العودة الى المفاوضات المباشرة.. استئناف الدوران في الساقية
يجلب الدوران في الساقية الماء من قعر البئر، فيشرب الجمل وصاحبه، أما في الحالة الفلسطينية فالوضع مختلف ، فعلى الرغم من كون الفلسطينيين هم من يدورون دونما كلل، إلا انه لا يبل لأي منهم رمق..فالماء لإسرائيل وحدها، ولهم التعب والغثيان.
بعد تمنع " طويل نسبيا "أعطت الأنظمة العربية " المعتدلة" الضوء الأخضر لمحمود عباس للعودة للمفاوضات المباشرة مع حكومة نتينياهو، كانت أيام ما بين تمترس النظام العربي خلف موقف رافض للعودة للمفاوضات دون تحديد مرجعيات لها، وما بين مشهد انكشاف العورات الذي برع فيه تصويره الراحل الكبير ناجي العلي، فقد شدد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية خلال الأسابيع الأخيرة على أن العودة للمفاوضات مع إسرائيل لن تتم إلا بناء على جملة من الشروط التي تضمن عدم إضاعة وقت أخر في مفاوضات ماراثونية اعتادت إسرائيل عليها منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو، وما هي إلا أيام حتى خانت الكلمات الجميع فلاذوا بالصمت.
ولأننا لا نضرب في الرمل.. بل تعلمنا من سيرة النظام العربي الرسمي وكذلك قيادة السلطة الفلسطينية، لم نراهن ولو للحظة على مبدئية ذلك الموقف، الذي أصيب أصحابه بالإعياء من كثرة تكراره في محاولة إقناع الشعب الفلسطيني بأنه موقف صلب ولا مجال للتراجع عنه، لقد كان هذا السيناريو متوقعا بل وبديهيا، خاصة في أعقاب زيارة نيتنياهو الأخيرة الى البيت الأبيض، لتنقلب المعادلة، ولتتحول ماكنة السياسة الأمريكية تجاه حلفائها العرب وقيادة السلطة الفلسطينية آمرة إياهم للذهاب في مفاوضات مباشرة دونما حد ادني من الضمانات بعدم تكرار تجربة المفاوضات السابقة أبان أوسلو وما تلاه.
فما كان من السلطة الفلسطينية إلا العودة للاسطوانة ذاتها " نحن تحت ضغوط لا تحتملها الجبال"، حيث لم يعد لدي قيادة السلطة الفلسطينية إلا استخدام مبرر ضعفها لتشرعن ممارستها السياسية، وكأن السياسة مجال خال من الضغوط..رغم كونها موضوع الضغوط ذاته، بين من يمارس الضغط وبين من يحتمل، وفي محاولة لترجمة تلك الضغوط في لغة أضحت مخيفة لمن يرفع شعار " بدنا نعيش" لتمرير الموقف، تستطرد الاسطوانة بما يلي: " تهديد أمريكي بفرض عزلة على السلطة الفلسطينية وإيقاف المال وتحميلها فشل عملية السلام، ولهذا لا سبيل إلا العودة للمفاوضات المباشرة مع نتينياهو وليبرمان، فعلى الأقل من خاف سلم"، ونسي تجميد الاستيطان والاتفاق على مسألتي الأمن والحدود أو تحديد مرجعيات التفاوض، بعد أن كانت نتيجة المفاوضات غير المباشرة صفرا كبيرا، كما صرح محمد دحلان عضو مركزية حركة فتح.
وبهذا الخوف تقدم مرة أخرى أطواق النجاة لإسرائيل وحكومتها، فعبد أن وصلت الى أسوء لحظات الانكشاف في تاريخها أمام العالم كدولة مجرمة وخارجة على القانون، إثر حربها على غزة واقترافها جريمة أسطول الحرية، بكل ما رافق ذلك من شعور عارم بالعزلة، ها هي الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية يخرجون الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفا من أزمتها، وقريبا جدا سيفرش السجاد الأحمر ليمر عليه نتينياهو يتبعه ليبرمان نحو طاولة السلام للتفاوض مع الفلسطينيين لتحقيق السلام المزعوم.
خدمات وتنازلات بالمجان تقدمها قيادة السلطة الفلسطينية المهيمنة على القرار السياسي الفلسطيني أو الشبه فلسطيني وبغطاء عربي، من خلال الخنوع للضغوط الأمريكية التي سرعان ما تتحول الى ضغوط عربية تلهج بلسان حال الولايات المتحدة وإسرائيل، ومرة أخرى تظهر القضية الفلسطينية أفضل أوراق اللعب بوضوح منقطع النظير، فالرئيس الأمريكي مقبل على الانتخابات النصفية ولا حول ولا قوة لديه للضغط على أحد.. إلا العرب والفلسطينيين، فهو أمام سلسلة الإخفاقات الأمريكية بدء من سوء إدارة الأزمة الاقتصادية المستمرة رغم ما يقال عن تحسن أداء الاقتصاد الأمريكي، وتعثر الأوضاع في العراق، والمحنة في أفغانستان، والحيرة في التعامل مع الملف الإيراني، كل ذلك يجعله بحاجة لتقديم انجازات من ضمنها إعادة العملية السلمية في الشرق الأوسط الى مسارها المعتاد، وتعزيز أمن إسرائيل، أما إسرائيل فتقدم نفسها حمامة للسلام لتؤمن مخططاتها الرامية الى استهداف إيران وحزب الله وحماس عندما تحين اللحظة المناسبة، كما وينجح نتنياهو رغم كل تطرف حكومته وتجاهلها للمجتمع الدولي، ينجح في ليّ يد اوباما مرة أخرى، مجبرا إياه على التراجع وعوده التي قطعها على نفسه منذ خطابه الشهير في القاهرة، ليسير في ركب الرؤساء الأمريكيين السابقين، في الاستسلام للإرادة الإسرائيلية وتساهل الضغط على الطرف الفلسطيني والعربي لتقديم تنازلات جديدة، وهو الذي ظهر إفلاسه وعدم وجود شيء أخر يتنازل عنه منذ أمد بعيد، أما الأنظمة العربية التي تطيع وتخضع فهي بذلك تجدد شرعية وجودها بقوة وحماية أمريكا، وأخيرا فإن قيادة السلطة الفلسطينية ستحافظ على امتيازاتها، ليبقى الشعب الفلسطيني يدور في الساقية وحيدا .. ولكن الى حين..



