الأربعاء 08 شباط/فبراير، 2012

حلم يتحقق.. المنتدى الاجتماعي التربوي العالمي في فلسطين

 

 

  لطالما انتابنا نحن الفلسطينيون من خلال مشاركتنا في أعمال المنتديات الاجتماعية في العديد من البلدان، أمل ورغبة في تنظيم منتدى على أرضنا وفي بلدنا، هذا الأمل والرغبة التي ما إن بدأنا في نقاشها إلا وانتابنا  الشعور بصعوبة تحقيق هذا الأمل ، هذا الشعور القاسي نحمله رغما عنا جراء طبيعة الواقع الذي نعيشه تحت الاحتلال،بما يعنيه من قيود وسيطرة على كل شيء، كانت تجعل أملنا يصطدم بهذا الواقع لنصل إلى نتيجة مفادها أن هذا الأمل هو درب من الأحلام ، كل هذا لأننا الشعب الوحيد الذي يخضع للاستعمار في شكل الاحتلال الصهيوني لبلدنا، ولأننا نناضل من اجل حقوقنا، فالعذابات والمعاناة هي سمة السياسة الاستعمارية الإسرائيلية.


  ولكن ليس على الإرادة والتصميم ما هو مستحيل وصعب، فها نحن وبجهود أصدقائنا والمتضامنون معنا ارتباطا بعدالة قضيتنا ، هؤلاء الأصدقاء من مختلف دول العالم من الحركات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني والمتضامنون الدوليون والنشطاء، وبمبادرة من المنتدى الاجتماعي العالمي نقف اليوم أمام تحضيرات لحدث بالتأكيد سيكون علامة مميزة في عمل الحركات الاجتماعية وحركة التضامن مع الشعب الفلسطيني في كفاحه العادل، نقف أمام تحضيرات لعقد منتدى اجتماعي تربوي عالمي في فلسطين بعد أشهر قليلة، منتدى عالمي في أكثر من موقع ، في حيفا، رام الله، قطاع غزة، ولبنان، هذا التوزيع الجغرافي لاعمال المنتدى يــأتي في إطار التحدي لتجاوز أو اختراق حدود الفصل والعزل والتقسيم ألقسري أيضا الذي يعيشه شعبنا بفعل سياسة الاستعمار الإسرائيلي. توزيع جغرافي رغما عنا ولكن اعمال المنتدى منظمة  بنفس المحاور والموضوعات. ها نحن منهمكون وكل القوى الداعية للعدالة الاجتماعية، والعلاقات المبنية على أساس إنساني أساسه العدل والمساواة، والحرية والاحترام المتبادل بين الشعوب أساسا بديلا ضروريا ومطلوبا في مواجهة علاقات القوة والاستعمار، ولغة الحروب ، واستغلال الشعوب، ونهب الخيرات، وتعميق الفقر وتدمير البيئة، الأمر الذي يضع مصير البشرية في خطر مؤكد، هذا الواقع المرير الذي تبرره وتقوده السياسات النيوليبرالية وتؤسس لاستمراره عبر أطرها النظرية والعملية في شكل العولمة الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية...الخ ، الأمر الذي دفع بالنقيض الإنساني إلى التنبيه لهذه المخاطر ورفع الصوت، وتحشيد القوى الاجتماعية لمواجهة هذا الخطر، وكان المنتدى الاجتماعي العالمي احد أهم هذه الأطر العالمية في المبادرة منذ عشر سنوات إلى رفع راية المناهضة وتوفير مساحات الحوار والنقاش على المستوى العالمي ، في ظل واقع مليء بالحروب والاستغلال والمستقبل المبهم والقاتم ، كان الشعار الإنساني البديل " عالم آخر ممكن وضروري" وكل يوم يمر يؤكد صوابيته.


  والمنتدى الاجتماعي – التربوي العالمي في فلسطين هو استمرار لجهود واعمال المنتدى الاجتماعي العالمي، وهو ايضا جزء من الحراك الحيوي في مسيرة الحركات الاجتماعية العالمية، التي تنصب الجهود في هذه الأيام من اجل إنجاح هذا المنتدى، وجعله حدثا مهما في مسيرة المنتدى. وعلى اساس مبادئ المنتدى الاجتماعي العالمي، التي تم تبنيها  في المنتدى الاول في بورتي اليجري في البرازيل قبل عشر سنوات ،  وهي بعمقها وشموليتها وعالميتها اصبحت مرشد ودليل عمل ورؤية للمنتديات الاجتماعية، وانشطة ومسار الحركات الاجتماعية عموما، وعلى هذه الاسس والمباديء انطلق المنتدى الاجتماعي التربوي العالمي في فلسطين.


لماذا في فلسطين؟

  لن نأتي بجديد هنا إذا قلنا بان النضال الفلسطيني ضد الاستعمار الإسرائيلي المتمثل في احتلال فلسطين وطرد جزء كبير من الفلسطينيين، وسياسات التهجير وتدمير البيوت، والقيود على الشعب الفلسطيني، وسلسلة الحروب العدوانية، ومصادرة الأراضي، وبناء المستعمرات، وسياسة الفصل العنصري عبر بناء جدار الفصل في فلسطين وهو الملمح الأبرز في هذا الفصل العنصري، والتضامن والدعم للشعب الفلسطيني البارز في محافل واهتمام المنتدى الاجتماعي العالمي، ففي كل منتدى كان الموضوع الفلسطيني بارزا على كل المستويات، سواء في دائرة النقاشات، وورش العمل أو في دائرة الحراك المفتوح عبر إبراز التضامن من خلال اليافطات، والبوسترات والشعارات والكلمات من بداية المسيرات الافتتاحية وحتى المسيرات الختامية، فالقضية الفلسطينية هي بحق ذات اهتمام في أنشطة المنتديات الاجتماعية سواء العالمية أو الإقليمية أو الوطنية، هذه حقيقة نود هنا تأكيدها فهي ليست بجديدة. وعدالة القضية الفلسطينية جعلت منها  قضية عالمية بامتياز.


  ففي المنتدى الاجتماعي العالمي في العام 2009  في مدينة بليم عاصمة الأمازون شمال البرازيل، كانت القضية الفلسطينية معلما مهما في المنتدى، الأمر الذي جعل العديد من الحضور يصف المنتدى بأنه تضامني مع الشعب الفلسطيني بشكل كبير، ومع غزة تحديدا خاصة وان أعمال المنتدى جاءت بعد انتهاء  الحرب بأسبوعين فقط. إذن هو حدث يعبر عن تضامن المنتدى الاجتماعي العالمي مع القضية الفلسطينية ومع كفاح الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه، هذا في الجوهر السياسي الاجتماعي، ومن بوابة التعليم التي لطالما عانى الشعب الفلسطيني ولا زال من إجراءات الاستعمار الإسرائيلي في محاولة  طمس الهوية الوطنية من خلال القيود على المناهج التعليمية، ومن خلال القيود المستمرة لإضعاف وتدمير التعليم في فلسطين، على شكل إغلاق المدارس والجامعات، القيود على الحركة عبر الحواجز ومنع التجول، استهداف المؤسسات التعليمية بالتدمير والقصف وما حصل في الحرب الأخيرة على غزة هو نموذج لهذا الاستهداف، ملاحقة النشطاء النقابيون في المدارس والجامعات، منع الشباب من السفر للتعليم أو استكمال تعليمهم في الجامعات في الخارج... الخ، إن استهداف إسرائيل للعملية التعليمية في فلسطين تكاد تكون أحد أبرز السياسات منذ اليوم الأول للاحتلال. إنها سياسة هدفها التجهيل واحتجاز مسيرة التطور والنمو، ومحاولة لمنع الفلسطينين من امتلاك المعرفة، ولقد شكلت العملية التعليمية والتربوية احد اهم ساحات الصراع بين إرادتين، إرادة الاحتلال وإرادة الشعب الفلسطيني، ولا زال الصراع بينهما مستمرا.


بداية الفكرة وتطورها

  من هنا فان إرهاصات ما نحن بصدده اليوم في التحضيرات للمنتدى الاجتماعي التربوي العالمي في فلسطين تعود إلى ذلك المنتدى في بيليم والتفكير في عمل تضامني من قبل المنتدى في فلسطين، وكانت هذه الفكرة التي عملت عليها حركة البدائل الدولية كأحد أهم مكونات المنتدى الاجتماعي العالمي، والتي  اختمرت وبدأ النقاش العملي في تنظيم الحدث في اجتماعات اللجنة الدولية للمنتدى الاجتماعي العالمي في مونتريال أواخر العام 2009. ولقد لاقت الفكرة احتضان من قبل المؤسسات الاجتماعية الفلسطينية، لتشكل ورشة العمل التي عقدت في رام الله بمشاركة فعالة من قبل اللجنة الدولية الخاصة بالمنتدى والتي حضر العديد من نشطائها إلى فلسطيني لتعميق النقاش مع اللجنة الوطنية للمنتدى التربوي في فلسطين، وللحقيقة فان هذا النقاش شكل نقطة الانطلاق واخراجه من الحوار والجدل إلى التلامس مع الجانب العملي له. وفورا بدأ العمل على توسيع اللجان وإشراك اكبر عدد من المهتمين في كل المواقع، ولوحظ الاندفاع من الجميع نحو تحقيق المنتدى وإنجاحه. إن حالة التحشيد للمنتدى لدى مؤسسات المجتمع المدني والأطر السياسية لهي دليل عافية على مدى الإدراك الفلسطيني لأهمية هذا النوع من النشاطات والمنتديات، المرتبط برؤية اجتماعية-سياسية-تربوية ذات مضمون انساني حقيقي يعالج العديد من المفاهيم والأطر التي هي موضوعيا جد ضرورية في ظل تزايد واتساع الإشكاليات الاجتماعية والسياسية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية بسبب السياسات النيوليرالية التي تعمق يوميا من هذه المشاكل، وتجعل حياة السواد الأكبر من البشرية صعبة وقاسية، وتزيد من انسداد الأفق بسبب فشل كل برامج هذه السياسات، مما يؤكد ضرورة وأهمية الخيارات البديلة، ذات البعد الإنساني المبني على الاحترام المتبادل بين الناس والدول، والعدالة الاجتماعية الحقيقية على طريق حياة أفضل للبشرية. ولأننا نحن الفلسطينيون نكتوي ومنذ عقود طويلة بهذه السياسات النيوليبرالية والرأسمالية الراعية والحاضنة والداعمة للاحتلال الإسرائيلي لأرضنا، وكل ما لحق بنا ولا زال من عذابات معروفة للجميع، فإننا نعرف كم هي مهمة وضرورية العدالة الاجتماعية وكم هي مهمة الحركة البديلة للسياسات الاحتلالية والنيوليبرالية والحروب والقمع والفقر...الخ. من هنا لا نستغرب هذا لالتفاف المؤسساتي الواسع حول المنتدى الاجتماعي التربوي في فلسطين، الأمر الذي يجعلنا نقول بان المنتدى في فلسطين قد بدأ فعليا، وان حالة الحراك القائمة من خلال الاجتماعات، التحضيرات، التوعية ما هي إلا حلقات في المنتدى كعملية متراكمة .

 

ما الذي  نأمل ونرجو تحقيقه فلسطينيا من المنتدى؟

  إلى الهدف الأكثر وضوح من المنتدى وهو انه يشكل حلقة واسعة من التضامن مع الشعب الفلسطيني من قبل المنتدى الاجتماعي العالمي والحركات الاجتماعية والحقوقية والتربوية العالمية، فإننا نعمل على أهداف أخرى نأمل أن نحققها من المنتدى، مثل تفعيل وتأطير التبادل في المعارف والخبرات وخاصة على المستوى التربوي، واستلهام التجارب الغنية لدى الأصدقاء على المستوى الدولي وأيضا إبراز تجربتنا الخاصة بحكم خصوصية الحالة الفلسطينية، والتي هي رغم سياسات الاحتلال فإنها غنية أيضا في الإبداعات الخلاقة التي من الضروري أن تكون مجال للنقاش في محاور المنتدى، فإننا نأمل إن يحقق المنتدى تقوية وتفعيل وتمكين للحركة الاجتماعية الفلسطينية، وتوحيد جهودها ضمن رؤية مفاهيمية وبرنامجية لصالح القطاعات الاجتماعية الفلسطينية والتي تمثلها هذه الحركات، مثل قطاع الطلبة، المرأة، العمال، المزارعين، المعلمين...الخ. والعمل على مأسسة اجتماعية للدفاع عن حقوقهم ومطالبهم، وكذلك نأمل بان يكون المنتدى محطة انطلاق لمنتدى اجتماعي فلسطيني جامع وموحد للقطاعات والنشطاء والحركات على قاعدة المبادئ والقيم الديمقراطية. ومن الواضح من خلال النقاشات الجمعية لدى هياكل المنتدى التربوي سواء اللجنة الوطنية ولجان البرامج والسكرتارية والتنفيذية بان هذه العناوين حاضرة في الذهن، إن تحقيقها ليس بالمستحيل والصعب، بل هي بحاجة إلى إرادة جماعية عند الحركات الفلسطينية. وإذا ما تحققت هذه الأهداف وجزء منها قد تحقق من خلال التركيم اليومي في العمل الجماعي والتحضير للمنتدى فإننا سنكون إزاء انجاز جد عظيم ومهم يؤسس لمستقبل مشرق للحركة الاجتماعية الفلسطينية. ويمكننا حينها أن ندعي ونقول بان الحلم قد تحقق!