السبت 04 شباط/فبراير، 2012

مقالات

خياراتُ الفلسطينيين بعد 26 كانون الثّاني

 

hany_msry

إن تأجيل اجتماع لجنة المنظمة بعد فشل "لقاءات عمّان" بدلًا من المسارعة إلى عقدها، يؤكد على أنّها ليست الإطار القياديّ المؤقت للمنظمة، ولا تحظى بالأولويّة التي تقتضي تغليب اجتماعاتها على مواعيد الرئيس الأخرى، ولا هي الجهة المعنيّة بتحديد خيارات المنظّمة بعد 26 كانون الثاني.
وإذا تُرِكَتْ المسألة، كما نلاحظ، بيد لجنة المتابعة العربيّة، فسيكون الموقف واضحًا، وهو ضرورة استمرار المفاوضات، سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر (تقريبيّة، أو استكشافيّة، أو عن بعد)، بحجج معلنة أو مستترة، بأن البديل عن المفاوضات غير جاهز ومكلّف جدًا، وسيؤدي إلى توتير العلاقات بين الفلسطينيين والعرب من جهة، وبين الولايات المتحدة الأميركيّة وإسرائيل وأوروبا من جهة أخرى، في مرحلة العرب هم أحوج ما يكونون إلى أحسن العلاقات معهم في ظل المتغيرات العربيّة والإقليميّة والدوليّة، خصوصًا في ظل ما يحدث في سوريا والعراق، واحتمال تصاعد المواجهة مع إيران بعد تشديد العقوبات عليها، الأمر الذي قد يدفع الأمور نحو الحرب.
أما إذا تم التعامل مع المسألة بوصفها قضيّة فلسطينيّة عربيّة، وأن الفلسطينيين هم المكتوون بنار الاحتلال والاستيطان والجدار والحصار والشتات والتمييز العنصري، والمعرّضون للتهجير الطوعي والقسري، فإنّهم مطالبون ببناء بديل متكامل ليذهبوا به إلى العرب، حكّامًا وشعوبًا. بديل فعلي عن خيار المفاوضات الثنائيّة بكل أشكالها، لأن المفاوضات فشلت سابقًا، وحاليًا، وستفشل لاحقًا بسبب الاختلال الفادح في ميزان القوى، ولأن إسرائيل، وليس فقط الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة، متعنتة، وغير مستعدة لعرض أو قبول أي حل يحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة.
حتى الحل القائم على مقايضة الدولة بحق العودة ترفضه إسرائيل، وأقصى ما يمكن أن توافق عليه حكم ذاتيّ يسمى "دولة فلسطينيّة" مقطعة الأوصال من دون القدس وأحواض المياه، وبحيث تضم إسرائيل الكتل الاستيطانيّة الكبرى إليها، وتسيطر على الأغوار، وحدودها ستكون في أحسن الأحوال حدود الجدار. فما طرحه مولخو على عريقات في "لقاءات عمان" ليس جديدًا، وإنما هو تكرار للاءات الإسرائيليّة التي يُجْمِعُ عليها الاتجاه المركزي الحاسم في إسرائيل داخل الحكومة والمعارضة.
تأسيسًا على ما تقدم، فالمطروح على الفلسطينيين فعليًا هو استمرار الأمر الواقع، وما يعنيه ذلك من تعليق المفاوضات حينًا واستئنافها حينًا آخر، بشكل مباشر أو غير مباشر، مقابل خطوات بناء الثقة أو من دونها، فحتى هذه الرشوة ليست مضمونة، ولا تشمل الإفراج عن الأسرى القدامى وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 28/9/2000، أي قبل اندلاع الانتفاضة الثانية كما نصت خارطة الطريق الدوليّة المطروحة منذ حوالي ثماني سنوات.
فحكومة نتنياهو لم توافق حتى الآن على منح الفلسطينيين خطوات بناء الثقة، وتربط تقديمها أو أجزاء منها بالتزام الفلسطينيين بشروط تعجيزيّة، مثل تعهدهم باستئناف المفاوضات المباشرة، ووقف التوجه إلى الأمم المتحدة، وربط تحقيق المصالحة بموافقة "حماس" أو حكومة الوفاق الوطنيّ على شروط اللجنة الرباعيّة.
إسرائيل مرتاحة بالرغم من بعض المنغصات، ولا تخشى من أن تدفع ثمنًا كبيرًا لا تقدر عليه، خاصة في هذا العام، في ظل أن الولايات المتحدة الأميركيّة تمر بعام التحضير للانتخابات الرئاسيّة، حيث تشهد تنافسًا محمومًا بين الرئيس أوباما ومرشح الحزب الجمهوري على كسب ود إسرائيل.
حتى يكون الموقف الفلسطيني على مستوى التحديات والمخاطر، يجب المسارعة إلى عقد حوار وطنيّ شامل يهدف إلى بلورة إستراتيجيّة بديلة متكاملة، وتشكيل إطار قيادي مؤقت لمنظمة التحرير؛ يقود الوضع الفلسطينيّ إلى حين إجراء انتخابات المجلس الوطنيّ، وإيجاد مؤسسة تمثيليّة جامعة. إن مشاركة أعضاء اللجنة التتنفيذيّة في الإطار المؤقت ومراعاة أن يصدر ما يتفق عليه وطنيًا من خلال القيادة الشرعيّة المعترف بها للمنظمة، يحل مشكلة تنازع الصلاحيات والسلطات التي يمكن أن تنجم عن وجود مؤسستين قياديتين في نفس الوقت.
أما تعليق المصالحة وتحويلها إلى "عمليّة" من دون مصالحة، وإلى التواطؤ الفعلي على إدارة الانقسام وليس إنهائه نتيجةً لربطها بالمفاوضات ومستقبلها، والمتغيرات العربيّة، وتأجيل اجتماع لجنة المنظمة، وربط الموقف الفلسطيني بالموقف العربي؛ يدل على عدم وجود قناعة عميقة واستعدادات جديّة حقيقيّة لبلورة خيارات بديلة.
لذا من المتوقع أن تكتفي القيادة بتأكيد تمسكها بخيار المفاوضات وشروطها لاستئنافها مع عدم معارضة المفاوضات غير المباشرة، والاكتفاء بالتهديد بالخيارات الأخرى، ويمكن ممارسة بعضها بشكل انتقائي في ضوء الضغوط الداخليّة والخارجيّة، مثل: التوجه إلى الأمم المتحدة لطرح موضوع الاستيطان، أو طلب التصويت على الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن، أو طلب الحمايّة الدوليّة وانطباق اتفاقيّة جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينيّة المحتلة، أو التقدم "السلحفائي" للمصالحة، أو التلويح بالمقاومة الشعبيّة، بحيث تندرج جميع هذه الخيارات في سياق استخدامها كأوراق تكتيكيّة من أجل استئناف المفاوضات، وتحسين شروطها، وليس البحث الجدي عن السير في طريق بديل عنها مع وجود إمكانيات واقعيّة لنقل ملف القضيّة الفلسطينيّة برمته إلى الأمم المتحدة ، باعتبارها قضيّة تحرر وطني، وليست قضيّة إقامة "مؤسسات دولة" تحت الاحتلال على جزء من أرض فلسطين.
إن تقديم وثيقة فلسطينيّة حول الحدود والأمن في "لقاءات عمان" تضمنت نفس التنازلات السابقة وتصريحات الرئيس "أبو مازن" بأن المفاوضات يمكن أن تستأنف إذا اعترفت الحكومة الإسرائيليّة بحدود الدولة الفلسطينيّة، أي بإسقاط مطلبي وقف الاستيطان وإطلاق سراح الأسرى؛ تدلان على استمرار نهج الرهان على المفاوضات الثنائيّة رغم حصاد الفشل المتواصل، والتبرير الذي يساق لتقديم هذا التنازل. إن هذا الموقف يضع الحكومة الإسرائيليّة في الزاويّة، ويكشفها على حقيقتها أمام العالم كله، ويعفي الجانب الفلسطيني من أي مسؤوليّة عن فشل "لقاءات عمان"، مع أن ما يحدث في الحقيقة أن التنازلات المجانيّة تفتح شهيّة إسرائيل للمطالبة بالمزيد من التنازلات، وتستدعي المزيد من الضغوط الدوليّة الراميّة إلى استئناف المفاوضات دون شروط بحجة أنها أهون الشرين.
إن المفاوضات شكل من أشكال العمل السياسيّ وكل الثورات مرت بها، مثلما مرت بها الثورة الفلسطينيّة، ولكن المفاوضات حتى تتوصل إلى اتفاق يشكل مساومة مشروعة ومقبولة، يجب أن يتوفر لها شروط، أهمها استعداد الجانبين للمساومة.
أما أن يكون الفلسطينيون، وهم أصحاب الحق غير القابل للمساومة، وهم الطرف الضعيف الذي قدم تنازلات تاريخيّة، مثل: الاعتراف بإسرائيل، ونبذ العنف والإرهاب، والالتزام بالاتفاقيات ولو من جانب واحد، والموافقة على مبدأ تبادل الأراضي وحل مشكلة اللاجئين حلًا متفقًا عليه، يشمل عودة رمزيّة لعدد محدد من الفلسطينيين إلى أراضي 1948، ورمي سلاحي المقاطعة والمقاومة، واللجوء إلى الأمم المتحدة والقانون الدولي لفترة طويلة رغم استمرار إسرائيل بفرض الحقائق الاحتلاليّة على الأرض؛ فهذا لا يفتح الطريق نحو المساومة المشروعة وإنما إلى الاستسلام.
لابد من تغير قواعد الصراع التي حكمت عمليّة السلام، خصوصًا منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن، والسعي إلى فرض قواعد جديدة. وهذه عمليّة صعبة وطويلة وتدريجيّة، ولكن يجب توفر الإرادة السياسيّة الفلسطينيّة اللازمة لتحقيقها.
وإذا توفرت الإرادة السياسيّة يمكن بلورة رؤيّة إستراتيجيّة بديلة متكاملة لا ترفض المفاوضات من حيث المبدأ، وإنما ترسم متى وكيف ولماذا وحول ماذا ستجري المفاوضات؟ وتعرف جيدًا أنه لا يمكن الحصول على طاولة المفاوضات على شيء لا تستطيع فرضه على الأرض. فالذي يجب أن يذهب إلى المفاوضات عليه أن يكون مسلحًا بأوراق القوة والضغط لتوظيفها على طاولة المفاوضات. أما الذي يذهب ضعيفًا دون قوة كافيّة، فعليه أن يرضى بما يُطرح عليه، أو يقبل استمرار عمليّة السلام كـ"عمليّة" من دون سلام، وأن تكون المفاوضات من أجل المفاوضات لإدارة الصراع وليس حله، أي غايّة بحد ذاتها تهدف إلى قطع الطريق على نشوء خيارات وبدائل أخرى.
هناك من يكتب من الُكتّاب العرب بأن لا خيارات أمام الفلسطينيين سوى المفاوضات، وأن رهانهم على العرب أو على صعود الإسلام السياسي وعلى المتغيرات اللإقليميّة والدوليّة رهان على السراب، وينسون أن ما يدعوننا إليه من عودة إلى خيار المفاوضات بكل الظروف وبأي ثمن خيار جربناه منذ أكثر من عشرين عامًا، ولم نحصد منه سوى الريح والفشل الذريع وتعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان والانقسام.
الرهان أولًا على الشعب واستعداده للكفاح لتحقيق أهدافه الوطنيّة، مستتدًا إلى أن قضيته عادلة، وأنها قضيّة عربيّة وإنسانيّة تحرريّة يفتح أمامها الآن فضاءً إستراتيجيًّا رحبًا بعد تراجع الدور الأميركي والإسرائيلي في المنطقة، وبعد الثورات والتغييرات العربيّة التي أخرجت المواطن العربي إلى الشارع وإدراكه أنّه قادرٌ على التغيير.
يمكن ويجب إعطاء الأولويّة الحاسمة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة على أساس برنامجٍ سياسيٍ يجسّد القواسم المشتركة، ويعيد الاعتبار للمقاومة المثمرة، ويفتح الطريق لإعادة تشكيل المنظمة بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي، ولتوحيد وتفعيل وإصلاح المؤسسات السياسيّة والأمنيّة والتشريعيّة، وعلى كل المستويات والأصعدة، وتشكيل حكومة وفاق وطني مهمتها إعادة النظر في شكل ووظائف والتزامات السلطة، وخدمة المواطن الفلسطينيّ، والتحضير للانتخابات بوصفها شكلًا من أشكال النضال لإزالة الاحتلال، وليس لتشريعه وإدامته.

 

مجلس ثورى رئاسى يتسلم السلطة

 

nwall

أتابع ما يكتبه كثير من المفكرين السياسيين فى الصحف، من حلول يقترحونها لحل ما يسمونه الأزمة الراهنة، بين القوى الثلاث الموجودة فى الساحة المصرية، وتشمل المجلس العسكرى برئاسة المشير طنطاوى، والإخوان المسلمين وتيارهم الدينى الذى سيطر على مجلس الشعب، والثوار الملايين فى الشوارع والميادين ومنها ميدان التحرير، كأنما يدورون حول أنفسهم فى حلقة مفرغة، دون حلول جذرية ثورية، لا ينصتون إلى صوت الملايين، كلهم يدعون التحامهم فى الميدان بالثوار، ثم ما إن يعودوا إلى بيوتهم وقصورهم ليفكروا، إذا بالثوار تذروهم الرياح، ولا يبقى أمامهم إلا المجلس العسكرى والإخوان.

إنه داء النخبة المسيطرة على الإعلام والسياسة فى كل عهد، ليس له دواء إلا نخبة من الثوار والثائرات، نخبة جديدة تنظم نفسها فى وحدة قوية تفرض نفسها، باسم المجلس الرئاسى الثورى المدنى، يتولى إدارة المرحلة الانتقالية بدلاً من المجلس العسكرى والمجلس الاستشارى والمجلس الإخوانى والسلفى وغيرهم، ممن صعدوا إلى السلطة على جثث الآلاف من الثوار والثائرات ودمائهم ونور عيونهم، قبل أن يغادر الثوار ميدان التحرير عليهم أن يعلنوا عن تشكيل مجلسهم الثورى الرئاسى، من خمسين مثلا، وخمسة آخرين من الشخصيات ذات التاريخ فى النضال السياسى والفكرى والاجتماعى والاقتصادى والقانونى وغيرها من المجالات يقدمون خبرتهم الطويلة للمجلس الرئاسى الثورى دون ترشيح أنفسهم للرئاسة أو أى منصب فى الحكم، مما يؤكد أنهم يعملون لصالح الوطن وليس للمنصب.

يسد هذا المجلس الرئاسى الثورى المدنى (٥٥ عضوا تقريبا) الفراغ الناتج عن رحيل المجلس العسكرى (بناء على طلب الشعب) وغياب رئيس جمهورية منتخب، وغياب دستور جديد ثورى، وغياب رئيس برلمان ثورى يمثل الشعب كله وليس جماعة الإخوان والسلفيين،

نجحت الملايين من الشعب المصرى، المتحدة المنظمة، يوم الأربعاء ٢٥ يناير ٢٠١٢، فى إعادة الحيوية والأمل والقوة إلى الثورة المصرية.

اتضح من التجربة أن أكبر خطأ وقعت فيه الثورة، أنها تركت مبارك بعد خلعه ليعين المجلس العسكرى خلفا له فى الحكم، وكان المفروض أن ينبثق من الثوار أنفسهم مجلس ثورى مدنى يتسلم السلطة، حتى يتم وضع دستور ثورى جديد، يكون الحجر الأساسى للعمل السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى والتعليمى والقانونى، لوضع القوانين الجديدة التى تحقق أهداف الثورة، وتخدم مصالح الشعب المصرى بالتساوى بين جميع المواطنين، دون تفرقة.

اتضح من تجربة العام الماضى أن محاولات كثيرة تمت لإجهاض الثورة وإفراغها من معناها، بل حاول القائمون على الحكم، وإعلامهم المخادع، وأحزابهم التابعة، وانتخاباتهم الصورية، ومجالسهم الورقية، وفلولهم المتحولة والمتلونة، تصوير الذكرى الأولى على أنها احتفال تأبين الثورة، وليس تجديدها وإحيائها والتصميم على استمرارها حتى تحقق أهدافها جميعا، ومنها أن يسلم المجلس العسكرى السلطة للمدنيين.

من هم المدنيون الذين يتسلمون السلطة؟


من البديهى ألا يترك الثوار القيادة لغيرهم من المدنيين أو العسكريين، وإلا تكررت المآسى التى حدثت طوال العام الماضى، من قتل وسحل وحبس وتعذيب وتشويه السمعة وغيرها.

وهذا هو ما حدث، أو كاد يحدث للثورة المصرية، من تبديد لطاقتها خلال العام الماضى، لولا خروج الملايين الأربعاء ٢٥ يناير ٢٠١٢، هذا الخروج التلقائى المبهر الذى أدهش العالم مرة أخرى، بل أدهشنا نحن أنفسنا، الذين وجدنا أنفسنا وسط الملايين.. يندهش الشعب حين يكتشف قوته الكامنة العملاقة، كما يندهش الإنسان الفرد حين يكسر حاجز الخوف وينطلق المارد العملاق الكامن داخله، لا شىء مثل الخوف يضعف الشعب أو الإنسان الفرد.. لا شىء مثل الخوف يجبر الشعب أو الفرد، الرجل أو المرأة، على الخضوع للسلطة المستبدة وقبول الهوان.

صديقتى الحميمة ترددت فى الخروج يوم الأربعاء، خوفا مما يحدث كما سمعت فى الإعلام المصرى، «قالت لى» خايفة يا نوال قلت لها العبارة التى سمعتها فى طفولتى من جدتى الفلاحة «اللى يخاف من العفريت يطلع له»، تصورت أنها لن تخرج ثم دهشت حين رأيتها وسط الملايين فى ميدان التحرير تهتف «يسقط يسقط حكم العسكر»، كانت ترتدى حول رأسها شيئا لا يشبه الحجاب ولا القبعة، تصورت أنها ارتدت طاقية الإخفاء أو لفت حول رأسها رباطا مضادا للرصاص، ثم اتضح أنه غطاء من الصوف الرصاصى السميك مضاد للبرد، هذه السيدة تجاوزت الستين من عمرها، ربة بيت ليس لها فى السياسة، لكنها خرجت إلى الشارع مع الملايين، هذا هو الشعب المصرى فى قدرته الإبداعية على الثورة وكسر حواجز الخوف المتراكمة قرونا لكن الثورة اليوم أصبحت فى حاجة إلى قيادة من داخلها، إلى مجلس ثورى يشكله الثوار الحقيقيون من أنفسهم.

 

النظام العربي يسترهن الأمة بالتدويل ..والحكم السوري مع الإصلاح.. بالنار!

 

talal_slman

للمرة الثانية خلال ستة أشهر يقف أهل النظام العربي على باب مجلس الأمن الدولي مقرين بعجزهم عن مواجهة الأزمات المصيرية التي يتحملون، منفردين ومجتمعين المسؤولية عن انفجارها وتفاقم مخاطرها على «الأمة» جميعاً، في حاضرها ومستقبلها.

في المرة الأولى دفع أهل النظام بجامعة دولهم، التي لم يمكنوها يوماً من ان تقوم بمهمتها المفترضة أو المرتجاة، لأن تذهب بمصير ليبيا، دولة وشعباً وثروات، إلى المؤسسة الدولية المخضعة لهيمنة أميركية مطلقة، وبالتالي إلى نفوذ إسرائيلي مؤكد. فكان ان أحيلت المهمة إلى أساطيل الحلف الأطلسي الذي تولى إبادة ما كان تبقى من «الدولة» وإن حرص على حماية النفط بحقول المنابع وخطوط النقل وموانئ التصدير إلى الغرب الذي يحتاجه بقدر حاجته إلى الهواء. ولا ضير في ان تتسبب هذه المهمة الإنقاذية النبيلة في حرب أهلية مفتوحة بين الليبيين الذين فرض عليهم «العقيد» ان يبقوا قبائل وعشائر وأعراقاً متنابذة.

كل ما في الأمر ان الجامعة المستقيلة من دورها بعدما هيمن عليها حكام الذهب الأسود قد ارتضت ان يركبوها مستظلين شرعيتها المعنوية للذهاب إلى مجلس الأمن (الأميركي) لتأديب حاكم ليبيا الذي كان يذلهم بأسباب قوتهم ذاتها: النفط و«صداقة» واشنطن و«حاجة» أوروبا إليه.

وها هم اليوم يكررون فعلتهم النكراء فتذهب الجامعة التي تحرص على تأكيد عروبتها بكوفية الحاكم النفطي المبادر إلى تقديم أرضه لأكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط وكذلك إلى فتح سفارة للعدو الإسرائيلي تحت مسمى «مكتب تمثيل تجاري»، إلى مجلس الأمن طالبة تأديب النظام السوري بعزل رئيسه كمدخل إلى وقف الحرب الأهلية التي تتهدد البلاد.

وسيكون وفد الجامعة المعزز بالكوفية القطرية المذهبة «المحلل الشرعي» لدخول المعارضة السورية ذات الواجهة المدنية والثقل الميداني الإسلامي إلى مجلس الأمن الدولي، ولو كشاهد فصيح من موقع اغترابه الدولي.

على ان هذا لا ينفي ولا يجوز ان ينفي أو يخفف من مسؤولية النظام عن المذبحة المفتوحة في سوريا واستمرارها، بل وتفاقمها الخطير في الأيام القليلة الماضية بما جعل مهمة المراقبين العرب مستحيلة إذا ما اعتبرنا انها انما تقتصر على «الشهادة» بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع إلى هاوية الحرب الأهلية، أي بما يفترض ان يمهد للتسوية السياسية العتيدة عبر الحوار الوطني المعلق على عتبة إصلاح موعود ما ان تطل عناوينه حتى تنسف مضامينه.

إن سوريا تغرق في دماء أبنائها، بما يهدد وحدتها الوطنية بالتفكك، ويدمر منجزات شعبها العظيم في مجالات العمران والصناعة والزراعة والثقافة، فضلاً عن دوره المجيد في رفع راية العروبة ومبادرته إلى نصرة شعب فلسطين بالمجاهدين منذ ثورة 1936، ومع التأكيد على ضلوع «الخارج»، عربياً وتركياً وغربياً، في تشجيع الخروج على النظام، فإن القيادة السياسية لم تستدرك فتبادر إلى الإصلاح الذي وعدت به مراراً ثم تأخرت في إنجازه، وما تزال تطلق الوعود من دون ان تتوقف عن اطلاق النار، لكي تؤكد جديتها في معالجة الأزمة الدموية التي تكاد تذهب بسوريا، دولة منيعة بقوة وحدتها الوطنية التي ظلت تستعصي على محاولات إثارة الفتنة أو الارتهان للخارج.

وبالتأكيد فإن التأخير المتكرر لفتح أبواب الحوار مع المعارضة الوطنية في الداخل بأطيافها جميعاً ومن ضمنه بعض من في الخارج، وكلهم يحمل شهادة صموده الوطني سنوات من الاعتقال الكيفي في سجون السلطة، يكشف عجز النظام أو عدم رغبته في إنجاز حل سياسي يحمي وحدة البلاد ودولتها.

ثم ان هذا التعنت في رفض الحوار كمدخل جدي إلى إصلاح سياسي شامل مع العجز المؤكد للحل العسكري الذي يبدو ان النظام قد اعتمده عن حسم الأزمة الوطنية الخطيرة، سيزيد من قدرة «الخارج» على التدخل، وهذه المرة بذريعة حماية الكيانات المجاورة من خطر تمدد الحرب الأهلية التي يراد لها ان تتمظهر كفتنة طائفية.
وهكذا يتم التركيز المنهجي على «الدور الإيراني» في الأزمة السورية، بقصد تعزيز الجهد لتطئيفها، ثم يضاف دور مزعوم لـ«حزب الله»، قبل ان يتنبه «الإسلاميون» إلى ضرورة الجمع بين النظام السوري والحكم في العراق على قاعدة مذهبية، ويسهل ضم الأزمة الوطنية الدموية في البحرين فضلاً عن اليمن، فإذا هي «الفتنة الكبرى» بنسخة عصرية..

يصبح منطقياً، والحال هذه، ان نقرأ في هذا اللقاء الذي احتشد له أركان مجلس التعاون الخليجي مع المسؤولين الأتراك في أنقرة، دلالات تتجاوز التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي، إلى التوحد في جبهة سياسية لها شعارها المذهبي الواضح، في مواجهة إيران، ومعها النظام السوري... و«حزب الله» في لبنان الذي لا بد من تأديبه، بشكل خاص، لأنه تصدى للحرب الإسرائيلية فهزمها، متحملاً نقمة أهل النظام العربي عليه وقد تحولت إلى حرب مفتوحة، ويصبح منطقياً، بالتالي، ان تتجاوز القيادة السياسية للأكراد في العراق دورها في تسييج «الشمال» ككيان متصل منفصل عن الحكم المركزي في بغداد، إلى تجميع أكراد العالم، بوصفها قيادتهم جميعاً حيثما كانوا، لتوجه ـ وبشكل مباشر ـ رسالة واضحة إلى الأكراد، في سوريا، وهم جزء لا يتجزأ من وحدة الشعب السوري وطنياً، بأن لهم مرجعية سياسية خارج حدود وطنهم، تتعاطى معهم عبر عرقهم، مع إشارة ضمنية إلى لونهم المذهبي، في رسالة إلى بغداد، من جهة، وإلى مجلس التعاون الخليجي (وتركيا) من جهة ثانية، فضلاً عن اللون «الإخواني» للمعارضة السورية في الخارج.

هل من الضروري التذكير ببؤس النظام السوداني ذي الشعار الإسلامي ودوره الذي يعادل الخيانة عبر التسبب في توفير الذرائع لأهل الجنوب كي ينفصلوا بدولة لن تكون إلا قاعدة إضافية لإسرائيل، بعد الأميركيين ومعهم بعض أوروبا؟
***
 
ماذا يملك مجلس الأمن الدولي يقدمه للعرب كلهم، بدءاً بالجامعة العربية وانتهاءً بسوريا، غير المهانة والشهادة بأنهم لا يستحقون ان تكون لهم دول بجيوش لم يعودوا يرونها في الاستعراضات، ولكنهم يرونها كثيراً في الشوارع والحارات كقوة فصل بين الطوائف، وكقوة حماية لحكام أنظمة القهر من شعوبهم، كما في اليمن السعيد الذي تركه مجلس التعاون الخليجي ينزف إلى حد اقتراب دولته الواحدة من التمزق والاندثار.

ليس مجلس التعاون الخليجي قيادة للأمة. لا هو ادّعى ذلك ولا هو يمكنه ان يدّعي القدرة على القيام بهذا الدور.

ولكنه يلعب، من حيث قصد أو لم يقصد، دوراً تخريبياً للغد العربي، كما يشهد عليه «الميدان» في القاهرة، ومحاولة تعزيز موقع الإسلاميين والأصوليين (السلفيين) منهم خاصة، في «العهد الجديد» للدولة في مصر، وكذلك في تونس، في حين دفع الليبيين نحو أتون الحرب الأهلية، وها هو الآن يعزز تحول المعارضة السياسية في سوريا نحو الفتنة مستغلاً غفلة النظام (الذي كان الأقرب إليه) ومعاندته في المبادرة إلى الإصلاح الذي تحتاجه سوريا حتى لا تسقط في أتون الحرب الأهلية بشعبها جميعاً، وبدورها المفتاح في منطقتها، على ان المسؤولية المعنوية تظل على عاتق جامعة الدول العربية التي كان المواطن العربي يأمل ألا يكرر، أمينها العام ـ الخطيئة المميتة لسلفه الصالح في «تأديب» الشعوب العربية بالتدخل الدولي طلباً للمنصب الفخم في قاهرة المعز مفترضاً انه بذلك انما يقترب من سدة القرار من الموقع المذهبي المضاد لذلك الخليفة الفاطمي.
 

عزرائيل هو الحل (!)

 

 

kandeel

لا يصح لأحد أن يستهين بحيوية الثورة المصرية، ومقدرتها العبقرية المدهشة على دفع الملايين إلى الميادين، وعلى ما نحو ما بدا مع حشود الغضب العارم في مناسبة مرور عام على اشتعال الثورة الأول.

لائحة المطالب طويلة مع عنفوان الثورة المتجددة، وبينها بالطبع إسقاط حكم المجلس العسكري، لكن عنوان 'القصاص' والمحاكمات الثورية كان الأبرز، وبدا كأن الشعب يريد إعدام مبارك وجماعته اللصوصية والقمعية، ولا يكاد يأبه بما يقال عنه محاكمات تجري، وبصورة روتينية رتيبة، وباتهامات هامشية ليست في صلب الموضوع، وبدعوى أنها محاكمة عادية تجري طبقا لقواعد القانون العادي، وتمضي إلى نهاية عادية جدا، إما بضمان البراءة لمبارك، أو الحكم عليه مع جماعته بأحكام سجن مخففة، ثم تجري إعادة النظر فيها بالطعن عليها أمام محكمة النقض.

مثل هذه المحاكمة لا ترضي الناس، وهم على حق، فالرئيس المخلوع يحاكم على شراء قصور وفيلات بسعر رمزي، والمسؤولون (خارج القفص) أبرأوا ذمته من أوامر قتل المتظاهرين، وعلى نحو ما ورد في شهادات اللواء عمر سليمان والمشير حسين طنطاوى نفسه، وكأن مبارك يحاكم على سرقة فرخة، أو سرقة حبل غسيل، بينما هو المسئول عن سرقة وتجريف وتدمير مصر كلها، وعلى مدى ثلاثين سنة، انحط فيها بمكانة مصر، ونزل بها إلى القاع، وحولها إلى عزبة وحكر مخصوص لعائلته ورجاله ونسائه، وارتكب جرائم الخيانة العظمى كلها، وإلى حد أن وصفه جنرالات تل أبيب بأنه كان 'أعظم كنز استراتيجى لإسرائيل' (!).
وابتعاد المحاكمة الجارية عن أي معنى جدي، وتوالي مشاهدها الهزلية، وتوقع نهايتها البائسة، كل ذلك لا يجري في إطار قضائي بحت، بل هو صورة من صور الالتفاف السياسي، واتصال لجهد المجلس العسكري في التواطؤ ضد الثورة، وحماية كبيرهم المخلوع، وهم الذين أجبروا على محاكمته، وقد كانوا لايريدون أي نوع من المحاكمة، بل تعهدوا لمبارك بتحصينه ضد أي مساءلة أو عقاب، وظلوا على واجب حمايته على مدى شهرين بعد إعلان خلعه في 11 فبراير 2011، وعلى مدى الشهرين، ظل مبارك وجماعته في الحفظ والصون، فلم يقترب منه أحد، ولا من زوجته، ولا من إبنيه، وظل صفوت الشريف وفتحى سرور في أمان تام، وظل كاتم أسرار المخلوع زكريا عزمي في عمله برئاسة الجمهورية كالمعتاد، وجرى تهريب الأموال ونقل الحسابات وإعدام الوثائق، وبدا كأن المجلس العسكري يريد أن يكفي على الخبر ماجورا، ولم يكن السلوك الغريب وقتها مفهوما لعامة الناس والثوريين، والذين انتفضوا غضبا مما تصوروه وقتها مجرد تباطؤ، فعادت ميادين التغيير تشتعل بالغضب، الأمر الذي أصاب المجلس العسكري بالذعر، فاستبق مليونية 8 إبريل 2011 بإعلان بدء التحقيق مع مبارك وعائلته، واعتقل رجال مبارك المقربين، وأودع الكل سجن مزرعة طرة، بينما استبقى لمبارك وزوجته نوعا من الرعاية الخاصة، واكتفى لفترة بتحديد إقامتهما في قصر شرم الشيخ، ثم أطلق سراح الزوجة سوزان أم الشرور، ونقل مبارك إلى المركز الطبى العسكرى على طريق القاهرة الإسماعيلية الصحراوي، ولكي يكون موضع رعاية خاصة مباشرة من المجلس العسكري، وبعد أن أطال عمدا في فترة التحقيق، وعلى أمل أن يخلصهم 'عزرائيل' من الورطة، لكن مبارك لم يمت ولا جاء أوانه، فتوالت فصول المحاكمة الهزلية، والتي يظهر فيها مبارك متمارضا متماوتا ممددا على سرير، وكأنه 'أسد في غفوة' على حد تعبير مجلة 'نيوزويك ' الأمريكية، لا ينطق بكلمة ولا بشهقة، ولا يدافع عن نفسه أو يعلق، إلا أن ينطق بكلمة 'أنا موجود' ردا على نداء القاضي التقليدي في بداية الجلسات، ثم يواصل صمته وهمهماته المتقطعة لإبنيه المحتجزين معه داخل القفص، ويبدو كأنه يؤدي دورا تمثيليا، ولا يمثل لمحاكمة، والتفسير ظاهر لاطمئنانه البادي، فقد تلقى تعهدات من المجلس العسكري بعدم سجنه ناهيك عن إعدامه، وملوك وأمراء السعودية والخليج دعموا هذه التعهدات وألحوا عليها، وتماما كما فعل الأمريكيون ويفعل الإسرائيليون، فإعدام مبارك ـ إن جرى ـ هو إعدام سياسى لهؤلاء جميعا.

والمحصلة مفهومة، فلن يتحقق معنى القصاص الذي تطالب به ملايين الثورة المصرية بأمثال هذه المحاكمات، والمجلس العسكري يتصور أنه يكسب المزيد من الوقت، وعلى أمل أن تأتي نجدة عزرائيل، أو أن ينقل العبء الثقيل عن كتفه إلى كتف آخر، قد يكون البرلمان الذي تسيطر عليه أغلبية الإخوان والسلفيين، أو إلى رئيس مقبل، يجري الإعداد لانتخابه، وبمقاييس توافق خاصة مع رعاة مبارك الإقليميين والدوليين، وهو مالا يعني نهاية المأزق، بل تصديره لآخرين تحل عليهم أدوار الشيطان بدلا عن المجلس العسكري، وهو ما لا يبدو سهلا ميسورا، والأسباب معلومة، فلن تبرد نار غضب الثورة المصرية مع أي وقت إضافي يمر، والقاضي المكلف بمحاكمة مبارك تنتهي مدة خدمته الرسمية في نهاية يونيو المقبل، أي في الوقت ذاته الذي يعلن فيه عن اسم الرئيس الفائز، وهو ما يعني أن حكما مخففا سيكون له وقع الزلزال، وسيكون قنبلة تنفجر في وجوه الجميع، اللهم إلا إذا تقدم أحد لمساعدة 'عزرائيل'، ونزع فتيل القنبلة (!).

وبرغم امتناع أعضاء المجلس العسكري عن التعليق علنا على محاكمة مبارك، واكتفاؤهم بالقول أننا لانتدخل في أحكام القضاء، إلا إن القاصي والداني يعلم ما يريدون، فقد سعوا إلى تحصين مبارك منذ خلعه، ثم أرغموا على تقديمه لمحاكمة، وأرادوا امتصاص غضب الرأي العام بالاستجابة الصورية، ومع إفراغ المحاكمة من أي مضمون يكافئ جرائم المخلوع، بل وقدم المشير طنطاوي شهادة محابية لمبارك في جلسة محاكمة سرية، وأجاب على اغلب أسئلة القاضي بطريقة 'ما أعرفش'(!)، وهي إجابة غريبة من رجل عمل في معية مبارك على مدى يقارب ربع قرن، وكقائد للحرس الجمهوري ثم وزيرا للدفاع، أي أنه كان شريكا مباشرا في كل ما جرى، وعالما بأسراره وصفقاته، ومطلعا على الصناديق السوداء، ومدركا للحقيقة الناطقة، وهي أن أي محاكمة جدية لمبارك سوف تشمله مع جنرالاته، ولن يكون المشير طنطاوي ولا الفريق عنان مع غيرهم بمنجى عن مساءلة، أو ربما عقاب، وهم يسعون إلى استصدار تشريع حصانة للجنرالات من قبل برلمان تسوده غالبية الإسلاميين، وهو البرلمان نفسه الذي يواجه مأزق محاكمة مبارك، ويملك حق إصدار تشريع خاص بمحاكمة جدية شاملة للمخلوع، فهل يفعلها ؟، أم أنه هو الآخر ينتظر قدوم عزرائيل؟!.

 

بـهـجــت أبــو غـربـيـــة: تـاريــخ انطــوى

qrbya

من المحال أن يمر اسم بهجت أبو غربية في الذاكرة من دون أن يتداعى في الخاطر عالم بهي من تاريخ النضال القومي في فلسطين، وأن تلوح في الخيال أطياف متلألئة لرجال كان لهم شأن رفيع في تاريخ الأمة العربية. وبهجت أبو غربية الذي عارك الانكليز والصهيونيين والنظام الأردني في عهد الملك عبد الله الأول والملك حسين، عركته الأيام بقوة، وتحوّل بقوة المُثل التي اعتنقها وناضل في سبيلها، إلى مثال يزهو به كل من عرفه أو لازمه أو ناضل معه. على أن بهجت أبو غربية كان يتحلى بمناقب من المبادئ التي لم تتراجع أو تتراخَ أو تَلِنْ أمام المواقف الصعبة، فظل حتى آخر يوم من حياته واقفاً كسنديانة عتيقة، واخزاً كصبّار في الجليل، وطيباً مثل أعناب الكروم في الخليل. وقد كان من حسن أيامي أنني تعرفت إلى هذا المناضل في سبعينيات القرن العشرين، والتقيته مرات في بيروت، وتوليت تحرير الجزء الأول من مذكراته التي صدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان «في خضم النضال العربي الفلسطيني»، واكتشفت، بسرعة، كم أن أمثاله كانوا ملهِمين لجيل كامل أتى بعدهم، وقبس من سيرتهم، واتخذهم، في بعض الحالات، نبراساً له.
 
عاش بهجت أبو غربية ستاً وتسعين سنة بالتمام، فقد طحن قرناً من الزمن، ولم تتمكن السنون كلها من تطويع إرثه السياسي أو عزيمته الصلبة، وبقي إلى ما قبل سنتين تقريباً حاضراً في أي جهد في سبيل فلسطين وحرية شعبه وتحرير وطنه.
***
ولد بهجت أبو غربية في خان يونس سنة 1916 لوالد من الخليل مولود في الزقازيق، ولأم من أتراك صربيا الذين وجدوا في فلسطين وطناً لهم بعد حرب البلقان. أما والده الذي ترأس الجمعية الإسلامية ـ المسيحية في الخليل سنة 1921 فقدّم شهيدين هما ولداه صبحي وشفيق، علاوة على أحد أشقائه. أما ابنه بهجت فقد صار حكاية من حكايات الشجاعة في أثناء معارك القدس سنة 1948. ولا غرو في ذلك، إذ إن وعيه تفتح على ثورة البراق في سنة 1929، وعلى إعدام الشهداء الثلاثة في 16/6/1930، وكان من بينهم خليليان هما عطا الزير ومحمد جمجوم. أما فؤاد حجازي، ثالثهم، فكان صفدياً. ثم إن عز الدين القسام نفسه كان صديقاً لشقيقه رشاد أبو غربية في حيفا، وكثيراً ما زاره في المنزل وجلس إلى بهجت يحدثه في شؤون الوطن. وأبعد من ذلك، فإن أساتذته أمثال عارف البديري وحسن عرفات ومحمود الكرمي وحسن الكرمي ووصفي عنبتاوي كانوا يطلبون من تلاميذهم ألا يستعملوا كلمة فلسطين أو شرق الأردن إلا عند الضرورة، بل عليهم استعمال عبارة «سورية الجنوبية».

في هذه الأجواء شب بهجت أبو غربية، وانخرط مثل معظم أبناء جيله في النضال الوطني، وأسس مع عدد من رفاقه في سنة 1934 مجموعة «الحرية» التي قدمت بعض الشهداء أمثال عبد الحفيظ بركات وسامي الأنصاري وصبحي بركات، ثم انضمت إلى جيش الجهاد المقدس، وقاتل جميع أفرادها في القدس والخليل ونظموا الدفاع عن أحياء المصرارة وسعد وسْعيد وباب الساهرة والشيخ جرّاح، ونفذوا عمليات كبيرة مثل نسف شارع هاسوليل وشارع بن يهودا في القدس، واغتيال قائد شرطة القدس ألان سيكرست. وفي خضم ذلك كله أصيب بجروح خمس مرات.
***
بعد سقوط فلسطين في سنة 1948، عمد إلى تجميع السلاح وإخفائه في مخابئ سرية في القدس. وقادته أجواء السياسية آنذاك إلى حزب البعث العربي الاشتراكي. وفي تلك الأثناء اعتقل ونفي إلى الشوبك جراء صلاته ببعض الذين اغتالوا الملك عبد الله في سنة 1951، ثم عاش متخفياً نحو سنتين بعد إعلان الأحكام العرفية في سنة 1957. لكنه لم يلبث أن انسحب من المؤتمر القومي لحزب البعث سنة 1959 بسبب المواقف الناقدة لجمال عبد الناصر وللوحدة السورية ـ المصرية، وشكل مع رفاقه المنسحبين «حزب البعث الثوري» الذي تلاشى فور تأسيسه.
***
كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني الأول (القدس 1964) الذي انبثقت منه منظمة التحرير الفلسطينية، واختير عضواً في أول لجنة تنفيذية للمنظمة، وشارك بهذه الصفة في تأسيس جيش التحرير الفلسطيني وقوات التحرير الشعبية. وفي سنة 1969 انضم إلى جبهة النضال الشعبي الفلسطيني التي أسسها صبحي غوشة وعدد من ابناء القدس في 15/7/1967، وصار ممثلاً لها في منظمة التحرير.
بغياب بهجت أبو غربية ([) ينطوي قرن من الزمان تقريباً تغير فيه العالم برمته. لقد ولد أبو غربية إبان الحرب العالمية الأولى، وقبــيل خروج الأتراك من فلسطين، وها هي قضية فلسطين، والعالم العربي كله، تعانق القرن الحادي والعشرين وما زالت الحرية غاية صعبة المنال، بينما العالم العربي يشتعل بتحولات من الصعب إدراك تفاعلاتها تماماً. وفي معمعان هذا الحريق يرحل بهجت أبو غربية ولم يبق من جيله أحد على الأرجح.

(1)توفي بهجت أبو غربية في عمان في 26/1/2012، وقد نعاه المؤتمر القومي العربي باعتباره أحد أعضائه المؤسسين.
 
المزيد من المقالات...