مقالات
خياراتُ الفلسطينيين بعد 26 كانون الثّاني
إن تأجيل اجتماع لجنة المنظمة بعد فشل "لقاءات عمّان" بدلًا من المسارعة إلى عقدها، يؤكد على أنّها ليست الإطار القياديّ المؤقت للمنظمة، ولا تحظى بالأولويّة التي تقتضي تغليب اجتماعاتها على مواعيد الرئيس الأخرى، ولا هي الجهة المعنيّة بتحديد خيارات المنظّمة بعد 26 كانون الثاني. |
مجلس ثورى رئاسى يتسلم السلطة
أتابع ما يكتبه كثير من المفكرين السياسيين فى الصحف، من حلول يقترحونها لحل ما يسمونه الأزمة الراهنة، بين القوى الثلاث الموجودة فى الساحة المصرية، وتشمل المجلس العسكرى برئاسة المشير طنطاوى، والإخوان المسلمين وتيارهم الدينى الذى سيطر على مجلس الشعب، والثوار الملايين فى الشوارع والميادين ومنها ميدان التحرير، كأنما يدورون حول أنفسهم فى حلقة مفرغة، دون حلول جذرية ثورية، لا ينصتون إلى صوت الملايين، كلهم يدعون التحامهم فى الميدان بالثوار، ثم ما إن يعودوا إلى بيوتهم وقصورهم ليفكروا، إذا بالثوار تذروهم الرياح، ولا يبقى أمامهم إلا المجلس العسكرى والإخوان. النظام العربي يسترهن الأمة بالتدويل ..والحكم السوري مع الإصلاح.. بالنار!
للمرة الثانية خلال ستة أشهر يقف أهل النظام العربي على باب مجلس الأمن الدولي مقرين بعجزهم عن مواجهة الأزمات المصيرية التي يتحملون، منفردين ومجتمعين المسؤولية عن انفجارها وتفاقم مخاطرها على «الأمة» جميعاً، في حاضرها ومستقبلها.
في المرة الأولى دفع أهل النظام بجامعة دولهم، التي لم يمكنوها يوماً من ان تقوم بمهمتها المفترضة أو المرتجاة، لأن تذهب بمصير ليبيا، دولة وشعباً وثروات، إلى المؤسسة الدولية المخضعة لهيمنة أميركية مطلقة، وبالتالي إلى نفوذ إسرائيلي مؤكد. فكان ان أحيلت المهمة إلى أساطيل الحلف الأطلسي الذي تولى إبادة ما كان تبقى من «الدولة» وإن حرص على حماية النفط بحقول المنابع وخطوط النقل وموانئ التصدير إلى الغرب الذي يحتاجه بقدر حاجته إلى الهواء. ولا ضير في ان تتسبب هذه المهمة الإنقاذية النبيلة في حرب أهلية مفتوحة بين الليبيين الذين فرض عليهم «العقيد» ان يبقوا قبائل وعشائر وأعراقاً متنابذة. كل ما في الأمر ان الجامعة المستقيلة من دورها بعدما هيمن عليها حكام الذهب الأسود قد ارتضت ان يركبوها مستظلين شرعيتها المعنوية للذهاب إلى مجلس الأمن (الأميركي) لتأديب حاكم ليبيا الذي كان يذلهم بأسباب قوتهم ذاتها: النفط و«صداقة» واشنطن و«حاجة» أوروبا إليه. وها هم اليوم يكررون فعلتهم النكراء فتذهب الجامعة التي تحرص على تأكيد عروبتها بكوفية الحاكم النفطي المبادر إلى تقديم أرضه لأكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط وكذلك إلى فتح سفارة للعدو الإسرائيلي تحت مسمى «مكتب تمثيل تجاري»، إلى مجلس الأمن طالبة تأديب النظام السوري بعزل رئيسه كمدخل إلى وقف الحرب الأهلية التي تتهدد البلاد. وسيكون وفد الجامعة المعزز بالكوفية القطرية المذهبة «المحلل الشرعي» لدخول المعارضة السورية ذات الواجهة المدنية والثقل الميداني الإسلامي إلى مجلس الأمن الدولي، ولو كشاهد فصيح من موقع اغترابه الدولي. على ان هذا لا ينفي ولا يجوز ان ينفي أو يخفف من مسؤولية النظام عن المذبحة المفتوحة في سوريا واستمرارها، بل وتفاقمها الخطير في الأيام القليلة الماضية بما جعل مهمة المراقبين العرب مستحيلة إذا ما اعتبرنا انها انما تقتصر على «الشهادة» بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع إلى هاوية الحرب الأهلية، أي بما يفترض ان يمهد للتسوية السياسية العتيدة عبر الحوار الوطني المعلق على عتبة إصلاح موعود ما ان تطل عناوينه حتى تنسف مضامينه. إن سوريا تغرق في دماء أبنائها، بما يهدد وحدتها الوطنية بالتفكك، ويدمر منجزات شعبها العظيم في مجالات العمران والصناعة والزراعة والثقافة، فضلاً عن دوره المجيد في رفع راية العروبة ومبادرته إلى نصرة شعب فلسطين بالمجاهدين منذ ثورة 1936، ومع التأكيد على ضلوع «الخارج»، عربياً وتركياً وغربياً، في تشجيع الخروج على النظام، فإن القيادة السياسية لم تستدرك فتبادر إلى الإصلاح الذي وعدت به مراراً ثم تأخرت في إنجازه، وما تزال تطلق الوعود من دون ان تتوقف عن اطلاق النار، لكي تؤكد جديتها في معالجة الأزمة الدموية التي تكاد تذهب بسوريا، دولة منيعة بقوة وحدتها الوطنية التي ظلت تستعصي على محاولات إثارة الفتنة أو الارتهان للخارج. وبالتأكيد فإن التأخير المتكرر لفتح أبواب الحوار مع المعارضة الوطنية في الداخل بأطيافها جميعاً ومن ضمنه بعض من في الخارج، وكلهم يحمل شهادة صموده الوطني سنوات من الاعتقال الكيفي في سجون السلطة، يكشف عجز النظام أو عدم رغبته في إنجاز حل سياسي يحمي وحدة البلاد ودولتها. ثم ان هذا التعنت في رفض الحوار كمدخل جدي إلى إصلاح سياسي شامل مع العجز المؤكد للحل العسكري الذي يبدو ان النظام قد اعتمده عن حسم الأزمة الوطنية الخطيرة، سيزيد من قدرة «الخارج» على التدخل، وهذه المرة بذريعة حماية الكيانات المجاورة من خطر تمدد الحرب الأهلية التي يراد لها ان تتمظهر كفتنة طائفية. وهكذا يتم التركيز المنهجي على «الدور الإيراني» في الأزمة السورية، بقصد تعزيز الجهد لتطئيفها، ثم يضاف دور مزعوم لـ«حزب الله»، قبل ان يتنبه «الإسلاميون» إلى ضرورة الجمع بين النظام السوري والحكم في العراق على قاعدة مذهبية، ويسهل ضم الأزمة الوطنية الدموية في البحرين فضلاً عن اليمن، فإذا هي «الفتنة الكبرى» بنسخة عصرية.. يصبح منطقياً، والحال هذه، ان نقرأ في هذا اللقاء الذي احتشد له أركان مجلس التعاون الخليجي مع المسؤولين الأتراك في أنقرة، دلالات تتجاوز التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي، إلى التوحد في جبهة سياسية لها شعارها المذهبي الواضح، في مواجهة إيران، ومعها النظام السوري... و«حزب الله» في لبنان الذي لا بد من تأديبه، بشكل خاص، لأنه تصدى للحرب الإسرائيلية فهزمها، متحملاً نقمة أهل النظام العربي عليه وقد تحولت إلى حرب مفتوحة، ويصبح منطقياً، بالتالي، ان تتجاوز القيادة السياسية للأكراد في العراق دورها في تسييج «الشمال» ككيان متصل منفصل عن الحكم المركزي في بغداد، إلى تجميع أكراد العالم، بوصفها قيادتهم جميعاً حيثما كانوا، لتوجه ـ وبشكل مباشر ـ رسالة واضحة إلى الأكراد، في سوريا، وهم جزء لا يتجزأ من وحدة الشعب السوري وطنياً، بأن لهم مرجعية سياسية خارج حدود وطنهم، تتعاطى معهم عبر عرقهم، مع إشارة ضمنية إلى لونهم المذهبي، في رسالة إلى بغداد، من جهة، وإلى مجلس التعاون الخليجي (وتركيا) من جهة ثانية، فضلاً عن اللون «الإخواني» للمعارضة السورية في الخارج. هل من الضروري التذكير ببؤس النظام السوداني ذي الشعار الإسلامي ودوره الذي يعادل الخيانة عبر التسبب في توفير الذرائع لأهل الجنوب كي ينفصلوا بدولة لن تكون إلا قاعدة إضافية لإسرائيل، بعد الأميركيين ومعهم بعض أوروبا؟ ***
ماذا يملك مجلس الأمن الدولي يقدمه للعرب كلهم، بدءاً بالجامعة العربية وانتهاءً بسوريا، غير المهانة والشهادة بأنهم لا يستحقون ان تكون لهم دول بجيوش لم يعودوا يرونها في الاستعراضات، ولكنهم يرونها كثيراً في الشوارع والحارات كقوة فصل بين الطوائف، وكقوة حماية لحكام أنظمة القهر من شعوبهم، كما في اليمن السعيد الذي تركه مجلس التعاون الخليجي ينزف إلى حد اقتراب دولته الواحدة من التمزق والاندثار.
ليس مجلس التعاون الخليجي قيادة للأمة. لا هو ادّعى ذلك ولا هو يمكنه ان يدّعي القدرة على القيام بهذا الدور. ولكنه يلعب، من حيث قصد أو لم يقصد، دوراً تخريبياً للغد العربي، كما يشهد عليه «الميدان» في القاهرة، ومحاولة تعزيز موقع الإسلاميين والأصوليين (السلفيين) منهم خاصة، في «العهد الجديد» للدولة في مصر، وكذلك في تونس، في حين دفع الليبيين نحو أتون الحرب الأهلية، وها هو الآن يعزز تحول المعارضة السياسية في سوريا نحو الفتنة مستغلاً غفلة النظام (الذي كان الأقرب إليه) ومعاندته في المبادرة إلى الإصلاح الذي تحتاجه سوريا حتى لا تسقط في أتون الحرب الأهلية بشعبها جميعاً، وبدورها المفتاح في منطقتها، على ان المسؤولية المعنوية تظل على عاتق جامعة الدول العربية التي كان المواطن العربي يأمل ألا يكرر، أمينها العام ـ الخطيئة المميتة لسلفه الصالح في «تأديب» الشعوب العربية بالتدخل الدولي طلباً للمنصب الفخم في قاهرة المعز مفترضاً انه بذلك انما يقترب من سدة القرار من الموقع المذهبي المضاد لذلك الخليفة الفاطمي. عزرائيل هو الحل (!)
لا يصح لأحد أن يستهين بحيوية الثورة المصرية، ومقدرتها العبقرية المدهشة على دفع الملايين إلى الميادين، وعلى ما نحو ما بدا مع حشود الغضب العارم في مناسبة مرور عام على اشتعال الثورة الأول. لائحة المطالب طويلة مع عنفوان الثورة المتجددة، وبينها بالطبع إسقاط حكم المجلس العسكري، لكن عنوان 'القصاص' والمحاكمات الثورية كان الأبرز، وبدا كأن الشعب يريد إعدام مبارك وجماعته اللصوصية والقمعية، ولا يكاد يأبه بما يقال عنه محاكمات تجري، وبصورة روتينية رتيبة، وباتهامات هامشية ليست في صلب الموضوع، وبدعوى أنها محاكمة عادية تجري طبقا لقواعد القانون العادي، وتمضي إلى نهاية عادية جدا، إما بضمان البراءة لمبارك، أو الحكم عليه مع جماعته بأحكام سجن مخففة، ثم تجري إعادة النظر فيها بالطعن عليها أمام محكمة النقض. مثل هذه المحاكمة لا ترضي الناس، وهم على حق، فالرئيس المخلوع يحاكم على شراء قصور وفيلات بسعر رمزي، والمسؤولون (خارج القفص) أبرأوا ذمته من أوامر قتل المتظاهرين، وعلى نحو ما ورد في شهادات اللواء عمر سليمان والمشير حسين طنطاوى نفسه، وكأن مبارك يحاكم على سرقة فرخة، أو سرقة حبل غسيل، بينما هو المسئول عن سرقة وتجريف وتدمير مصر كلها، وعلى مدى ثلاثين سنة، انحط فيها بمكانة مصر، ونزل بها إلى القاع، وحولها إلى عزبة وحكر مخصوص لعائلته ورجاله ونسائه، وارتكب جرائم الخيانة العظمى كلها، وإلى حد أن وصفه جنرالات تل أبيب بأنه كان 'أعظم كنز استراتيجى لإسرائيل' (!). والمحصلة مفهومة، فلن يتحقق معنى القصاص الذي تطالب به ملايين الثورة المصرية بأمثال هذه المحاكمات، والمجلس العسكري يتصور أنه يكسب المزيد من الوقت، وعلى أمل أن تأتي نجدة عزرائيل، أو أن ينقل العبء الثقيل عن كتفه إلى كتف آخر، قد يكون البرلمان الذي تسيطر عليه أغلبية الإخوان والسلفيين، أو إلى رئيس مقبل، يجري الإعداد لانتخابه، وبمقاييس توافق خاصة مع رعاة مبارك الإقليميين والدوليين، وهو مالا يعني نهاية المأزق، بل تصديره لآخرين تحل عليهم أدوار الشيطان بدلا عن المجلس العسكري، وهو ما لا يبدو سهلا ميسورا، والأسباب معلومة، فلن تبرد نار غضب الثورة المصرية مع أي وقت إضافي يمر، والقاضي المكلف بمحاكمة مبارك تنتهي مدة خدمته الرسمية في نهاية يونيو المقبل، أي في الوقت ذاته الذي يعلن فيه عن اسم الرئيس الفائز، وهو ما يعني أن حكما مخففا سيكون له وقع الزلزال، وسيكون قنبلة تنفجر في وجوه الجميع، اللهم إلا إذا تقدم أحد لمساعدة 'عزرائيل'، ونزع فتيل القنبلة (!). وبرغم امتناع أعضاء المجلس العسكري عن التعليق علنا على محاكمة مبارك، واكتفاؤهم بالقول أننا لانتدخل في أحكام القضاء، إلا إن القاصي والداني يعلم ما يريدون، فقد سعوا إلى تحصين مبارك منذ خلعه، ثم أرغموا على تقديمه لمحاكمة، وأرادوا امتصاص غضب الرأي العام بالاستجابة الصورية، ومع إفراغ المحاكمة من أي مضمون يكافئ جرائم المخلوع، بل وقدم المشير طنطاوي شهادة محابية لمبارك في جلسة محاكمة سرية، وأجاب على اغلب أسئلة القاضي بطريقة 'ما أعرفش'(!)، وهي إجابة غريبة من رجل عمل في معية مبارك على مدى يقارب ربع قرن، وكقائد للحرس الجمهوري ثم وزيرا للدفاع، أي أنه كان شريكا مباشرا في كل ما جرى، وعالما بأسراره وصفقاته، ومطلعا على الصناديق السوداء، ومدركا للحقيقة الناطقة، وهي أن أي محاكمة جدية لمبارك سوف تشمله مع جنرالاته، ولن يكون المشير طنطاوي ولا الفريق عنان مع غيرهم بمنجى عن مساءلة، أو ربما عقاب، وهم يسعون إلى استصدار تشريع حصانة للجنرالات من قبل برلمان تسوده غالبية الإسلاميين، وهو البرلمان نفسه الذي يواجه مأزق محاكمة مبارك، ويملك حق إصدار تشريع خاص بمحاكمة جدية شاملة للمخلوع، فهل يفعلها ؟، أم أنه هو الآخر ينتظر قدوم عزرائيل؟!. بـهـجــت أبــو غـربـيـــة: تـاريــخ انطــوى
من المحال أن يمر اسم بهجت أبو غربية في الذاكرة من دون أن يتداعى في الخاطر عالم بهي من تاريخ النضال القومي في فلسطين، وأن تلوح في الخيال أطياف متلألئة لرجال كان لهم شأن رفيع في تاريخ الأمة العربية. وبهجت أبو غربية الذي عارك الانكليز والصهيونيين والنظام الأردني في عهد الملك عبد الله الأول والملك حسين، عركته الأيام بقوة، وتحوّل بقوة المُثل التي اعتنقها وناضل في سبيلها، إلى مثال يزهو به كل من عرفه أو لازمه أو ناضل معه. على أن بهجت أبو غربية كان يتحلى بمناقب من المبادئ التي لم تتراجع أو تتراخَ أو تَلِنْ أمام المواقف الصعبة، فظل حتى آخر يوم من حياته واقفاً كسنديانة عتيقة، واخزاً كصبّار في الجليل، وطيباً مثل أعناب الكروم في الخليل. وقد كان من حسن أيامي أنني تعرفت إلى هذا المناضل في سبعينيات القرن العشرين، والتقيته مرات في بيروت، وتوليت تحرير الجزء الأول من مذكراته التي صدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان «في خضم النضال العربي الفلسطيني»، واكتشفت، بسرعة، كم أن أمثاله كانوا ملهِمين لجيل كامل أتى بعدهم، وقبس من سيرتهم، واتخذهم، في بعض الحالات، نبراساً له.
عاش بهجت أبو غربية ستاً وتسعين سنة بالتمام، فقد طحن قرناً من الزمن، ولم تتمكن السنون كلها من تطويع إرثه السياسي أو عزيمته الصلبة، وبقي إلى ما قبل سنتين تقريباً حاضراً في أي جهد في سبيل فلسطين وحرية شعبه وتحرير وطنه.
***
ولد بهجت أبو غربية في خان يونس سنة 1916 لوالد من الخليل مولود في الزقازيق، ولأم من أتراك صربيا الذين وجدوا في فلسطين وطناً لهم بعد حرب البلقان. أما والده الذي ترأس الجمعية الإسلامية ـ المسيحية في الخليل سنة 1921 فقدّم شهيدين هما ولداه صبحي وشفيق، علاوة على أحد أشقائه. أما ابنه بهجت فقد صار حكاية من حكايات الشجاعة في أثناء معارك القدس سنة 1948. ولا غرو في ذلك، إذ إن وعيه تفتح على ثورة البراق في سنة 1929، وعلى إعدام الشهداء الثلاثة في 16/6/1930، وكان من بينهم خليليان هما عطا الزير ومحمد جمجوم. أما فؤاد حجازي، ثالثهم، فكان صفدياً. ثم إن عز الدين القسام نفسه كان صديقاً لشقيقه رشاد أبو غربية في حيفا، وكثيراً ما زاره في المنزل وجلس إلى بهجت يحدثه في شؤون الوطن. وأبعد من ذلك، فإن أساتذته أمثال عارف البديري وحسن عرفات ومحمود الكرمي وحسن الكرمي ووصفي عنبتاوي كانوا يطلبون من تلاميذهم ألا يستعملوا كلمة فلسطين أو شرق الأردن إلا عند الضرورة، بل عليهم استعمال عبارة «سورية الجنوبية».
في هذه الأجواء شب بهجت أبو غربية، وانخرط مثل معظم أبناء جيله في النضال الوطني، وأسس مع عدد من رفاقه في سنة 1934 مجموعة «الحرية» التي قدمت بعض الشهداء أمثال عبد الحفيظ بركات وسامي الأنصاري وصبحي بركات، ثم انضمت إلى جيش الجهاد المقدس، وقاتل جميع أفرادها في القدس والخليل ونظموا الدفاع عن أحياء المصرارة وسعد وسْعيد وباب الساهرة والشيخ جرّاح، ونفذوا عمليات كبيرة مثل نسف شارع هاسوليل وشارع بن يهودا في القدس، واغتيال قائد شرطة القدس ألان سيكرست. وفي خضم ذلك كله أصيب بجروح خمس مرات.
***
بعد سقوط فلسطين في سنة 1948، عمد إلى تجميع السلاح وإخفائه في مخابئ سرية في القدس. وقادته أجواء السياسية آنذاك إلى حزب البعث العربي الاشتراكي. وفي تلك الأثناء اعتقل ونفي إلى الشوبك جراء صلاته ببعض الذين اغتالوا الملك عبد الله في سنة 1951، ثم عاش متخفياً نحو سنتين بعد إعلان الأحكام العرفية في سنة 1957. لكنه لم يلبث أن انسحب من المؤتمر القومي لحزب البعث سنة 1959 بسبب المواقف الناقدة لجمال عبد الناصر وللوحدة السورية ـ المصرية، وشكل مع رفاقه المنسحبين «حزب البعث الثوري» الذي تلاشى فور تأسيسه.
***
كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني الأول (القدس 1964) الذي انبثقت منه منظمة التحرير الفلسطينية، واختير عضواً في أول لجنة تنفيذية للمنظمة، وشارك بهذه الصفة في تأسيس جيش التحرير الفلسطيني وقوات التحرير الشعبية. وفي سنة 1969 انضم إلى جبهة النضال الشعبي الفلسطيني التي أسسها صبحي غوشة وعدد من ابناء القدس في 15/7/1967، وصار ممثلاً لها في منظمة التحرير.
بغياب بهجت أبو غربية ([) ينطوي قرن من الزمان تقريباً تغير فيه العالم برمته. لقد ولد أبو غربية إبان الحرب العالمية الأولى، وقبــيل خروج الأتراك من فلسطين، وها هي قضية فلسطين، والعالم العربي كله، تعانق القرن الحادي والعشرين وما زالت الحرية غاية صعبة المنال، بينما العالم العربي يشتعل بتحولات من الصعب إدراك تفاعلاتها تماماً. وفي معمعان هذا الحريق يرحل بهجت أبو غربية ولم يبق من جيله أحد على الأرجح.
(1)توفي بهجت أبو غربية في عمان في 26/1/2012، وقد نعاه المؤتمر القومي العربي باعتباره أحد أعضائه المؤسسين. |
- الصومال: حذف دولة من لائحة الأمم
- قبل أن تحكم إسرائيل نصف الشرق الأوسط
- 25 يناير بعد عام..
- الاحتلال الإسرائيلي ومنطق -اللابشر-
- يرتعدون منهم حتى في قبورهم
- الطاهر لبيب يراهن على ثورة الممكن
- الرسائل الأموية: ان هذا.. يريد هذا.. وإلا.. فهذا !!
- الهولوكوست الفلسطيني المفتوح..
- شيء فاسد في يمن المبادرة الخليجية
- هتك الكرامة أو خدش الحياء؟








