عامة والمنطق الأرسطي تحديدا أصلا تتفرع عنه جميع القضايا والحدود والتعريفات.
" العقل العربي في نظر الجابري عقل فقهي، والتوتر بين القياس والعرفان والبرهان عبر تاريخ الثقافة الاسلامية، عرف كثيرا من أشكال الهدنة، ما أدى الى خلل معرفي بارز في بنية العقل العربي تجلى هذا الخلل في غياب التقدم وشكل العقل العربي في النهاية لحظة معرفية تكرارية."
ان تخطي هذه المزالق يستوجب القيام بالنقد وذلك ليس من أجل النقد والهدم والتحطيم بل من أجل التطهير من العوائق والتحرر من الطبقات المتكلسة وفسح المجال للحياة واطلاق القوى الكامنة وتنشيط الملكات والمهارات والطاقات وذلك بكسر القوالب الجامدة والتشكيك في الاسس والخروج عن الأوليات القديمة واعادة تأصيل الأصول وربط الفاعلية الفكرية بالفاعلية الارادية التاريخية وتملك مفاتيح الحداثة.
لكن أكبر خطا وقع فيه الجابري هو تحويله النقد الابستيمولوجي الى حرب ايديولوجية مع الأعداء واراد تشغيل العقل المكوِّن بالقطيعة الثورية مع العقل المكوَّن وتركيزه على الثقافة العالمة وغض الطرف عن الخيال والرمز وعدم ربطه البعد النظري للفكر بالبعد العملي له وتجاهله للعقل التاريخي والوظيفة التوحيدية للعقل المكوَّن واشادته بالعقل الفقهي واعتبار منزلة الفقه في الحضارة العربية الاسلامية مماثلة لمنزلة الفلسفة في الحضارة الاغريقية والعلم والتقنية في الحضارة الأوروبية والغربية.
أما المأزق الآخر الذي وقع فيه الجابري هو وضعه جانب من التراث العربي الشرقي في خانة الغنوص واللاعلم واصدار حكم ايديولوجي مسبق حوله دون الاعتراف بوجود البيان والبرهان في دائرة العرفان كدرجتين في المعرفة والوجود تسبقهما وتوصل اليه، علاوة على عدم ادراجه المجهود العلمي العربي في مستوى الطبيعة والرياضيات ضمن تكوين العقل العربي وبنيته بقوله:" لقد ظل العلم العربي، علم الخوارزمي والبيروني وابن الهيثم وابن النفيس وغيرهم خارج مسرح الحركة الثقافية العربية، فلم يشارك في تغذية العقل العربي ولا في تجديد تواليه وفحص قبلياته ومسبقاته" .
"كما فوت الجابري على نفسه فرصة قراءة وحدوية وجدلية معا للعقل العربي الاسلامي، فقد فوت على نفسه أيضا ولكن من منظور وظيفة العقل المكوِّن هذه المرة فرصة قراءة نقدية له. فالعقل المكوِّن عند لالاند هو عينه العقل المكوَّن عندما يتخذ من نفسه موقفا نقديا. فالعقل...ليس له طابع ثابت ومطلق. وأيا ما تكن أوهام المنتمين اليه في حقبة تاريخية ما فإن عقل عصر ما ليس هو قط العقل المحض."
لكن ألا يعاب على الجابري عدم ابقائه على حركية العقل العربي وعدم استفادته من القسمة الثنائية بين المكوَّن والمكوِّن وبقائه حبيس مقولاته وصراعاته؟ وألم تبقى عملية اخضاع هذا العقل لنقد تاريخي وابستيمولوجي مشروعا غير مكتمل؟ وما سر ربطه العقل والعقلانية بإشكالية الاستقلالية التاريخية للذات العربية وحصولها على الحق والحرية والديمقراطية في اطار نجاعة الفعل العقلي في التاريخ؟ وهل دعا الى ضرورة تخلص السياسة من الآخلاق والفصل بين أحكام الواقع وأحكام القيمة؟ والى أي مدى يمكن اعتبار الجابري مفكرا ثوريا في السياسة؟ هل بقي اصلاحيا يا ترى؟

الضروري في السياسة والأخلاق :

" ان الوعي بضرورة الديمقراطية يجب أن يمر عبر الوعي بأصول الاستبداد ومرتكزاته"
اللافت أن تركيز الباحثين والشهرة التي نالها الجابري يعود الى الاهتمام بمجهوده الابستيمولوجي والنظري وقد رافق ذلك تقليل من اهمية الشغل الذي قام به على الصعيد العملي وبالخصوص دوائر التاريخ والمجتمع والسياسة والأخلاق والتربية. كل هذه القطاعات لم تلقى من النقاد الالتفاتة المطلوبة وكان التعاطي معها سطحي ومتسرع ويقتصر على الشرح والتحليل تارة والعرض والاشهار طورا آخر.
من المعلوم أن الجابري حاول القطع مع المعايير والقيم والمعقولية التراثية وبذل جهودا في سبيل اعادة تأسيس مشروعية العلاقة بين الانسان والسلطة في الثقافة العربية وأنه تحيز للديمقراطية وحاول اعادة تعريف مفاهيم السياسة والملك والدولة والحكم والمدينة والسعادة والفضيلة والكرم والمروءة والخير.
" السياسة فعل اجتماعي يعبر عن علاقة بين طرفين يمارس احدهما على آخر نوعا من السلطة "  و" محددات العقل السياسي وتجلياته تخضع جميعا لمنطق داخلي يحكمها وينظم العلاقات بينها."  والغريب أن الجابري يمسح محددات العقل النظري العربي بجرة قلم ويتخلي عن مصطلح نقد ويعوضه بمصطلح مصلحة ويصدر قرار خطير حول أداتيته ويمر مباشرة الى العقل العملي في بعديه السياسي والأخلاقي دون تبرير بقوله:" العقل السياسي العربي اذن ليس بيانيا فقط ولا عرفانيا فقط ولا برهانيا وحسب، انه يوظف مقولات وآليات مختلف النظم المعرفية حسب الحاجة. السياسة تقوم على البرغماتية."
خالف الجابري التصور المادي التاريخي الماركسي وأكد من منظور أنثربولوجي وبالاستفادة من أبحاث جورج لوكاتش على استقلالية بنيات السلوك لدي الجماعات عن التغيرات الطارئة في وسائل الانتاج وقوى الانتاج وقال بوجود لاشعور سياسي عربي تحدده ثلاثة خصائص هي القبيلة والعقيدة والغنيمة.
ودعا الى الاستقلالية الفكرية للذات العارفة العربية في وصفها العلمي لذاتها والتحرر" من سلطة مقولات الأيديولوجيات والعلوم الاجتماعية الخاصة بالمجتمعات الغربية الرأسمالية المتطورة..هي الخطوة الأولى الضرورية التي بدونها لن نتمكن من رؤية واقعنا كما هو، واقعنا في الماضي وواقعنا في الحاضر" .
تعني القبيلة القرابة وكل أشكال العصبية والانتماء وتمثل المركز والأساس الذي ينظم المجتمع والسياسة وذلك لانتاجها لطريقة معينة في الحكم السياسي والسلوك الاجتماعي يخضع لها الأفراد ويلاحظ ظهورها الشديد في المجتمعات الرعوية والزراعية كالمجتمعات العربية في مصطلح العشائرية أو الجهوية. هكذا تأسس اللاشعور السياسي عند العرب على الطائفية والتعصب العشائري وانتظار الزعيم المخلص.
أما الدور الذي تؤديه العقيدة فهو ابعد من مضمونها اللاهوتي والروحاني وترتبط عضويا بالفعل الاجتماعي والسياسي وتمتلك قدرة رهيبة على تحريك الأفراد والجماعات وتوجيههم نحو غايات ومصالح دون أخرى ولذلك يمثل القرآن والحديث والدعوة المحمدية قلب الرحى في المخيال السياسي العربي.
في حين أن الغنيمة هي التي تحدد للنشاط الاقتصادي في المجتمعات التي يمثل الخراج والعطاء و الريع أنماط الانتاج ومصدر الدخل واصل الثروة وتتحول الى عقلية ملازمة للسلوك الاجتماعي والسياسي وتجعل العامل الاقتصادي يتدخل في الموقف السياسي للفاعلين الاجتماعيين تجاه السلطة القائمة.
من هذا المنظور يميز في العقل السياسي العربي بين بنيتين الأولى: بنية عميقة وتحكمها ثلاثية القبيلة والغنيمة والعقيدة والثانية بنية سطحية وتحكمها ثنائية الخاصة والعامة ويرى أن فقه السياسة العربي سيظل محكوما بثلاث ضوابط هي ضرورة الامام ولزوم طاعته ودنيوية نظام الحكم بعد الخلافة الراشدة.
كما حرص على تحويل القبيلة الى اجتماع بشري مواطني والارتقاء بالغنيمة والريع الى مستوى الضريبة والاقتصاد الانتاجي وفهم العقيدة على أنها مجرد رأي وفتح باب الاجتهاد والقيام بالإصلاح الديني.
بيد أن " الكلام في العقل السياسي العربي لما يبدأ بعد وما هذا الكتاب الا محاولة أولى لتدشين نوع من القول فيه ضمن أنواع أخرى من الكلام مازالت ممكنة تنتظر من يفك العقال عنها والحصار" .
غني عن البيان أن الجابري يبشر بالديمقراطية والعقلانية كبديل عن العلمانية ويستخدم مفهوم الكتلة التاريخية لكي يشير به الى ضرورة تكتل مجموعة من القوى الاجتماعية المعارضة للنظام السياسي الحاكم وابرام تحالفات فيما بينها من أجل خدمة قضية واحدة وهي التغيير السياسي والتداول السلمي.
" من أجل هذا نادينا منذ الثمانينات من القرن الماضي بضرورة استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية فهما اللذان يعبران تعبيرا مطابقا عن حاجات المجتمع العربي: الديمقراطية تعني حفظ الحقوق: حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية والدينية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه لا الديمقراطية ولا العقلانية يعنيان بصورة من الصور اسستبعاد الدين."
من هذا المنطلق ان زرع نبتة الديمقراطية وحقوق الانسان على الأرض العربية يجب أن يسبقه تحليلا علميا للمخيال الاجتماعي الذي تحدث عنه بيار اسنار وسبر مآثره وملحماته ورموزه المركزية وتجاربه الروحية والوجدانية والأيقونات الملهمة التي تحركه ويلزم أن يرافق ذلك معرفة علمية دقيقة باللاشعور السياسي العربي الذي استعاره الجابري من ريجيس ديبريه وأشار به الى أن الذهنية الطائفية والتعصب القبلي وليس الاعتقاد الديني أو الرأسمال الاقتصادي هما اللذان يحددان الفعل السياسي وشرعيته الأدائية.
على هذا النحو تدور الأشياء وتتضارب المصالح والأهواء في المجال السياسي فكيف سيكون الأمر في مجال الأخلاق والشيم ومبادئ الخير والفضيلة والسعادة؟ وهل تصلح الأخلاق ما افسدته السياسة؟
ان اهتمام الجابري بالعقل الأخلاقي العربي قد جاء رغبة في تكملة المشروع لا غير وتحت حاجة المكتبة العربية الى للبحث عن القيم الأخلاقية العربية والقيام بالتأريخ لها دون نقدها وغربلتها و دون فرز الجيد عن الرديء.
هنا يستدرك ما كان قد أضاعه في السياسة ويعود الى ثلاثية البيان والعرفان والبيان ويعلن أن العقل الأخلاقي العربي هو عقل جماعي لا عقل فردي ومتعدد في تكوينه ولكنه واحد في بنيته ولمنه يصمت على مصطلح النقد بقوله:" لا شيء يمنع كذلك من اعتماد التصنيف الذي عملنا به في العقل النظري، فنجعل الأخلاق في الحضارة العربية الاسلامية ثلاثة: أخلاق بيانية وأخلاق عرفانية وأخلاق برهانية" . لكنه يعترف بتأثر العرب بالقيم والعادات والأعراف الوافدة من الثقافات والأمم الأخرى وخاصة الفرس والهنود واليونان ويبدو ذلك بجلاء في أخلاق القبيلة التي يدرجها ضمن الموروث العربي الخالص وفي أخلاق العقيدة التي يدرجها ضمن الموروث الاسلامي الخالص وأخلاق الخليفة التي يربطها بالموروث الفارسي وأخلاق الخاصة والعامة التي يرجعها الى الأخلاق الاغريقية.
يميز الجابري بين الطبع والخلق والسجية والدين والادب ويعترف بان "القرآن كتاب أخلاق والسيرة النبوية هي الأخلاق مطبقة"  ولكنه يبحث عن نظام القيم ومعايير السلوك ومحددات استشراف المطلق.
اذا كانت رذيلة العقل السياسي هي ابقائه على علاقة الراعي بالرعية وتفضيله وحدة الجماعة على الثورة من اجل الكرامة والحرية فإن عنف العقل الأخلاقي العربي هي تحويله فضيلة الطاعة الى واقع الخضوع.
من هذا المنطلق يدعو الجابري الى التخلص من أخلاق الطاعة القادمة من الموروث الفارسي والأخلاق المثالية المتعلقة بالسعادة الروحية القادمة من الموروث اليوناني وأخلاق الافناء الصوفية واستبدالها بأخلاق المروءة القادمة من الموروث العربي الخالص والعودة الى الأخلاق الطبية والتركيز على الصحة والحياة والفضائل الواقعية ومن جهة مقابلة يثني على مصطلح الأدب والتقوى والعفة والنزاهة والصيانة والعفو والمسامحة والافضال والمؤازرة والمياسرة والمعايير العقلية في الحسن والقبيح ويدعو الى الأخلاق الاجتماعية وخاصة الآداب التي يجب أن يتحلى بها المرء مع نفسه ومع غيره.
"المروءة تنتمي الى هذا النوع من الأخلاق أعني الاجتماعية، فهي اذن سلوك اجتماعي محمود يقوم على مراعاة التقيد بما يستحسنه الناس وتجنب ما يستقبوحنه. وهذا يعني أن سلطة الجماعة هي المقررة في شأن المروءة وليس سلطة العقل وان كان بعض مقوماتها مما يرجع الى حكم العقل كالعفة والنزاهة".
لكن لماذا لم يختزل الجابري محددات العقل الأخلاقي العربي الى ثلاثة هي الطاعة والتقوى والمروءة مثلما فعل في العقل النظري ( بيان وعرفان وبرهان) وفي العقل السياسي (عقيدة وقبيلة وغنيمة)؟ وماهي العلاقة بين الثلاثيتين السياسية والأخلاقية؟ وهل كان جهده النقدي منصبا على تخليص السياسة من الدين وتخليص الأخلاق من السياسة؟ وماهي مخلفات ذلك على تصوره للتربية والتعليم؟
ألم يعلن طه عبد الرحمان عن دعوى التعارض الأصلي لنموذج الجابري التقويمي بقوله: "ان نموذج الجابري في تقويم التراث يقع في تعارضين اثنين: أحدهما التعارض بين القول بالنظرة الشمولية والعمل بالنظرة التجزيئية والثاني التعارض بين الدعوة الى النظر في الآليات وبين العمل بالنظر الى مضامين الخطاب التراثي في الآليات" ؟ وألم يكشفه أيضا عن دعوى القصور الآلي لنموذج الجابري التقويمي بقوله:" ان عدم وقوف الجابري على دقائق الآليات المنقولة التي استعملها في نموذجه التقويمي، أفضى به الى اتخاذ مسلك في تجزئة التراث يخل اخلالا بالمقتضيات التقنية والشروط الاجرائية لهذه الآليات" ؟

خاتمة:


" لا سبيل الى التجديد والتحديث ونحن هنا نتحدث عن العقل العربي الا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة وامكانياته الذاتية أولا"
ما أحوجنا اليوم الى ابن رشد عند الجابري و"الى روحه العلمية النقدية الاجتهادية واتساع أفقه المعرفي وانفتاحه على الحقيقة أينما تبدت له، وربطه بين العلم والفضيلة على مستوى الفكر ومستوى السلوك."
لقد طبق الجابري نظريته في العقل العربي على رؤيته التاريخية للفلسفة العربية الاسلامية ورأى في الكندى فيلسوف العرب الأول وأول من أسس القول الفلسفي بلغة الضاد ومن لمح مناحي البرهان ودافع عن الحكمة بطريقة سجالية وفي الفارابي الجامع الأول بين البيان والبرهان والمنطق والوجود وذلك بتجاوز الخطاب السجالي والخطاب العرفاني معا وبلوغ الخطاب الكوني والعلم اليقين والمدينة الفاضلة.
أما الشيخ الرئيس ابن سينا فقد أسس العرفان على البرهان وهو خير ممثل للازدهار الذي عرفته الثقافة العربية الاسلامية على المستوى الكمي في العلوم الطبيعية والطب وجعل السنوية تمثل دون منازع الصيغة البرهانية للفلسفة والكلام والتصوف خاصة في مرحلة الحكمة المشرقية ومنطق الشرقيين.
من جهة ثانية قام أبو حامد الغزالي حسب الجابري بتأسيس الفقه على المنطق في المستصفى وتوظيف المنطق في الحقل المعرفي البياني وتبيئته داخل علم الكلام وفي التصوف والعرفان وفصله عن الفلسفة.
ان القطيعة المعرفية التي قام بها ابن رشد ناتجة عن المنهج الظاهري الأكسيومي الذي اعتمده واعتبره منبثقا عن الثورة الثقافية التي قام بها كل من ابن حزم في المقاصد وبروز النزعة البرهانية في ظاهريته والشاطبي في الموافقات عند تجديده المنهج الأصولي وقطعه مع الشافعي وكل من ابن باجة في تدبير المتوحد وان طفيل في حي ابن يقظان وتحررهما من قيود السياسة والمواقف الايديولوجية وتوجها ابن خلدون بوضوح عندما أسس التاريخ على البرهان ورفعه من سرد الأخبار الى رتبة العلم.
بيد أن بن رشد هو "المدخل الضروري لكل تجديد في الثقافة العربية الاسلامية في داخلها، ولأنه أنموذج للمثقف العربي المطلوب اليوم وغدا، المثقف الذي يجمع بين استيعاب التراث وتمثل الفكر المعاصر والتشبع بالروح النقدية وبالفضيلة العلمية والخلقية."  اما المزية الكبرى للمشروع الرشدي أنه توقف عن توظيف الفلسفة في قضايا سياسية وقطع بين النظام البرهاني المشرقي والنظام البرهاني المغربي وآمن بالسببية وأعاد بناء المعقولية والشرعية في المعرفة ونصب العقل اماما على العلوم النقلية.
يجوز لنا الآن أن نعتبر الجابري ابن رشد العصر مع فارق في زمانية الوجود ودقة المنهج ومعاودة لنفس الاشكال وغائية المقصد، على هذا النحو" تمتلك أعمال محمد عابد الجابري حضورا قويا في المجال الثقافي المغربي والغربي، وهي أعمال تروم الدفاع عن الحداثة من مدخل نقد التراث ونقد آليات التفكير العربي والثقافة العربية المعاصرة، انها تتجه لنقد العقل العربي دفاعا عن مشروع في النهضة العربية موصول بالماضي دون أن يكون ماضويا، مروعا متطلعا لتمثل أصول وأسس المعاصرة دون أن يكون ناسخا ولا مقلدا ولا تابعا."  لكن أليس اعتصام ابن رشد بالمنطق الأرسطي من أجل التخلص من الأفلاطونية المحدثة هو عين الخطأ وقمة النسيان للتراث العربي؟ وأليس استعمال الاليات العقلانية المجردة واستعمال الآليات الفكرانية المسيسة هو استعمال محدود ونظرة تجزيئية تصديقا لما قاله طه عبد الرحمان:" وليس هذا التضارب في تصنيف القياسات الشرعية الا لضيق مقولات المنطق الأرسطي التصنيعية عن أداء الخصائص الاستدلالية للخطاب الشرعي ولكن تشبث ابن رشد بمعايير هذا المنطق الضيقة جره الى كلام خارج عن أحكام هذه المعايير نفسها، وكان الأولى به أن يبحث في هذه الآيات عن قيم منطقية جديدة يعتمدها في ترتيب الاستدلالات الشرعية بوصفها موجهة للخاصة والعامة." ؟
لقد كان الجابري على مرمى حجر من اكتشاف وثوقية العقل العربي واعتداده بنفسه وانغلاقه وعجز عن استثمار البعد البراغماتي ولم يقدر على الارتقاء به من المستوى الأداتي وتحويله الى عقل تواصلي ومنفتح يعترف بوجود اللامعقول والمحايد عقليا وما يفوق العقل ويبلغ به درجة العقلانية المركبة التي لا تضع البرهان في تناقض مع العرفان والبيان وفاته أيضا أن " العقل ظاهرة تطورية لا تتقدم بصورة متصلة وخطية كما كانت تظن ذلك النزعة العقلانية القديمة بل ان العقل يتطور عبر طفرات واعادة تنظيم عميقة... ان عقلا منفتحا هو وحده الذي يمكنه ويتعين عليه أن يعترف بوجود اللامعقول (الصدف، مظاهر عدم الانتظام، النقائض، الثغرات المنطقية) ويمكنه ان يشتغل على ما ليس معقولا. وان العقل المنفتح ليس كبتا بل هو حوار مع اللامعقول" .
ألم يناقض الجابري نفسه عندما حصر التجديد في كنوز التراث وبمقوماته الذاتية واشتغل على المضامين دون النظر في الوسائل اللغوية والمنطقية التي أنشئت وبلغت بها هذه المضامين؟ لماذا استنجد بالمناهج الغربية اذن من أجل تحديث التراث واعادة بناء علومه والتمييز بين الايديولوجي والمعرفي فيه؟ ألا يمكن القول بأن العقلانية النقدية عند الجابري قد اصطدمت بتراثية أصولية ثاوية منعتها من التحقق والاكتمال؟ وماذا تبقى من مشروع الجابري غير الخلدونية التي لم تتخطى العصبية الى الدولة والبداوة الى الحضارة ولم تتخلص من عوائقها الابستيمولوجية وتناقضاتها بين الذاتي والموضوعي وبين المعقول واللامعقول وظلت واقع نعيشه ولا نتحدث عنه ونسكت عن عدم قدرتنا على انجاز علمها العمراني ومدينتها الانسية؟ وهل العقل العربي هو عقل مستقيل تاريخيا أم يعيش زمن الربيع الثوري تفكيكا ويحتاج الى اعادة ابتكار؟
ومتى ترى فلسفة اختلافية نقدية عربية معاصرة النور؟

زهير الخويلدي، كاتب فلسفي


المراجع:
Y. Habermas, le discours philosophique de la modernité, éditions T.F. Gallimard, 1988.
إدغار موران، تساؤلات الفكر المعاصر، دار الأمان، الرباط، 1987.
محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة السادسة،1993.
محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991،
محمد عابد الجابري، ابن رشد: سيرة وفكر، دراسة ونصوص، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998.
محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة خامسة، 1991،
محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة رابعة، 1993.
محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الرابعة، 2000،
محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة، 2001،
محمد عابد الجابري، في نقد الحاجة الى الاصلاح، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة أولى، 2005،
كمال عبد اللطيف، الفكر الفلسفي في المغرب، قراءات في أعمال العروي والجابري، دار رؤية للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى،2008،
طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 2005.
جورج طرابيشي، نقد نقد العقل العربي، نظرية العقل، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 1999،

 

الثقافة وعبثية الرقابة

 

korry

نستطيع ان نهجو الرقابة كما نشــــاء، من دون ان نســــتطيع وضع حد لها، او ايقافها، او حتى التأثير على قرارات السيد الرقيب الذي يبدو واضح الغموض، من حيث انه يمثّل سلطة تتحصّن بقيم سياسية واجتماعية تدّعي انها تحمي المجتمع من الثقافة، وتحمي المثقفين من غضب الأعراف والتقاليد سواء أكانت اجتماعية او دينية.
نهجو الرقابة، وننسى ان الرقيب منذ اوائل القرن الماضي وحتى اليوم، لعب دورا خاصا بل اكاد ان اقول متميزا، في رسم خط بياني للثقافة الجديدة والحية في العالم العربي. يكفي ان نستعيد اسماء طه حسين وعلي عبدالرازق ونجيب محفوظ وصادق العظم ونصر حامد ابوزيد وليلى بعلبكي، يكفي ان نتذكر 'قوقعة' مصطفى خليفة، وصرخة فرج بيرقدار ضد عتمة السجن، ومعاناة صنع الله ابراهيم ومعه جيل الستينات المصري، ومسرحية 'الاغتصاب' لسعدالله ونوس باخراج جواد الأسدي، و'حديقة الحواس' لعبده وازن، وافلام مارون بغدادي ودانيال عربيد والى آخره... كي نكتشف ان الرقابة رسمت من دون ان تدري خط الطليعة الثقافية العربية، وكانت مقياسا للجديد والمختلف والرؤيوي.
لعبة الرقابة في بلادنا حملت سمات الواقع السياسي العربي، فمرة هي رقابة للدفاع عن الايمان والدين، ومرة اخرى هي سيف المستبد الذي اعلن نفسه كاتباً مثلما فعل صدام حسين ومعمر القذافي، ومرة ثالثة كانت صوت الحزب الواحد من اجل ترهيب الثقافة، ومرة رابعة كانت شكلا لاعلان المسافة بين المثقف والجمهور.
الرجل الذي طعن نجيب محفوظ لم يقرأ 'اولاد حارتنا'، لكنه نفذ الفتوى في كبير الروائيين العرب، كما ان استعادة قانون الحسبة، لم يكن يهدف سوى الى اخراس الصوت العقلاني لنصر حامد ابو زيد، اما عزلة العراقي الكبير هادي العلوي، فكانت اعلانا بأن المستبد لا يريد ان يرى سوى صورته في مرايا الكلمات.
لا تريد الرقابة سوى شيء واحد، هو فصل الثقافة عن المجتمع. فالتصّحر الأخلاقي الذي عاشته العرب في العقود التي اعقبت الهزيمة الحزيرانية، لم يكن ممكنا من دون تصحّر ثقافي شامل. في هذه الصحراء الأخلاقية والسياسية، ارتفع صوت بعض المثقفين والكتاب والفنانين بالتحدي. وكان ثمن الدفاع عن الوجود في مواجهة التصحّر غاليا جدا. سجون واقبية ومناف ومقابر. واليوم فقط، مع هذا الانفجار الكبير الذي اعلنته الثورات العربية، نكتشف ان الصمود الاسطوري في السجون والمعتقلات لم يذهب اهداراً، وان الحرية التي تعيد وصل الثقافة بالمجتمع استطاعت ان تكسر جدران السجن العربي وان تفتح افقا جديدا مليئا بالاحتمالات.
هذا الأفق الجديد هو الرد على الخيانات الثقافية التي احتلت حيزا كبيرا من المستوى الثقافي العربي في زمن الاستبداد. لم يكن زمن الاستبداد ليستمر هذه الفترة الطويلة، وتصل به الوقاحة الى محاولة تأسيس جمهوريات وراثية لولا خيانات ثقافية كبرى كانت اشبه بالفضائح. من اكذوبة التنوير التي بررت التحالف مع الديكتاتور في مواجهة التيارات الاسلامية، الى جائزة القذافي العالمية، الى احتلال مدن الملح النفطية للثقافة عبر الرشوة.
جاءت الثورات العربية كالمفاجأة لتعلن نهاية ذلك الزمن، ولتقيم مصالحة كبرى بين ادب السجون وانتفاضة الميادين والساحات العربية. كانت الثورات انفجارات اجتماعية وثقافية كبرى، وهي اشبه بثورات السجناء وهم يكسرون قيودهم يأسا واملا. لذا لا اجد معادلا لهذا التوهج الاجتماعي الذي يصل الى ذروته اليوم في ثورة الشعب السوري المجيدة، سوى في ادب السجون، الذي تحوّل للأسف الى احد ابرز علامات ادبنا العربي المعاصر.
مفاجأة العرب بثوراتهم، تكاد ان تتحول اليوم الى مفاجأة بنتائجها المباشرة. فالذين رسموا الثورات في اذهانهم على شكل الانقلابات العسكرية التي هيمنت على الحياة العربية في العقـــود الماضية، سوف يصابون بخيبة امل. بل ان البعض يحوّل خيبة الأمل الى ما يشبه الدعوة المفتوحة للاحتماء بالمستبد خوفا من المجهول. وبذا تعود الثقافة الى فخها النخبوي الاستبدادي، وتنسى ان مهمتها الأساسية هي الدفاع عن الانسان ووصل ما انقطع من علاقة الثقافة بالمجتمع.
هنا يأتي المثقف الديكتاتور ليصير رديــــفا للضابط الديكـــــتاتور، هذه العلاقة بين الضابط والمثقــــف، التي وسمت زمـــن البعث والقذافية بمختلف تنويعاتهما، كانت الكارثة التي فرضت التصحر الثقافي، وقامت باحداث قطيعة بين الثقافة والمجتمع، عبر تدميرهما معا.
الرسالة الكبرى التي اعلنتها الثورات العربية، من الجسد التونسي المحترق، الى اطفال درعا، الى العربات العسكرية التي داست الاجساد في ميدان التحرير، هي رسالة العلاقة بين الثقافة والمجتمع والتي تقول ان حرية الثقافة هي جزء من حرية المجتمع مثلما ان حرية المجتمع هي جزء من حرية الثقافة.
هاتان الحريتان اُعلنتا باشكال متعددة، لا سلطة لرقابة عليـــها. من وسائل التواصل الاجتماعي الى الرسوم على حــــيطان المدن، ومن استعادة احمد فؤاد نجم والشيخ امــــام، الى شـــــعر محمود درويش الذي صار اليوم احد علامات التحدي في المسار التغييري العربي.
لا مكان للرقابة بعد اليوم، هذا ما يفترضه منطق المسار التغييري الذي يعيشه العالم العربي. لكن بين المنطق والواقع مسافة كبرى يجب قطعها، وهي ما اريد ان اطلق عليه اسم مسافة الشجاعة.
ليس صحيحا ان الثورة انتصرت، فالثورة مسار بل مسارات معقدة، وانتصارها لا يمكن ان يتم اذا توقفت امام الحائط الخليجي النفطي الذي اقفلته الدبابات في البحرين.
هذا المسار يحتاج الى الشجاعة والتواضع في آن معاً.
شجاعة من يتعلم الدرس من الشعب الأعزل الذي واجه ويواجه الرصاص بالحناجر والصدور. يجب ان تسقط كل الممنوعات، وتكون الحرية معادلا للعدالة الاجتماعية، وقيمة عليا تعيد تأسيس القيم الاجتماعية والثقافية والسياسية.
وتواضع من يعرف ان المعرفة والثقافة يجب ان تكونا طريقا للحرية والتحرر، وان المثقف الذي يواجه الرقابة والعسف يفعل ذلك خدمة للحقيقة.
وفي النهاية، حين نتطلع الى احتمالات الثورات العربية ومستقبلها، نرى فلسطين في الأفق، ليس بوصفها جزءا من قضية حرية المشرق العربي وتحرره فقط، بل بوصفها مقياسا اخلاقيا للعدالة في عالمنا اليوم.
انتصرت الثقافة على الرقابة، هذا ما يشير اليه تاريخ ثقافتنا العربية الحديثة، لكن هذا الانتصار لن يتحول الى قيمة اخلاقية لا تمس الا حين ينجح العالم العربي في تأسيس الديموقراطية التي تنهي ازمنة الخوف والقمع والتقوقع والعنصرية والطائفية والتعصب وتؤسس لولادة المواطن الحر في وطن حر.
القيت هذه الكلمة في افتتاح مؤتمر 'الحريات الثقافية في المشرق العربي'، الذي نظّمه مركز 'سكايز' في بيروت،

 
المزيد من المقالات...